بقلم: لوال كوال لوال
نشئت الجبهة الوطنية الأفريقية (ANF) في الجامعات السودانية للتعبير عن الهوية والثقافة الإفريقية، ومناهضة هيمنة التيارات الإسلامية والقومية العربية، ولتكون منبرًا طلابيًا لقضايا المناطق المهمشة والعدالة الاجتماعية. كما سعت لرفع وعي الطلاب بحقوق المواطنة والمساواة وأسهمت في إعداد كوادر سياسية لعبت أدوارًا بارزة لاحقًا تمت قبولي في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا دفعة 1996/1996 بكلية التربية قسم التقنية وبدأت الدراسة في مارس 1997 لكن الدراسة توقفت بعد شهر بحجة أن هناك طلاب إسلاميين ذهبوا إلى الحرب في جنوب السودان ضمن قوافل المجاهدين وعند قبولنا بالجامعة وجدنا معظم الطلاب والطالبات في اجازة دراسية مفتوحة بعد أن قلبت الجيش الشعبي لتحرير السودان الموازين في جنوب النيل الأزرق واستولت على مدينتي الكرمك وقيسان واصبحت مدينة الدمازين مهددة بالسقوط فعلقت الدراسة من اجل التعبئة العامة . خلال الشهر الذي قضيناه في الجامعة لقد كانت النشاطات السياسية محصورة في أنشطة الحركة الإسلامية الطلابية التي سعيت إلى تجنيد عدد مقدر من الطلاب إلي صفوفه لذا وجدنا اركان نقاش سياسية تديرها طلاب الحركة الاسلامية بقيادة الثلاثي علي عبدالفتاح، سفيان وهيكل وقد قتل اثنين منهم في حرب الجنوب وبقي سفيان. خلال الشهر الأول في الجامعة اخدت انطباعات كثيرة عن الدور الذي تلعبه الحركة الإسلامية ومحاولاتها في فرض أجنداتها السياسية على الساحة الطلابية وبذلت جهودا حثيثة من اجل بلوغ مبتغاها لكن استنتج أن مشروعها السياسي مشروع احادي الفكر لأنها تدعو إلى اسلمة المجتمع السوداني وفرض منهجها السياسي على الجميع بدون فرز وربما جاء ذلك الانطباع بحكم تجربة المنطقة التي انحدر منها مع الحكومات السودانية ونواياها السياسية والاقتصادية تجاه منطقتي وقد تجلت ذلك عام 1965م حين عناصر جبهة الميثاق الإسلامي لاشراف علي المصالحة المجتمعية بين دينكا نقوك ومسيرية العجايرة وبدل أن يظهر في مظهر رجل الدولة انحاز إلى جانب قبيلة مسيرية العجايرة وطالب دينكا نقوك بأن يهاجروا جنوبا حتي يتسني لرعاة قبيلة مسيرية العجايرة التحرك بالحرية شمال نهر كير (بحر العرب). سالت بعض الطلاب المنحدرين من جنوب السودان هل لديكم نشاط سياسي ام لا؟ فقالوا ان اركان النقاش السياسية مضرة كما ان عددنا غير كافية لقيام بالمنتديات السياسية او اركان نقاش المحتدمة ، بدأت لي الموضوع غير مقنع بنسبة لي لكن الجامعة اغلقت وظللنا خارج اسوارها لمدة ستة اشهر بينما الآخرون قضوا تسعة اشهر خارج الجامعة وعدنا إلى الجامعة في اكتوبر 1997م وبدات الجامعة تعج بأركان نقاش سياسية بين الطلاب والطالبات المنضوين تحت ألوية الأحزاب السياسية السودانية وأبرزهم حزب الأمة القومي، حزب الاتحادي الديمقراطي، الحزب الشيوعى وجناحه الطلابيّ الجبهة الديمقراطية، الأحزاب السياسية ذات المرجعية الدينية الإسلامية كجماعة أنصار المحمدية والجبهة الإسلامية القومية (المؤتمر الوطني)، احزاب البعث العربي الاشتراكي ذات المرجعية القومية العربية وحزب العربي الناصرى ذات المرجعية القومية العربية، التيار الوطني الذي تلاشت فيما بعد، مؤتمر الطلاب المستقلين احدي اقوي المنظمات الطلابية الفكرية والسياسية وقد سالت يوما ما عن عدم وجود حزب القومي السوداني لم اجد الإجابة. كنا نتنظر انتهاء المحاضرات بفارغ الصبر من اجل ان نكون حضورا في اركان النقاش السياسي تحت شجرة النيم يحوي عددا كبيرا من الطلاب الذين يقفون في شكل دائرة لاستماع الخطاب السياسي لمتحدثين الحركات الطلابية السياسية. بدأت لي ان الخطابات السياسية كانت متشابهة في إطار الطرح السياسي الذي ينظر الى قضية الجنوب على أنها قضية زرعتها المستعمر او الحكم الثنائي بقانون المناطق المقفولة إلا ان مؤتمر الطلاب المستقلين لم يتناول قضية الجنوب بتلك الطريقة التي تطرحها الحكومة والمعارضة معا بل كانت كانت تناول القضية من منظور تهميش سياسي اجتماعي ثقافي لكن لم اقتنع بتلك الخطابات السياسية والخطب السياسية الرنانة إنما واصلت البحث عن الحقيقة وعن مجموعة طلابية يمكن أن يشاركني في الأفكار. واحس بان نطرح السؤال على الجميع كيف يمكننا أن نحكم السودان وليست من يحكم السودان ،لذا خرجت من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا حتى أجد الإجابة الصحيحة فذهبت إلى جامعة أمدرمان الاهلية بدعوة من احد الأصدقاء الذين يدرسون في جامعة أمدرمان الاهلية وكانت المفاجأة أن هناك ركن نقاش لمنظومة سياسية جديدة غير موجودة في جامعتي وهي الجبهة الوطنية الأفريقية (ANF) والمتحدث في ذلك اليوم هو الراحل مناوا فيتر الذي انشقت فيما بعد عن ANF وانضمت إلى جبهة الإنقاذ الديمقراطي المتحدة التي يتزعمها د. ريك مشار بعد أن وقعت مع حكومة الإنقاذ اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997م وفي ذلك الركن السياسي التقيت بالأخ والرفيق عبدالله تية جمعة الوزير الأسبق لوزارة الصحة السودانية ممثلا للحركة الشعبية لتحرير السودان SPLM والتقيت بشخص آخر الذي اصبح فيما عضوا في ANF وهو محي الدين علي سدونيا وبعد نهاية الدوام وعدني الرفيق عبدالله تية بان يزورني في الجناح الغربي للجامعة بينما كان في مجمع حلة كوكو او كلية البيطرة والإنتاج الحيواني حيث يدرس الانتاج الحيواني، غادرت جامعة أمدرمان الاهلية وانا احمل معي جملة من الاسئلة التي تحتاج إلى الإجابة هل هذا هو الخطاب السياسي الذي احتاجه ام اعطي فرصة لنفسي لزيارة جامعات أخرى، المهم في الأسبوع التالي ذهبت إلى كلية الاقتصاد بجامعة جوبا لزيارة الزملاء والأصدقاء وكانت ذلك اليوم هو الخميس حيث يقيم الجبهة الوطنية الافريقية منبرها الأسبوعي فوجدت الطلاب متجمهرين حول كادر يتحدث عن مشروع السودان الجديد ورؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان وذلك المتحدث هو ملونق منجوك ثم جاء متحدث آخر هو فرانكو مجاك كور واختتم المنبر بمتحدث ثالث وهو رمضان قوج وبعد انتهاء المنبر السياسي تعرفت عليهم وطلبت المشروع الفكري للجبهة الوطنية الأفريقية لكي اطلع عليها وتحصل عليها بواسطة الرفيق كهربا شأن أحد الكوادر النشطة في ANF وطلبوا مني ان اتي الي جامعة الخرطوم كلية الصحة العامة حيث يلتقي كافة الرفاق في كلية الصحة العامة وبالفعل ذهبت إلى كلية الصحة العامة ووجدت معظم كوادر الصف الأول في الجبهة الوطنية الافريقية مجتمعين هنا في جلسة مفتوحة والهدف منها خلق الترابط والتقارب بين الأعضاء وحصلت على استمارة العضوية وتمت منحي استمارات أخرى من اجل تنجيد عضوية جديدة للجبهة الوطنية الافريقية ANF في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا واتضح لي أن عبدالله تية جمعة هو العضو الأكثر نشاطا فى الجامعة وبعد ايام قليلة ظهر محي الدين علي سدونيا كأحد كوادر ANF وتعرفت على الكثير من كوادر ANF من جامعات مختلفة واتجاهات مختلفة من السودان وقد بدأ الأمر في الوهلة الأولى بان عضوية الجبهة الوطنية الافريقية منحصرة فقط في جبال النوبة والجنوب لكن وجد اعضاء من غرب السودان والنيل الأزرق والجزيرة وكل اتجاهات السودان لكن البعض منهم كانوا يعملون في السر خوفا من مجتمعاتهم لكن الرفيق محمد الشغيل كان ظاهرا في كافة المنابر السياسية للجبهة الوطنية الافريقية . بعد تعددت اللقاءات قررنا أن نقيم اول منبر/ ركن سياسي كان المتحدثين في المنبر هم الرفاق؛ 1. اقوك مكور دينق وزير حاليا في حكومة جنوب السودان 2. فرانكو مجاك كور وقد كان اول منبر سياسي للجبهة الوطنية الافريقية تقام في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا عام 1999م ثم توالت منابرنا السياسية في الجامعة بعد انضمت عضويّة جديدة إلى ANF وأصبحنا نمتلك العضوية في اجنحة الجامعة لكن الأغلبية كانوا في الجناح الغربي خاصة بعد انضمام بعض الرفاق مشار منقوم، أنجلو نقوت ، ڤول أيي ، مناس ، أشاي منجضانق، سوزانا ،بولاد جوليوس ايرو واخرون وفي نهاية عام 2000 قاربت عضوية ANF نحو خمسون عضوا في مختلف اجنحة الجامعة وقد تعرضت منابرنا إلى اعتدي من قبل عضوية الحركة الإسلامية الطالبية تكرارا ومرارا واصيبت بجروح طفيفة في احدي المنابر عندما حاولت احد اعضاء حركة الإسلاميين الوطنيين طعني بالسكن وقد اعتقل الأجهزة الأمنية في عام 2000 الرفيق سانتنو أكوت الطالب بكلية الزراعة بجامعة السودان ومن اجل اعتقالي أنا وعبدالله تيه جمعة أعتقلت الأجهزة الأمنية السودانية الطالب دوناتو ديمو وول وهو في طريقه إلى الجامعة وطلبوا منه عناوين سكن كل لوال كوال لوال وعبدالله تيه جمعة وتم إطلاق سراحه بعد اكثر من 12 ساعات وحاليا يشغل حاليا عضوية مجلس الولايات في جنوب السودان وفي عام 2001 تخرجت من الجامعة لكن الرفاق واصلوا أنشطتهم السياسية حتي حلت الحركة الشعبية لتحرير السودان تنظيم ANF عام 2008 وحلت محلها تجمع طلاب الحركة الشعبية لتحرير السودان لكن بعض الرفاق استمروا في العمل السياسي باسم الجبهة الوطنية الأفريقية خاصة بعد انفصال جنوب السودان ومن الأشياء المحزنة تاثر الجبهة الوطنية بجامعة السودان بأحداث انقسامها مما أدت إلى اشتباكات بين عضوية التنظيم داخل الجامعة وقد أحزنت تلك الحادثة الكثيرون داخل الجامعة خاصة المتعاطفين معها وقد حدثني أحد أساتذتي في الجامعة عن تلك الحادثة ووصفتها بأنه لم يتوقع أن يحدث ذلك بين عضوية الجبهة الوطنية الافريقية! ستظل تأسيسنا للجبهة الوطنية الافريقية في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا علامة فارقة في مسيرة الجامعة حيث كانت الجميع تنظر إلى جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا علي أنها المعقل الرئيسي للحركة الإسلامية السودانية ويصعب فيها طرح مشروع السودان الجديد وفكرة الحركة الشعبية لتحرير السودان لكنها فعلناها وتركنا أسماءنا جميعا تخلدها التاريخ عضويا أو متعاطفا مع التغيير السياسي الذي يحلم به الشعب السوداني.
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم