لا يمكن إنكار أن “راديو دبنقا” استطاع أن يضع أجندته على مختلف الأصعدة، محلياً وعالمياً، من خلال إثارته لقضية مزاعم اغتصاب نساء جماعي من قبل جنود سودانيين في قرية تابت بشمال دارفور، مما اضطر بان كي مون الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة إلى مطالبة الحكومة السودانية بالسماح لبعثة “اليوناميد” إعادة التحقيق الذي أجرته بشأن تلكم المزاعم، بعد أن برأت “اليوناميد” في التحقيق الأول الجنود السودانيين من تُهمة اغتصاب 200 امرأة وفتاة في قرية تابت بشمال دارفور. وليس خافياً على أحد أن “راديو دبنقا” نجح في وضع الأجندة بالنسبة لهذه القضية، بمعنى أنها تصدرت أولويات كثيرٍ من المنظومات الناشطة في قضايا حقوق المرأة، مُستصحبة فعاليات اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد النساء.
وأحسبُ أن نظرية وضع الأجندة من النظريات المهمة في عالم الاتصال، وتأثيرها المباشر على المتلقي عبر الوسائط الصحافية والإعلامية، وتُعد نظرية الأجندة واحدة من الأُطر النظرية التي تبحث في تأثير وسائل الإعلام، حيث تهتم بحوث “ترتيب الأولويات” بدراسة العلاقة التبادلية بين وسائل الإعلام والجماهير التي تتعرض لتلك الوسائل، لتحديد أولويات القضايا السياسية والاجتماعية التي تهم المجتمع. ويفترض هذا المدخل أن وسائل الإعلام لا تستطيع أن تقدم جميع الموضوعات والقضايا التي تحدث في المجتمع، وإنما يختار القائمون على هذه الوسائل بعض الموضوعات التي يتم التركيز عليها بشدة والتحكم في طبيعتها ومحتواها. هذه الموضوعات تثير اهتمام الناس تدريجياً وتجعلهم يدركونها ويفكرون فيها، وبالتالي تمثل هذه الموضوعات لدى الجماهير أهمية أكبر نسبياً عن الموضوعات التي لا تطرحها وسائل الإعلام، وعملية الانتقاء اليومي لموضوعات قائمة أولويات وسائل الإعلام وأساليب إبراز أو طمس تلك الموضوعات، وتحريكها صعوداً أو هبوطاً، لا تستهدف إثارة اهتمام الرأي العام فحسب، بل هي عملية تستهدف أيضاً صانعي القرار السياسي.
وفي رأيي الخاص، من الضروري أن نلم ونتفهم أن “راديو دبنقا” قُصد بإنشائه في 15 نوفمبر 2008 أن يصل بثه إلى كلِّ أنحاء دارفور، فلذلك عندما افْتُتح في الأول من ديسمبر 2008 بعد أُسبوعين من البث التجريبي، استهدف تقديم خدمة إذاعية لإقليم دارفور، بلهجات الإقليم المختلفة، إضافة إلى اللغة العربية حتى يتمكن أيِّ مواطن في الإقليم من سماع رسالته، من خلال ما يقدمه من أخبارٍ ومعلوماتٍ وتقاريرٍ. ومن المعلوم أن “راديو دبنقا” مشروع لشبكة راديو دارفور، وهي تجمع من صحافيين سودانيين ومنظمات إذاعية وتنموية، مدعومة من مجموعة من المانحيين الدوليين، ومنظمات طوعية ومنظمات غير حكومية، إلا أن التصور والتسهيل والتنفيذ تقوم به مؤسسة “برس ناو” في هولندا.
أكبرُ الظنِّ عندي، أن إثارة “راديو دبنقا” لمزاعم اغتصاب نساء جماعي من قبل جنود سودانيين في قرية تابت بشمال دارفور، جعل من الإذاعة محط أسماع أهل دارفور كافة، في غياب وسائط إعلامية تكون بديلاً لتلكم الإذاعة، والعمل على توصيل رسالة مختلفة عن تلك الإذاعة.
أخلصُ إلى أن نجاح “راديو دبنقا” في وضع الأجندة، من حيث التأثير على الرأي العام العالمي والإقليمي، بشأن المزاعم التي رددتها هذه الإذاعة عن اغتصاب نساء جماعي من قبل جنود سودانيين، ومن تداعيات هذه المزاعم، خلافات حادة بين الحكومة السودانية وبعثة “اليوناميد”، وإثارة هذه القضية في أروقة منظمة الأمم المتحدة، مما دعا وزارة الخارجية إلى استدعاء رؤساء البعثات الأوروبية والقائم بالأعمال الأميركي ومنظمات طوعية غربية، إضافةً إلى تنظيم لقاء تنويري مع قادة الرأي في البحث عن مُعالجات لتداعيات تقرير “راديو دبنقا”. ويجب علينا أن نعي أن “راديو دبنقا” لا يُمكن مواجهته بالتشويش، بل بالمعلومات الصحيحة، وبوسيلة إعلامية تجذب المستمع، كما قال البروفسور علي محمد شمو رئيس المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحافية في تصريحات صحافية مؤخراً، خاصةً وأن القانون الدولي للاتصالات السلكية واللاسلكية يمنع التشويش ويجرِّمه.
وأحسبُ أنه بات من الضروري التفكير في تنظيم الإعلام الخارجي تنظيماً فاعلاً، بحيث يُشكل مجلس أعلى للإعلام الخارجي، يتبع إدارياً ومالياً وإشرافياً إلى مؤسسة الرئاسة، ليكون أكثر استقلالية وفاعلية في الأداء الإعلامي الخارجي في مواجهة الحملة الإعلامية الشرسة في الخارج. وينبغي أن نتفهم أن الحرب العصرية مبدأها ومنتهاها الإعلام، فعلينا أن نخوض هذه الحرب الإعلامية بأدواتها.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ”.
وقول أمير الشعراء أحمد بك شوقي:
وَعَلَّمَنا بِناءَ المَجدِ حَتّى أَخَذنا إِمرَةَ الأَرضِ اغتِصابا
وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
وَما استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُمْ رِكابا
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم