lualdengchol72@gmail.com
استعادة الرؤية أم دفن الحلم.. الطريق أمام الحركة الشعبية لتحرير السودان ٠
بقلم: لوال كوال لوال
بعد رحيل الدكتور جون قرنق ومرحلة الفراغ السياسي التي تلت ذلك، وبعد التحول من الثورة إلى الدولة، ومن السلطة إلى البرجوازية المرحلية، وبعد التدهور الاجتماعي والمؤسسي الذي شهدناه، يقف الجميع اليوم أمام سؤالٍ محوري: هل يمكن استعادة مشروع “السودان الجديد”، أم أن الحلم مات إلى الأبد؟ لقد ترك قرنق وراءه رؤية واضحة، لكنها كانت تتطلب قيادةً مؤمنة بفكرها، ومؤسسات قوية تحميها، وشعباً واعياً بمسؤولياته. غياب هذا المزيج كان السبب في ضياع البوصلة، واندفاع الحركة نحو سلطةٍ مغلقةٍ ومصالحٍ شخصية. البرجوازية المرحلية سيطرت على الموارد، واستنزفت المبادئ، حتى بدا أن الفكرة قد تحولت إلى ذكرى يتغنى بها الخطباء، دون أن يلمسها الواقع. لكن التاريخ لا يعرف اليأس المطلق ،حتى في أسوأ الظروف، يبقى هناك مساحة للوعي والتجديد. إن أي محاولة لإعادة الحياة للفكرة الأصلية يجب أن تبدأ من استعادة الأخلاق السياسية، ثم من إعادة بناء المؤسسات، وأخيراً من تنشئة جيل جديد قادر على مواجهة الانتهازية والفساد. فالحرية الحقيقية لا تُعطى مرة واحدة، بل تُبنى يومياً عبر ممارسات صغيرة، عبر الشفافية، والمساءلة، والالتزام بالمبادئ، وليس عبر الشعارات أو الاحتفالات. لقد أثبتت التجربة أن الثورة التي لا تبني المؤسسات ولا تحمي الفكرة هي ثورة هشة، يمكن أن تتحول بسرعة إلى نظام مغلق ومركز للثروة والسلطة. وهنا يكمن الدرس الأهم لكل من يريد استعادة مشروع السودان الجديد: يجب أن يكون هناك توازن بين القوة والفكر، بين السلطة والمبادئ، وإلا سيعود التاريخ ليكرر نفسه. الجيل الجديد الذي نشأ بعد قرنق يعيش اليوم في واقع مزدوج: من جهة يرى إرثه الضائع، ومن جهة أخرى يشعر بأن الفرصة ما زالت قائمة لإعادة البناء. هؤلاء الشباب هم الأمل الحقيقي في استعادة الرؤية، لكنهم يحتاجون إلى شجاعة فكريّة للتصدي للشلليات القديمة، وإلى تصميم عملي لتطوير المؤسسات وتحويلها من أدوات للامتياز إلى أدوات لخدمة الشعب. وهنا يكمن التحدي الأكبر: كيف يمكن لحركةٍ سياسية أن تتجدد من الداخل، بعد أن فقدت مشروعها الأخلاقي؟ الجواب لا يكمن في الأحكام على الماضي، بل في المواجهة الجريئة للواقع الحالي، والقدرة على تحويل الدروس إلى سياسات وممارسات. إذا تمكّن القادة الجدد من بناء مؤسسات شفافة، وإشراك الشعب في صناعة القرار، وتطبيق العدالة الاجتماعية، فسيكون من الممكن إعادة الحياة للثورة التي بدأت بفكرة الحرية والمساواة. لكن إذا استمرت البرجوازية المرحلية في السيطرة على الموارد والقرار، فإن الحركة ستظل سجينة نفسها، ولن تنجو إلا كبقايا شعارية تُرفع في الاحتفالات، بينما الشعب يعيش حياةً بعيدة عن الحلم الذي انتظرته الأجيال. وهنا أيضاً يظهر دور المجتمع المدني، والكوادر الوطنية، والضغط الشعبي في تحريك عجلة الإصلاح. فلا يمكن أن تستمر الحركة الشعبية في حالة الجمود والتراجع، إلا إذا كان هناك حراك داخلي وخارجي يذكّرها بمسؤوليتها، ويضغط عليها لإعادة البوصلة إلى مكانها الطبيعي. إن استعادة الرؤية تعني إعادة الحياة للثورة، وجعلها أكثر من مجرد أدوات سلطة أو وسيلة امتياز. إنها دعوة لكل من يؤمن بالحرية والعدالة والمساواة أن يستمر في الكفاح، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالفكر، والمؤسسات، والمبادرة المجتمعية. فالتحرر الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان أولاً، ومن داخل الحركة والمؤسسات ثانياً، قبل أن يتحقق على مستوى الدولة والمجتمع. وبذلك، يمكن القول إن الحلم لم يمت بالكامل، ولكنه يحتاج إلى شجاعة القيادة، ووعي المجتمع، ومثابرة الأجيال الجديدة. الحركة الشعبية أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تستعيد روح قرنق وفكرته الوطنية الشاملة، أو أن تتحول إلى مجرد ذكرى جميلة في كتب التاريخ، بينما الواقع يزداد فقراً وظلماً. وختاماً، يبقى درس قرنق حيًّا لكل من يريد أن يبني وطنًا حقيقيًا: أن الفكرة أكبر من الشخص، وأن المبادئ أكبر من السلطة، وأن الحرية لا تُبنى إلا بالعدل والوعي والمساءلة. فإذا أرادت الحركة الشعبية أن تعيش، يجب أن تبدأ من هنا، من إعادة بناء الفكرة، قبل أن تُعيد بناء الدولة. وعندها فقط يمكن أن يُستعاد السودان الجديد، حلم قرنق الذي لم يمت، بل ينتظر من يحييه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم