صدق الشاعر إسحق الحلنقي وهو يصور مصير كل مغترب مهما كان نوعه عندما تنذر بوجوبها العودة الجبرية للوطن.الوصف عبارة عن لوحة ناطقة جاءت ذات أبعاد ثلاثية تصور فقدان شبابه وفقدان التعارف من جديد حتى مع البيوت والوجوه العتيقة “كنز الذكريات المكنون” بل تغيرت كل التضاريس الجغرافية من حولها بحكم عامل الزمن والإهمال أو التهميش وكما تغيرت ملامح الناس تغيرت ملامحه هو و العائد وقد كانت شابة زاهية جذابة
شكرت زميلي وأخي الصديق العزيز ابن الثغر الحبيب دكتور حسن صالح محمد إستشاري الباطنة بالمملكة المتحدة على إهدائه لى هذا الصباح القصيدة معنية الذكر التي ألقاها أثناء جلسة أنس تليفزيونية الأستاذ الفنان التاج مكي فى حضرة الشاعر الحلنقي نفسه والشاعر السيد هلاوي . تأثرت بالطبع وكلنا فى الهم سواء لقدرة الشاعر فى تلخيص حال كل مغترب لأنه قد جرب لنفسه مرارة الإغتراب بدولة الامارات العربية المتحدة وكان ردي على رسالة الأخ دكتور حسن من القلب كالآتي:
شكرا ً أخي حسن. الحمدلله الذي جعل لعباده مصدر رزق وملجأ عندما تلفظهم أوطانهم نتيجة فقر أو جوع أو بسبب أنظمة سياسية ة فاشلة وفاسدة لا ترحم ولا تخاف الله ولا عرض الكتب يوم الحساب، لكن تبقى حصيلة ضريبة العمر المدفوعة عند نهاية دنيا الإغتراب جداً باهظة و قاسية . القصيدة جداً مؤثرة تحكي واقعنا كلنا المغتربين المشتتين فى أرجاء العالم كله . للأسف نعيش عمرنا كله على إجترار الذكريات الجميلة لتنقلنا إلى تلك الأماكن البعيدة المحببة لدينا داخل الوطن وفيها الشخوص التى ألفناها وكنا نحبها ونسعد بلقياها فنجد شيئاً من لحظات الأنس فى حضرة عالم الخيال الغير محدود. لهذا الأنس مفعول عجيب على كل ما يؤلم من تأثير النوستالجيا المتراكمة على أعصابنا ونفسياتنا المتعبة المنهوكة كمفعول تأثير الباراسيتامول والآيبوبروفين على أوجاع العضلات أو المفاصل. ولكن برغم ذلك تبقى الحقيقة المجردة ، كلام أهلنا “حب الوطن إيمان”، فالأوطان وإن كانت صحارى او بوادي وجبال فهي الملاذ والحب الأول لعاشقيها لا تعوضها جنات الدنيا بما فيها من نعيم. ويبقى الوطن هو النعيم ” نعيم الدنيا’ نور القلب ومعنى الجمال” ويبقى هو محمل الأماني الحلوة لا تنضب ينابيع مياهها النقية التى فيها سر الحياة وسر صمود كل مغترب لا فرق إن كان يعيش فى جنان النرويج وسويسرا أو راعياً صحبته فقط هي قطيع خراف أو جمال غير ناطقة ، هكذا مجبوراً كل منهم قد قبل الضياع كل سنين العمر المزهرة خاصة الآخر من أجل توفير لقمة العيش لزعب تركها من خلفه وآخرين حولها، لقمة عيش دربها جداً صعب لا يتم توفرها عدا فى صحراء الربع الخراب. هكذا حظوظ الدنيا الفانية، ” تعلي” أناس جاءوا من عدم و”تدلي” آخرين وإن كانوا عباقرة ومفكرين. اللهم عوض كل جند مجهول من المغتربين خيراً فى الدنيا وفى الآخرة شبابهم الضائع عندما يحلون عند بابك الكريم تحفهم يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين بكرمك وبرحمتك الواسعة تدخلهم جنات الفردوس والنعيم الذي لا ينقطع
على رعاة الرعية والمسؤلين وأصحاب القرار أن يتذكروا أن رعايتهم ليست مقصورة على رعاياهم فقط المحصورين داخل حدود الوطن الجغرافية بل تشمل المسؤلية حتى الآخرين فى بلاد المهجر، و الأمل أن تكون رعاية حانية عبر السفارات وجهاز المغتربين لتعود بالخير على الجميع وعلى الوطن. أيضاً أرى أن الإستثمار الحقيقي ليته يكون فى هؤلاء الملايين من المغتربين بدلاً من أجانب يستغلون خيرات البلاد خاصة فى الزراعة والتعدين وقد جربناهم واكتوينا بنيرانهم
هذه هي القصيدة المعنية من شعر الأستاذ الحلنقي :
رجعت بعد سنين بلدك
تغنّي و فرحتك شايلاك
رجعت لقيت عيون أهلك
تعاين ليك و ما عارفاك
فت بلادك وانت شباب
و جيت الليلة وينو صباك؟!
و كل الناس بقت بتسأل
تقول يا ربّي وين شايفاك؟
تشبّه فيك بالسّاعات
تحاول تطرىٰ ما تطراك
دفعت شبابك إنت تمن
و بعد الغربة نلت جزاك
حنين الساقية ما خلّاك
و الحي الزمان ربّاك
أماكن عشت فيها صباك
و عاشت ذكرى حلوة معاك
النيل بالمحنّة سقاك
و مويتو الحلوة فيها شفاك
و طول عمرك ولوف قلبك
و إنت الإلفة هي الكاتلاك
السمحة المعاها ربيت
عاشت صابرة تستناك
صعبت عليها يوم طليت
تعاين ليك و ما عارفاك
رجعت و حولك الأحلام
لدنيا جميلة سايقة خطاك
و قايل الناس ترحّب بيك
و بالأحضان بتتلقّاك
لقيت الدنيا ما دنياك
و رحلت ناس عزيزة وراك
لا ضقت الهنا في بلدك
و لا في الغربة تمّ مناك
رجعت لقيت عيون أهلك
تعاين ليك و ما عارفاك
رد الله بالسلامة غربة كل مغترب لأحضان الوطن قبل فوات الأوان
عبدالمنعم
drabdelmoneim@yahoo.com
//////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم