محمد عبد المنعم صالح
هل شعرت يوماً أنك إصبت بالرهق ؟! .. أو أن النسخة النقيه منك قد بدأت تتلاشى تحت ركام الخيبات .. أو أن قلبك انطفأ لدرجةٍ لم تعد تعرف فيها نفسك؟ ..
لتقِف مكانك.. واسمع هذا النداء الذي يهدّ أوهام العجز في لحظة..
بسم الله الرحمن الرحيم (( إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ))
الإعادة إذا ليست مجرد بعثٍ للموتى في الآخرة ، بل هي قانون ترميم فوري يسري في الكون الآن وفي كل آن ..
الذي بدأ خلقك من العدم، ونفخ فيك هو وحده القادر على إعادة شحن روحك وترميم تصدعات قلبك وبعثك من جديد كأعظم وأقوى ما تكون..
فكل انكسار هو تمهيد لـ إعادة بناء أكثر صلابة وعمقاً
الغفور … يمحو أثر السقوط وكأنه لم يكن..
الودود:.. يغمرك بلطائفه الخفية ونعمه المتجددة.. بل يرسل إليك إشارات يتودد إليك فيها لتعلم أن مكانتك في حضرة الحضرة لم تتزحزح بسبب عثراتك البشرية ..
إذا حق علينا أن لا نرضخ لظلام اللحظة ولا يجب أن نظن أن ما انكسر فينا قد مضى بلا عودة.. فمَن بيده سرّ البدء يملك طاقة الإعادة، ومَن غمر الوجود بودّه لن يترك أرواحنا حائرة في التيه..
ربما إشارة إلى مرتبة الغيب المطلق !!
{هُوَ} .. سلطان الأسماء وإليه الإشارة في مقام الأحدية..
{يُبْدِئُ}.. ليبدء تجلي النور الأحدي في مراتب الوجود صعوداً وهبوطاً، وإخراج الأعيان الثابتة من عالم الغيب والعدم إلى عالم الشهود والكثافة.. (المادة).. هو نفخ الروح الأول، وبداية رحلة الاغتراب الروحي للنفس في هذا الجسد الطيني.. {وَيُعِيدُ} رحلة الرجوع إلى الأصل وعودة الروح المغتربة إلى موطنها النوراني الأول بعد تطهيرها.. {وَهُوَ} تأكيد على الاقتران الوجودي؛ أي أن الذي يدبر العوالم بالقدرة والقهر في البدء والإعادة، هو عينه الذي يتجلى بالجمال واللطف في المغفرة والود.. فلا انفصال بين جلال القدرة وجَمال الرحمة..
{الْغَفُورُ} .. مشتق من الغَفْر وهو الستر والتغطية، وفي السلوك، الغفور هو الذي يستر حُجب المادة والظلمة بأنوار التجلي، ويمحو أثر السقوط البشري في عالم الكثافة.. هو عملية “التخلية”؛ أي تخلية القلب وتطهيره من الأغيار ..
{الْوَدُودُ} .. هو سرّ الساري في الوجود، ومقام الحب الخالص.. الودود هو الذي يتودد إلى أوليائه بجذب قلوبهم إليه باللطف لا بالقهر، وهو علة الخلق وهنا تتجلي الأشاره !! في كون إن القدير الذي ملك شفرة بدايتك من العدم، لا يعجزه أن يعيد روحك الشاردة إلى مِعراجها الصحيح، وصراطها المستقيم.. مهما توغلت في فيافي الغفلة، ومهما تراكمت حُجب المادة والطين على بصيرتك .. فإن التفاتة صادقة واحدة نحو المركز كفيلة بأن تفعّل في أعماقك طاقة الشحن الإلهي..
لانملك إذا غير أن نثق بإطلاق القدرة التي {تُبْدِئُ وَيُعِيدُ}؛ فالصراط المستقيم ليس بعيداً عنك، بل هو ينتظر إشراقة عزمك الباطني لتجده ممدوداً تحت قدميك من جديد..
سيعيدك متزناً، مستقيماً، وثابتاً، كأنك لم تتعثر يوماً، ليصوغ من انكسارك القديم استقامة جديدة لا تنحني أمام عواصف المادة..
لكل روحٍ تائهة في فيافي المادة وكل قلبٍ أثقلته حُجُب الطين ارتمِ في حِمى هذا الوداد المحيط، واخلع رداء العجز واليأس فالحق سبحانه لم يبدأك لِيتركك، ولم يتودد إليك لِيَطردك..
mmoniem855@gmail.com
