ربط الأخلاق بالدين يفتح على اللا أخلاق وتجربة الكيزان مثال شرحه عند كل من عمانويل كانط

ربط الأخلاق بالدين يفتح على اللا أخلاق وتجربة الكيزان مثال شرحه عند كل من عمانويل كانط و ماكس فيبر في تعاكسهما مع مكيافيلي وماركس
طاهر عمر
taheromer86@yahoo.com

بالمناسبة أعرف الصعوبة التي تواجهني في كتابة هذا المقال و أنا أقدمه لقارئ سوداني من شعب سوداني متقدم على نخبه بفراسخ. و أقول أن الشعب السوداني متقدم على نخبه لأن أغلبية النخب السودانية من أقصى يسارها الرث الى أقصى يمينها الغارق في وحل الفكر الديني تربط الأخلاق بالدين. و بالمناسبة ربط الأخلاق بالمعتقد الديني يعتبر أم المصائب في السودان.

ربط الأخلاق بالدين عند النخب السودانية جعل النخب السودانية عاجزة عن إكتشاف فكرة النزعة الإنسانية نتاج العقلانية و المسؤولية الأخلاقية الكامنة في صميم الإنسان.

فإذا نظرت بإستدارة خفيفة الى يسارك لتزيد إمكانية الرؤية متجاوز الزاوية الميتة في مسيرة المفكريين السودانيين ستعرف أن أغلب النخب السودانية لم يعرفوا الطريق الى المسؤولية الأخلاقية غير المرتبطة بالدين.

و بالتالي غاب أدب المسؤولية الأخلاقية في السودان و حل محله وحل الفكر الديني الذي يربط بين الأخلاق و الدين و الدليل على ذلك أحزاب وحل الفكر الديني إبتداء من حزب المرشد الكيزاني و أتباعه و الإمام الأنصاري و أتباعه و الختم و أتباعه.

بل أن أدب المسؤولية الأخلاقية غير المرتبطة بالدين غاب عن ساحة الأستاذ الشيوعي الذي ينسب له الحزب الشيوعي السوداني كتمجيد لسطوة الأبوية المستحدثة و أقصد هنا عبد الخالق محجوب في محاولاته و بحثه لدور للدين في السياسة و تبعه محمد ابراهيم نقد في حوار حول الدولة المدنية ليخرج بعلمانية محابية للأديان. و هذا أوضح دليل على ربط الأخلاق بالدين عند كل من عبد الخالق محجوب و محمد ابراهيم نقد.

و السبب لأنهما أي عبد الخالق محجوب و نقد قد غاب عن أفقهما أدب المسؤولية الأخلاقية عند كل من عمانويل كانط و ماكس فيبر و حل محله أدب كل مكيافيلي و ماركس. و هنا لكي نشرح قليلا يمكننا أن نضيف فكر ريموند أرون في حديثه عن أن النظم الشمولية و هي الشيوعية و النازية و الفاشية ما هي إلا تجسيد للمكيافيلية الحديثة.

لذلك قلنا قد سيطر أدب مكيافيلي و ماركس على أفق كل من عبد الخالد محجوب و محمد ابراهيم نقد وفقا لما كتبه ريموند أرون في كتابه الذي يتحدث فيه عن أن النظم الشمولية أي الشيوعية و النازية و الفاشية ما هي إلا مكيافيلية حديثة لا تعرف السبيل الى فكرة المسؤولية الأخلاقية.

و بالمناسبة ربط ريموند أرون بين النازية و الشيوعية و الفاشية و شرحه بأنهن تجسيد للمكيافيلية الحديثة نتاج أن ريموند أرون هو مؤرخ و إقتصادي و فيلسوف و عالم إجتماع و يمتاز بأنه قارئ مدرب يعرف فن القراءة و لا تعرف القراءة الناعسة الى مقامه سبيل كما هو سائد عندنا حيث تسود القراءة الناعسة و يغيب القارئ المدرب من ساحة فكرنا السوداني.

لذلك نجد أن أغلب القراء يؤثر على رأيهم من يكتب عن المؤالفة بين العلمانية و الدين و من يكتب عن المساومة التاريخية بين يسار سوداني رث و يمين غارق في وحل الفكر الديني و كذلك من يتحدث عن دور للدين في السياسة و من يتحدث عن علمانية محابية الى الأديان و أضيف إليهم من يتحدث عن المصالحة بين الحداثة و الأصالة و هناك من يتحدث عن المصالحة بين الحداثة و السبحة و الصوفية و غيرهم كثر قد جعلهم فقرهم الى فكرة المسؤولية الأخلاقية متأرجحين في حديثهم المتذبذب و هذا سببه أن أغلب النخب السودانية تربط بين الأخلاق و الدين و هذا خطاء شنيع ينتج عنه غياب المسؤولية الأخلاقية من جهودهم الفكرية لذلك قلنا أن الربط بين الأخلاق و الدين يفتح على اللا أخلاق.

في يوم يتحدثون عن العلمانية و الديمقراطية كبديل للفكر الديني و في اليوم التالي يتحدثون عن العلمانية و الإيمان و أقصد المتذبذبين من النخب السودانية و هذا ما يجعلك تضحك ضحك أقرب للبكاء على تصرّف من يفتقر لفكرة المسؤولية الأخلاقية و يصير غير قادر على إختيار العلمانية و الديمقراطية كبديل للفكر الديني بلا لكن. و هنا يتّضح تدني مستوى الوعي للنخب السودانية و كذلك للقارئ و من هنا تدور الدائرة الشريرة التي لا تنكسر حتى يشب القارئ و الكاتب من طوقها.

في رأي أن تذبذب موقف المثقف السوداني التقليدي من فكرة العلمانية و الديمقراطية كبديل للفكر الديني نتاج ضعف منهجه فيما يتعلق بمثلث الأقانيم الذي تنبع منه الفلسفة السياسية مثلا ريموند أرون ينطلق من مثلث أضلاعه علم الإجتماع و الفلسفة و النظريات السياسية. لذلك يدرك فكرة مفهوم الدين التاريخي و مفهوم الإنسانية التاريخية حيث يصبح مفهوم الدين أفقي و ليس عمودي و عندما يصبح مفهوم الدين أفقي يصير المجتمع الى مرحلة العقلانية التي ترتكز على الفعل الإنساني الذي يصل للتوازن الإجتماعي و الإقتصادي بفضل العقلانية و مجدها كنتاج لإبداع العقل البشري.

و للتوضيح مثلا ادم إسمث كان فيلسوف أخلاق قبل أن يكون إقتصاديا و كان إسمث يدرك بأن الأخلاق لا ترتبط بالدين أي دين و عنده لولا وجود الأخلاق في صميم الإنسان و مكنونه لما قبل الإنسان الدين أصلا و لهذا السبب أستطاع أدم إسمث أن يفصل علم الإقتصاد من كل من الفلسفة و الدين لأنه كان مدرك بأن الأخلاق لا ترتبط بالدين و بالتالي إنفتح الطريق لفصل الدين عن الدولة و إنفتح الطريق لمفهوم المسؤولية الأخلاقية و بالتالي يصبح الدين شأن فردي بين العبد و ربه بدون وساطة رجال الدين و لا ينبغي أن يلعب الدين أي دور بنيوي لا في السياسة و لا في الإقتصاد و لا في الإجتماع.

أما أقانيم المثلث الثاني فهي كل من الديمقراطية و السياسة و التشريع و هنا يلزمنا التنبيه في هذا المثلث للقارئ بألا ينخدع بكلمة التشريع بأن هناك دور للقانوني التقليدي كما هو سائد وسط النخب السياسية في السودان فهنا التشريع يقوم به السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و ليس القانوني التقليدي السوداني الذي قد رأينا وثيقته الدستورية التي إرتضت بشراكة العسكر و فتحت الطريق لإنقلاب البرهان و تدمير الفترة الإنتقالية.

و من هنا نقول لحمدوك إذاما ما نادته مجموعة الرباعية و في مقدمتها أمريكا من أجل الهدنة و إنهاء الحرب العبثية و العودة للتحول الديمقراطي عليه أن يكسر الحلقة الشريرة للنخب السودانية و يدرك أن دوره كسياسي ينبغي أن يكون مفتتح التشريع و لا يسمع للنخب السودانية التي تقدم القانوني التقليدي و على حمدوك أن يتذكّر بأن يكون فكره مبتداء التشريع كما كان فكر نهرو في نهضته بالهند و كما كان فكر روزفلت أيام الكساد الإقتصادي العظيم.

أما السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني الذي نقصده يمكننا أن نذكر دليلا عليه و هو نهرو عندما أختار للهند كل من الديمقراطية و العلمانية و التقنية الحديثة و النتيجة أن الهند اليوم تعتبر من أهم و أكبر الديمقراطيات في العالم.

و بالمناسبة هنا تأتي الفرصة لتوضيح الفرق الشاسع بين الدكتور عبد الله النعيم و بقية النخب السودانية عندما وصل الى فكرة العلمانية و الديمقراطية الليبرالية و فصل الدين عن الدولة.

عبد الله النعيم وصل لفهم ظاهرة المجتمع البشري عندما فارق منهج القانوني التقليدي و تقدم في منهجه فكر عالم الإجتماع و لا يشبه عبد الله النعيم إلا منتسكيو في روح القوانين ففي روح القوانيين لمنتسكيو يتقدم عالم الإجتماع على القانوني التقليدي لذلك يعتبر عبد الله النعيم متقدم جدا على النخب السودانية و حتى على زملاءه من الجمهوريين مقارنة بالدكتور النور حمد الذي يتحدث عن المؤالفة بين العلمانية و الدين.

نرجع لعنوان المقال و فيه محاولة تلخيص فكر ريموند أرون في كتابه المكتوب عام 1938 و فيه يحاول ريموند أرون شرح فكرة أن الشيوعية و النازية و الفاشية ما هي إلا تجسيد لفكر مكيافيلي و هذه النظم الشمولية الدكتاتورية هي مكيافلية عصرنا الراهن أي أن الشيوعية و النازية و الفاشية مكيافيلية جديدة في عنفها و تعصبها و إزدراءها للآخريين و في تطبيقها لفكرة الغاية تبرر الوسيلة و عنف الكوز يظهر في تعصبه و عنفه المقدّس في عرس الشهيد كممارسة لا يقبلها أي فرد عقلاني و أخلاقي و لا تذّكر إلا بعروس النيل في زمان الفراعنة و كله بسبب ربطهم للأخلاق بالدين.

لذلك كانت روحها أي المكيافيلية الحديثة تتمثل في التعصب و العنف و الحيلة و الدهاء و كله بسبب أنهم قد كانوا ضحايا الفهم الخاطئ للتاريخ أي بأن للتاريخ غاية كما تتوهم الشيوعية في أن هناك عقل يسوق التاريخ الى غاية و هي نهاية التاريخ و نهاية الصراع الطبقي و هنا يظهر جليا بأن الشيوعية دين بشري ربط الأخلاق بالدين كما ربط الكيزان الأخلاق بالدين فكانت كل أفعالهم لا أخلاقية مصحوبة بالتعصب و العنف و إزدراء الآخر.

و بالمناسبة أضاف عالم الإجتماع الفرنسي مارسيل غوشيه الى كل من الشيوعية و النازية و الفاشية أضاف لهن الحركات الإسلامية مثل حركة الكيزان في السودان لذلك يمكننا القول أن كيزان السودان في نظر ريموند أرون و مارسيل غوشيه مكيافيليين عصرنا الحديث في تطبيقهم لفكرة الغاية تبرر الوسيلة في ربطهم للأخلاق بالدين.

و بالتالي أصبحت كل أفعالهم لا أخلاقية أي الكيزان و تمظهرت في شهوة السلطة و سطوة الإستبداد نتاج المنطق التجريدي المتعصب المعادي للعقلانية التي تتخذ من الاخلاق الكامنة في صميم الإنسان و تجعله عقلاني و أخلاقي يعرف بأن الإنسان غاية في حد ذاته و ينشد قيمة القيم و هي الحرية و لهذا السبب كان الكيزان أعدى أعداء الحرية بسبب عدم أخلاقيتهم و عدم عقلانيتهم و كله بسبب ربطهم للأخلاق بالدين و هذا خطاء شنيع بأن تربط الأخلاق بالدين و من نتائجه عدم قدرة الكوز على إدراك أن الآخريين مساويين له.

أهمية كتاب ريموند أرون أي المكيافيلية الحديثة أنه إنتقد فيه كل النظم الشمولية الدكتاتورية اللاهوتية الدينية التي تؤمن بأن للتاريخ غاية كما هو سائد عند الشيوعيين و الكيزان. يرى ريموند أرون أن الشيوعية قد أصبحت دين علماني عندما ربطت الأخلاق بالدين و أصبحت تنشد للتاريخ غاية كما يتوهم الكيزان و منهج الكيزان و الشيوعيين لا يفتح إلا على ربط الأخلاق بالدين و بالتالي يفتح على اللا أخلاق و لذلك يتشابه الكيزان و الشيوعيين في تعصبهم و عنفهم و إزدراءهم للحرية لأنهم لا يجسدون غير المكيافيلية الحديثة في حديثها عن الغاية تبرر الوسيلة.

و هنا وجب التوضيح أي أن فكر ريموند أرون يقوم على الفلسفة و الأخلاق غير المرتبطة بالدين و من هنا تأتي أهمية النزعة الإنسانية في فكر ريموند أرون و فيها يقدم فكر كل من عمانويل كانط و ماكس فيبر كبديل لفكر كل من ماركس و بارتو لأن فكر ماركس و بارتو فكر لاهوتي ديني ينشد غاية و بالتالي يفتح على اللا أخلاق.

ريموند أرون يرى بوضوح و يقول أن الشيوعية و الفكر المدرسي الكنسي و فكر القرون الوسطى فكر تعصب و عنف و إزدراء للعلوم الحديثة لأن الفكر الكنسي و فكر الشيوعية يقومان على اليقينيات و الوثوقيات و الحتميات و هذا هو سبب نزعة العنف و التعصب و إزدراء العلوم الحديثة التي تقوم على الشك و ليس اليقين. فعالمنا الآن مرتكز على الشك و ليس على يقين الشيوعية و يقين الكيزان في حتمياتهم و وثوقياتهم و يقينهم الذي يفتح على اللا أخلاق.

بالمناسبة أن سير مسيرة الإنسانية الآن في عالمنا المعاصر تسير على الشك و ليس على اليقين و هذا ينتج لنا مفهوم الإنسانية التاريخية و الإنسان التاريخي في إعتماده على تشيد عالم معاصر في حدود قدرة عقلنا البشري و بعيدا عن شطحات الكيزان.

عالمنا المعاصر عالم تتساوى فيه الحضارات و يصبح فيه كجور النوبة مساوي للإسلام و المسيحية في محاولات الإنسان لتفسير ظاهرة المجتمع البشري الى أن وصل الى مرحلة فصل فيها الدين عن الدولة و أصبح الدين شأن فردي بين العبد و ربه دون تدخل رجال الدين. أما ما بين الفرد و مجتمعه من صراع فتحكمه معادلة الحرية و العدالة التي تجعل من كل فرد غاية في حد ذاته لأنه ينشد قيمة القيم أي الحرية.

بالمناسبة هذا الكتاب لريموند أرون كتبه في أواخر ثلاثينيات القرن المنصرم و لم ينشره بسبب أحداث الحرب العالمية الثانية و قبل نشره إلتحق بشارل ديغول في لندن في مقاومته للنازية و عندما عاد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كان بجانب ديغول في حكومته مع أندرية مارلو إلا أنه قد فضل التدريس في الجامعة و كذلك بالعمل في الصحافة.

إكتشف الكتاب بعد زمان طويل من كتابته و عندما حرر كانت كل مواضيعه مذكورة في كتب ريموند أرون المهمة. تأتي أهمية كتب ريموند أرون في أنها أنقذت ساحة الفكر الفرنسية من وثوقيات و يقينيات و حتميات الماركسية و كذلك أنقذت الساحة الفرنسية من أفكار أوجست كونت نتاج الوضعية المنطقية و فتح ريموند أرون الطريق الى أفكار النيوكانطية و أفكار ماكس فيبر و كان ريموند أرون يفضّل عالم الإجتماع الألماني ماكس فيبر على عالم الإجتماع الفرنسي دوركهايم رغم أنه فرنسي مثل ريموند أرون.

في ختام هذا المقال نذّكر أن روساء فرنسا في أغلب الأحيان يفضلون بأن يكونوا محاطين بالحكماء و من حولهم الفلاسفة و كبار المفكريين. مثلا شارل ديغول كان حوله ريموند أرون و أندرية مارلو و فرانسوا ميتران رغم إطلاعه و إشتهاره بأنه موسوعي إلا أنه كان يدعو كبار الفلاسفة و المفكريين الفرنسيين و يقال أن حادث الحركة الذي أودى بحياة رولان بارت كان نتاج تلبية دعوة من فرانسواه ميتران و حتى ماكرون فكان من أقرب المقربين للفيلسوف الفرنسي بول ريكور.

و عادة الروساء الفرنسيين نجدها أيضا طبّقها روزفلت الرئيس الامريكي في محاولته الخروج من الكساد الإقتصادي العظيم فدعاء كثير من المفكريين لمقابلته و من ضمنهم جون ماينرد كينز و الغريبة قال كينز عنه بأنه وجده سياسي ملم بالنظريات الإقتصادية و تاريخ الفكر الإقتصادي أو يمكنك القول أنه سياسي مدرك لفكرة الشرط الإنساني.

عن طاهر عمر

طاهر عمر

شاهد أيضاً

الصراع بين المهدي و العلماء الدكتور عبد الله علي ابراهيم و اللا مفكر فيه

طاهر عمرtaheromer86@yahoo.com كتاب عبد الله علي ابراهيم الصراع بين المهدي و العلماء كتاب يجد إحتفاء …