مقدمة
في الثالث من يونيو عام 2019 لم يشهد السودان مجرد عملية فض اعتصام كما حاول البعض تسميتها لاحقاً. شهد السودان في ذلك الصباح لحظة تحول كبرى ليس فقط في مسار الثورة التي اندلعت قبل أشهر بل في طريقة تعريف الدولة ذاتها. فالمشهد الذي تتابعته الكاميرات ووثقته الهواتف المحمولة لشبان يُسحبون على الأسفلت وآخرين يُلقون في مياه النيل الأبيض لم يكن مشهداً عابراً يمكن تجاوزه بتغيير حكومة أو إصدار قوانين جديدة.
كان لحظة كشف لحظة أظهرت فيها المؤسسة العسكرية والأمنية السودانية بمختلف فروعها وأذرعها وجهها الحقيقي لمن لم يكن قد رآه من قبل. سبع سنوات مرت على تلك الجريمة ومع ذلك يظل الجرح مفتوحاً. ليس لأن الذاكرة الجماعية عنيدة بشكل استثنائي بل لأن منطق القوة الذي أنتج المذبحة لم يختفِ بل تجسد من جديد في حرب مدمرة تمزق البلاد منذ أبريل 2023. هذا المقال يحاول أن يطرح سؤالاً ليس بسيطاً ولا مريحاً وهو كيف يمكن لذكرى مذبحة أن تكون أداة لإعادة تعريف الدولة لا مجرد مناسبة لاسترجاع الألم؟
السياق التاريخي المباشر: من الاعتصام إلى القرار
لم يكن اعتصام القيادة العامة الذي بدأ في السادس من أبريل 2019 مجرد تجمع احتجاجي عابر. كان تتويجاً لحركة احتجاجية شعبية استمرت شهوراً وأطاحت بعمر البشير في الحادي عشر من أبريل من العام نفسه. في الفترة ما بين سقوط البشير وفض الاعتصام عاش السودان حالة من الانتظار المعلّق. المجلس العسكري الانتقالي الذي تولى السلطة لم يقدم أي مؤشر حقيقي على رغبته في تسليم الحكم للمدنيين بينما أصرت قوى إعلان الحرية والتغيير على أن الثورة لن تكتمل دون انتقال كامل.
المعتصمون أمام القيادة العامة جسدوا بوجودهم المادي هذا الإصرار. كانوا جسداً سياسياً حياً يقاوم بالبقاء لا بالسلاح. وهذا بالضبط ما جعلهم هدفاً. فالدولة التي تفهم السلطة كاحتكار للقوة لا تستطيع أن تتسامح مع مشهد لمواطنين سلميين ومسلحين بالأحلام فقط وهم يسيطرون على قلب العاصمة بلا بندقية واحدة.
الفضاء الذي صنعه المعتصمون كان تحدياً مباشراً لنموذج الحكم السوداني القائم على الريع العسكري وتوزيع المغانم على النخب الموالية. لذلك لم يكن القرار بفض الاعتصام قراراً لحظياً نتج عن انفلات أمني أو خطأ تقديري. كان قراراً منهجياً صدر عن مؤسسة عسكرية أمنية شعرت أن شرعيتها تُسلب منها كل يوم يبقى فيه المعتصمون.
تفكيك اللحظة: من نفذ ولأي غرض
عند العودة إلى وقائع الثالث من يونيو يتبين أن المشهد لم يكن اعتيادياً حتى بمعايير العنف الحكومي في السودان. فما جرى لم يكن فض اعتصام بالغاز المسيل للدموع أو حتى بالرصاص الحي كما حدث في مناسبات سابقة. ما جرى كان عملية منسقة شاركت فيها وحدات متعددة من الجيش وقوات الدعم السريع وأجهزة المخابرات والأمن.
شهود عيان تحدثوا عن وجود قناصة على أسطح المباني المجاورة وعن آليات عسكرية اقتحمت الساحة من عدة محاور في وقت واحد وعن جثامين جمعت تحت جنح الظلام وألقيت في النيل. هذا المستوى من التنسيق يشير إلى أن القرار اتخذ على أعلى مستوى وأن التنفيذ كان مخططاً له مسبقاً وليس رد فعل على استفزاز أو تجاوز من قبل المعتصمين.
الغرض المعلن كان تنظيف منطقة كولومبيا. لكن الغرض الحقيقي كان أعمق وأكثر دموية: كسر إرادة الحركة الاحتجاجية وإرسال رسالة بأن أي تحدٍ لسلطة المؤسسة العسكرية سيقابل بقسوة لا حدود لها.
المشاركة الواسعة لقوات الدعم السريع في هذا اليوم كانت مفصلية. فالدعم السريع الذي كان قد تشكل قبل سنوات لم يكن وقتها قد طور صورته العامة كقوة موازية للجيش بالشكل الذي نراه اليوم.
مشاركته في فض الاعتصام كانت بمثابة إعلان نوايا. لقد استخدم كأداة للقمع في العاصمة قبل أن يتحول لاحقاً إلى طرف في حرب أهلية. من المثير للسخرية -إن جاز التعبير- أن الطرفين اللذين نفذا المذبحة سوياً أي قيادة الجيش من جهة وقوات الدعم السريع من جهة أخرى أصبحا بعد أربع سنوات فقط طرفين متحاربين يسعيان لتدمير بعضهما البعض.
هذا التحول يكشف عن طبيعة العلاقة بين هذه الأذرع العسكرية المختلفة داخل الدولة السودانية وهي علاقة مبنية على المصالح اللحظية وتحالفات الغنيمة وليس على عقيدة مؤسسية ثابتة. في الثالث من يونيو كانا معاً ضد الشعب وفي أبريل 2023 انقلبا على بعضهما عندما اختلفت المصالح.
ما بين المذبحة والحرب: استمرارية النموذج
قد يبدو للوهلة الأولى أن حرب 2023 لا علاقة لها بفض اعتصام 2019. الأولى حرب شاملة بين فصيلين عسكريين متنافسين والثانية جريمة قمع ارتكبتها الدولة ضد مواطنيها.
لكن النظرة الأعمق تكشف عن خيط ناظم واحد وهو نموذج الحكم الذي يرى في القوة اللغة الوحيدة لحل النزاعات السياسية. فالدولة التي فضت الاعتصام بالرصاص هي نفس الدولة التي لم تستطع أن تمنع انهيارها إلى حرب أهلية بعد أربع سنوات. ليس لأنها أصبحت أضعف بل لأنها ظلت مخلصة لمنطق واحد يتمثل في منطق المركز القابض والمال الحرام كأداة للسيطرة والإقصاء كأسلوب لإدارة الاختلاف.
القوى التي تصارعت على السلطة بعد انقلاب أكتوبر 2021 ثم بعد اندلاع الحرب في 2023 هي ذات القوى التي تآمرت معاً لقتل المعتصمين في يونيو 2019. لذلك من السذاجة بمكان أن نعتقد أن أي حل سياسي لا يتضمن محاسبة هؤلاء على جرائمهم سيكون حلاً حقيقياً. وأي تسوية تترك الفاعلين أنفسهم في مواقع النفوذ مهما غيرت الأسماء أو الشعارات ستؤدي ببساطة إلى إعادة إنتاج الدورة نفسها.
هذه الحقيقة تجعل من ذكرى المذبحة أداة تحليلية بالغة الأهمية في فهم الحرب الحالية. فبدلاً من النظر إلى القتال بين الجيش والدعم السريع كصراع ثنائي الأبعاد يمكن النظر إليه كاستمرار لتفكك الطبقة الحاكمة القديمة. هذه الطبقة التي شاركت في قمع الشعب لم تستطع أن تتوافق على تقسيم الغنائم فيما بينها فانفجرت على نفسها.
وفي الانفجار دفع المدنيون الثمن الأعلى كما هو الحال دائماً. اليوم بينما تتحدث قيادات الجيش عن استعادة الدولة ومكافحة المليشيا وتتحدث قيادات الدعم السريع عن محاربة الفساد والفلول تظل الذاكرة الشعبية حاضرة أن هؤلاء هم من قتلوا أبناءنا قبل سبع سنوات في نفس المكان تقريباً.
العدالة الانتقالية كشرط لانكسار الدورة
إذا كانت المذبحة تمثل لحظة الذروة في علاقة الدولة السودانية بمواطنيها فإن غياب المحاسبة يمثل السبب الرئيسي في استمرار الدورة ذاتها.
بعد فض الاعتصام شُكلت لجنة تحقيق حكومية بالطبع لم تنشر نتائجها أبداً. وجاءت الفترة الانتقالية 2019-2021 باتفاق سياسي بين العسكر والمدنيين نص على تشكيل لجنة للتحقيق في الجرائم ضد الانسانية وغيرها. لكن تلك اللجنة أيضاً تعثرت بسبب التدخلات العسكرية وعدم توفر الإرادة السياسية الحقيقية.
ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021م ليطوي صفحة التحقيق برمتها. وبعد اندلاع الحرب تراجع حضور ملف العدالة الانتقالية على الأجندة السياسية الدولية والمحلية بشكل ملحوظ وحل محله الحديث عن وقف إطلاق النار والإغاثة الإنسانية.
لكن من الإنصاف القول إن هذا الترتيب لم يكن بالإرادة الكاملة للقوى المدنية السودانية. فمعظم الأطراف السياسية المدنية -رغم ضعف تنظيمها وتشرذم مواقفها- ظلت تدرج العدالة الانتقالية والمحاسبة في أوراقها ووثائقها لكن المشكلة لم تكن في غياب المطالب الأخلاقية بل في غياب القدرة على فرضها كأولوية فعلية على الأرض.
الفاعلان الحقيقيان في الحرب -الجيش والدعم السريع- هما من دفعا بملف العدالة إلى الهامش لأن كليهما متورط في مذبحة يونيو 2019.
أما القوى المدنية فلم تتخلَّ عن المبدأ لكنها عجزت عن تحويله إلى التزام عملي يفرض على الأطراف المسلحة. هذا العجز لا يسقط عنها الحق الأخلاقي لكنه يفضح الفجوة بين الخطاب السياسي والقدرة على التنفيذ في زمن الحرب.
الحقيقة التي يريد البعض تجنبها هي أن أي بناء دولة حقيقي في السودان مستحيل دون عبور جسر العدالة الانتقالية. ليس لأن العقاب غاية في حد ذاته بل لأن استمرار الإفلات من العقاب يرسخ ثقافة أن العنف وسيلة مشروعة للوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها.
عندما يُقتل العشرات من الشباب العزل في وضح النهار وتُلقى جثامين بعضهم في نهر النيل ثم يواصل القتلة -جنوداً وقادة عسكريين- حياتهم الطبيعية بعد سنوات كأن شيئاً لم يحدث فإن المجتمع بأسره يتعلم درساً قاتماً وهو ان القانون لا يحمي أحداً والقوة وحدها هي التي تبقيك آمناً. هذا الإفلات من العقاب لم يتحول وحده إلى حرب لكنه خلق البيئة التي جعلت الحرب ممكنة.
فالأطراف العسكرية التي تورطت في قمع الثوار رأت أن العنف وسيلة مشروعة لا يُحاسب عليها أحد. وعندما اختلفت هذه الأطراف على تقاسم السلطة بعد سنوات لم يكن أمامها إلا اللغة التي تعرفها وهي لغة القوة مرة أخرى.
لم تتحول ثورة ديسمبر إلى حرب بفعل إرادة الثوار بل لأن النخبة العسكرية التي أدارت المرحلة الانتقالية ظلت وفية لمنطق العنف ذاته الذي مارسته في يونيو 2019. فمن قتل إمكانية العدالة أولاً لم يستطيع منع انزلاق البلاد إلى الهاوية
الخبراء الذين درسوا تجارب الانتقال الديمقراطي في أماكن مثل جنوب أفريقيا والأرجنتين وتونس يؤكدون على أن العدالة الانتقالية لا تعني بالضرورة السجن لكل من تورط في انتهاكات.
المشكلة في الحالة السودانية ليست في اختيار نموذج أو آخر من نماذج العدالة الانتقالية. المشكلة أن هناك رفضاً شبه كامل من المؤسسة العسكرية لأي شكل من أشكال المحاسبة أياً كانت.
الجيش والدعم السريع كلٌ لأسبابه الخاصة يرفضان فكرة أن من قتلوا المعتصمين سلمياً في الثالث من يونيو 2019م يمكن أن يحاكموا أمام أي جهة. هذا الرفض ليس مجرد عناد سياسي بل هو دفاع عن شرعية النموذج بأكمله.
فلو اعترف الجيش بجريمة فض الاعتصام فكيف سيدافع عن شرعيته في قتال الدعم السريع اليوم؟ ولو اعترف الدعم السريع بدوره في تلك الجريمة، فكيف سيستمر في تسويق نفسه كحامي للمهمشين؟
هذا المأزق يجعل من الذكرى السنوية للمذبحة فرصة لإعادة طرح السؤال بطريقة مختلفة. بدلاً من السعي لمحاكمات فورية تبدو مستحيلة في ظل انهيار الدولة وغياب سيادة القانون وعسكرة الفضاء العام يمكن التركيز على مطالب أكثر عملية مثل توثيق الشهادات وحماية الأدلة وبناء أرشيف رقمي لما جرى ورفع الوعي المجتمعي بحجم الجريمة. هذه الإجراءات لا تتطلب موافقة الأطراف المسلحة ويمكن أن تقوم بها منظمات المجتمع المدني والمتطوعين بدعم تقني من الخارج. ولا يمكن الحديث عن محاكمة عادلة لمنفذي المذبحة في ظل حرب مدمرة وانهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة القضائية والأمنية. فالقضاء السوداني اليوم غير قادر حتى على محاكمة متهمي السرقة البسيطة فكيف بمحاكمة قادة عسكريين متهمين بجرائم قتل جماعي؟
المطلوب اليوم ليس استعجال محاكمات مستحيلة التحقيق بل استراتيجية مختلفة وهي توثيق كل ما جرى وحماية الأدلة والشهادات وبناء أرشيف رقمي لا يخضع للتلاعب. حين تنتهي الحرب -ولابد أنها ستنتهي- سيكون هذا الأرشيف هو المادة الخام لأي عملية عدالة حقيقية.
العجلة اليوم ليست في صالح الضحايا لكن التريث الاستراتيجي في ملف العدالة أفضل بكثير من التفريط فيه تماماً بمطالب غير قابلة للتنفيذ في زمانها.
الخاتمة
في الثالث من يونيو 2026 عندما يستعيد السودانيون ذكرى المذبحة سيكون السؤال الأصعب هو: هل تعلمنا شيئاً؟ هل اكتفينا من دق الصدور ولطم الخدود أم استطعنا أن نحول الجرح إلى نافذة؟
سبع سنوات مرت وحرب عابثة تدمر كل شيء ومشروع سياسي مدني لم يخرج بعد من دائرة النوايا الحسنة إلى أرضية القوة الفعلية. لكن تبقى الذكرى عنيدة. تبقى شاهداً لا يمكن تزييفه على أن دولة لا تحمي مواطنيها تفقد في النهاية قدرتها على حماية نفسها.
الدولة التي قتلت أبناءها في القيادة العامة عام 2019 هي ذاتها التي انهارت على نفسها عام 2023. وهذه ليست مصادفة. إنها نتيجة حتمية لمنطق يستحيل أن ينتج غير العنف والفوضى.
ربما يكون الطريق إلى سودان جديد طويلاً وشاقاً وربما يمر بمراحل أكثر ظلاماً مما نعيش اليوم. لكن المهم هو أن تظل الذاكرة حاضرة كبوصلة. الذاكرة لا تبني الدولة لكنها تمنع تكرار الأخطاء ذاتها.
وفي بلد مثل السودان تكررت فيه الانقلابات والحروب والمجاعات بشكل ممل فإن منع التكرار قد يكون أعظم إنجاز يمكن تحقيقه.
ماذا لو توقفنا عن التفكير في الدولة كـ”كيان مقدس” أو غاية في حد ذاتها وبدأنا ننظر إليها كمجرد وسيلة أو طريقة عمل لتنظيم حياتنا وحل مشكلاتنا؟
ماذا لو توقفنا عن الخوف من السلطة وبدأنا في محاسبتها؟
الإجابات على هذه الأسئلة لن تأتي من خطب القادة أو قرارات المؤتمرات. ستأتي من فعل تراكمي صغير يتمثل في توثيق شهادة رفض للنسيان. في النهاية الجرح الذي لا يندمل قد يكون أكثر صدقاً من الندبة التي تُخفي الألم.
ولعل في هذا الألم المكشوف بداية لوعي جديد وربما في هذا الوعي بذرة دولة مختلفة.
haytham.compre@gmail.com
