بقلم: شان ديل دوت
استيقظت من النوم، وما إن فتحت موقع فيسبوك حتى صدمتني فاجعة رحيل عضو مجلس التحرير القومي للحركة الشعبية لتحرير السودان، والمستشار الفني بوزارة البترول، مولانا ميان وول جونق. كان الخبر مؤلمًا، وملأ الحزن قلبي لفقدان أحد القادة الذين تركوا بصمة واضحة في خدمة الوطن والمجتمع.
لم أكن أعرف الفقيد معرفةً وثيقة قبل استقلال جنوب السودان، لكنني كنت أسمع عنه وعن دوره الإداري والوطني، بوصفه أحد أبرز الشخصيات الجنوبية التي أسهمت بصورة كبيرة في مساعدة عدد كبير من السودانيين الجنوبيين عبر مجلس الكنائس، وفي تعزيز التعليم والثقافة بين أبناء الجنوب والمجتمع المسيحي آنذاك.
بدأت معرفتي الشخصية بالراحل بعد الاستقلال، خاصة عقب التحاقي بمهنة الصحافة. فقد التقيته لأول مرة في القصر الرئاسي عام 2013 أثناء مؤتمر صحفي لرئيس الجمهورية، عندما كنت أعمل بصحيفة المصير اليومية. ومنذ ذلك اللقاء لمست فيه الكاريزما القيادية، واللباقة، وحسن التعامل مع كل من حوله.
بداية علاقة امتدت حتى بعد وصولي إلى كندا
توطدت علاقتي بالراحل خلال العمل السياسي والتنظيمي، خاصة بعد إعفائه من منصب رئيس الإداريين بمكتب الرئيس. ولمن لا يعرف دوره السياسي، فقد كان عضوًا في مجلس التحرير القومي للحركة الشعبية لتحرير السودان، وانتخب في المؤتمر العام الثاني للحزب بجوبا عام 2008.
وبحكم عملي في الأمانة القومية للحركة الشعبية وككادر تنظيمي، كُلِّفت أكثر من مرة بالتواصل مع عدد من القيادات الحزبية، وخاصة أعضاء الجهاز التنفيذي. وخلال تلك المهام التقيت بالراحل في مكتبه، سواء عندما كان وكيلًا لوزارة البترول أو مستشارًا فنيًا لها، وكان آخر لقاء بيننا قبيل المؤتمر القومي الاستثنائي والندوة الشعبية الخاصة بترشيح الرئيس سلفا كير مرشحًا للحزب التي كانت في ساحة الحرية بجوبا.
وفي كل زيارة إلى مكتبه، كنت أجد منه حسن الاستقبال، وروح الرفقة، والتواضع، رغم انشغاله وكثرة الزوار. كان يمنح من يجلس معه اهتمامًا كاملًا، ويستمع للجميع باحترام، وهي صفات قلما نجدها في أصحاب المواقع القيادية.
عرفته رياضيًا ومحِبًا لألعاب القوى
هناك جانب قد لا يعرفه كثيرون عن الراحل، وهو عشقه للرياضة، وبصفة خاصة ألعاب القوى. فقد كان الرئيس الفخري للاتحاد الوطني لألعاب القوى، وأسهم بجهود كبيرة في دعم اللعبة ماديًا ومعنويًا، وساعد في تطويرها محليًا ودوليًا.
وخلال سنوات عملي في المجال الرياضي، لم أعرف سياسيًا أو رجل أعمال دعم الرياضة والرياضيين كما فعل الراحل مولانا ميان وول جونق، إلى جانب العم أمين عكاشة رحمه الله. وستظل إسهاماتهما خالدة في ذاكرة الرياضيين والأجيال القادمة.
مواقف لا تُنسى
قبل مغادرتي إلى كندا، حظيت بفرصتين للجلوس مع الراحل؛ الأولى بعد إعادة تعيينه وكيلًا للوزارة، والثانية بعد تعيينه مستشارًا فنيًا، وكانت الزيارة الأخيرة برفقة الأخ بواي كوال.
تعلمت منه درسين سيبقيان راسخين في ذاكرتي:
الأول، أن المنصب والسلطة لا يغيران الإنسان النبيل إذا كان مؤمنًا بقيمه ويحترم الآخرين. فقد بقي متواضعًا، قريبًا من الناس، لا يتكبر على أحد.
أما الثاني، فهو أنه كان قائدًا اجتماعيًا بحق، محبًا للشباب، كريمًا في نصحه ودعمه المعنوي والمادي، وحاضرًا في خدمة المجتمع بمختلف قطاعاته. وكان دعمه المستمر للشباب والرياضيين واتحاد ألعاب القوى خير شاهد على ذلك.
لقد تعلمت منه معنى القائد الهادئ الذي ينجز أعماله في صمت، بعيدًا عن الأضواء.
وعلى المستوى الشخصي، كان من القيادات القليلة التي لم تبخل علي بالنصح والدعم طوال مسيرتي في العمل العام، وحتى بعد هجرتي إلى كندا. ظل يتواصل معي، ويسأل عني، ويقدم لي التوجيه والمساندة في أوقات الحاجة، رغم بعد المسافات، وهو ما يشهد به عدد من أصدقائي والمقربين مني.
كان يتعامل مع الناس بإخلاص، دون أن ينظر إلى مواقعهم أو ظروفهم، حاضرًا كان الشخص أم غائبًا.
وداعًا أيها القائد والمرشد
في هذه اللحظات العصيبة، نشعر جميعًا، أسرته وأصدقاؤه ورفاقه وكل من عرفه، بألم كبير لفقدان شخصية نادرة، جمعت بين القيادة والتواضع، وبين الحكمة وخدمة الناس.
لكنها إرادة الله التي لا راد لقضائها.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد مولانا ميان وول جونق بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين، وأن يلهم أسرته الكريمة وأهله ومحبيه الصبر والسلوان.
و نختم الرثاء بحديث الخالق: ) يا أيها الانسان، إنك تراب، وإلى تراب سترجع). أمين.
dutdeal45@gmail.com
