رحلتي إلى نور المسيد

منذ صغري كان الحرف يسكنني. كنت أردد دائمًا أنني ابنة الحرف، أحتضن الكلمة كما تُحتضن نبضة خفيّة في الصدر. كبرتُ وصُنتُ الحرف، لكنني لم أكن أعلم آنذاك أن الكلمة ليست بوحًا فحسب؛ إنها قيدٌ وحرية معًا، تأسر قبل أن تُقرأ، وتسرقني من نفسي لأهبها، بفرحٍ خفي، للآخرين.
تقدّمتُ في الحب، فعانقتُ الكتابة بجموحٍ وشغف، فوجدتُ فيها مرآةً لفرحي وحزني، لشوقي، ولحظات وحدتي. وفي يومٍ كتبتُ خاطرة، ولم أستطع التوقّف؛ حتى غدت الصفحات لا تحتمل أنيني… عندها تنفّستُ صعداء أوّل خاتمة، وهمس الحرف لأوّل مرة: لقد بدأت رحلتك.
كانت «صدفة مؤجَّلة» بدايتي؛ بداية رقيقة، لكنها لم تمكث طويلًا، كوميض برقٍ يلامس السطح ثم يختفي. كنت أكتشف الكتابة بعينين متّسعتين وفضولٍ لا يكلّ. هناك بدأت الكلمة تشقّ لي طريقها، تتسلّل إلى أعماق الوجد، وتكشف عن صرخاتٍ لم أكن أعلم أنني أحملها في داخلي.
ثم جاءت «عِمْران». كتبتُها من أمدرمان القديمة، وكنت أكتب كمن ينتزع صرخةً من صدره، بلا زينة ولا مواربة. انجرحتُ بثورة عِمْران وغضب ذاته، أفتّش في الوحدة والخذلان، كمن يفضح نفسه والعالم دفعةً واحدة. لم أكن أبحث عن جمالٍ مصقول، بل عن طعنةٍ تُبقي أثرها. كانت لغتي آنذاك عارية، صادقة، وجموحها يدهشني حتى اليوم.
وفي «حياة» أخذت الرحلة الداخلية صدىً آخر. همستُ بوجعها، برسائلها إلى الغائب، إلى الأشجار، إلى طفولةٍ مخبّأة بين أرجوحةٍ وصفير رياح الكمبو. هناك تعلّمتُ أن الفقدان ليس عدوًا، بل رفيقًا يعلّمنا البكاء والانتظار، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الصراخ. بدأ الحنين يلوّن لغتي، ويكسوها عمقًا وشجنًا خافتًا، لكنه حاضر في كل سطر.
ثم جاءت «هويتي الأخرى»، وفيها خرجتُ من ذاتي إلى العالم. عدتُ مع مولانا مراد إلى فضاء السلطة والفساد، ورسمتُ الشخصيات بعينٍ ناقدة لا تخلو من سخرية. جعلتُ الكلمة صفعةً وابتسامة في آنٍ واحد، وجرّبت أن أضحك وأنا أفضح. كان النص ساحة كشف، ومسرح محاكاة ساخرة، تتعرّى فيه البلاد عبر شخوصها، وتنعكس في كل سطر مرآة واقعٍ مألوف وموجع، خارج حدودي الذاتية.
ثم توقّف كل شيء. ماتت أمي، ومعها انطفأت أنفاس الورق. صرتُ صامتة أعوامًا، أبحث عن حبل نجاة، لكن الحزن كان أبلغ من أحرفي. سبع سنوات من الفقد، من التيه داخل جدران الصمت، حيث كانت كل محاولة للكتابة تصطدم بثقل الغياب.
لم أكتب، ولم أجرؤ. مضت الأيام بلا معنى، حتى صارت القصص التي حلمتُ بها أطيافًا تتلاشى. شعرتُ أن الكتابة لم تعد تمدّ لي يدها، وأن صوتي تاه، وأن الشغف الذي كنت أحمله تحوّل إلى غبارٍ على رفّ الانتظار.
هناك تعلّمتُ أن للحزن لغةً صامتة، وأن الوحدة فراغٌ ممتلئ بحضرةٍ موجعة، تُربك الروح وتعلّمها، وتترك لها فسحةً خفيّة لتتحسّس الطريق من جديد.
وهكذا عاد الطريق ليفتح خطاه أمامي مع «نور المسيد». انكسر طوق الانتظار، وبدأت أكتب من الفراغ، من صخب الأسئلة، ومن وجع البحث عن الحقيقة. كل صفحة كانت تطلب أكثر… حضورًا كاملًا، جسدًا وروحًا، وصبرًا لا ينقطع، وإصرارًا على ألا يفلت مني أثرٌ صغير، يعين السالك.
قلّبتُ صفحات سيرته، وتتبعّت مراجع حياته، بعثتُ بالاستفسارات والرسائل، ومضت ساعات طويلة بلا إجابة. محاولات فاشلة كانت تدفعني إلى حافة اليأس، ثم تعيدني لأحاول من جديد. في تلك الرحلة، كان زوجي سندًا لا ينتهي؛ يصغي، يدعم، يشاركني تفاصيل البحث، ويحتضن أطفالي إلى جانبي، ليمنحني مساحة الاستمرار.
وبعد شهور من التيه، انفتحت كُوّة أمل. وجدت من يعينني على فتح الأبواب المغلقة، ويوفّر لي المراجع التي كنت أبحث عنها. كانت مساعدته ضوءًا خافتًا لكنه كافٍ لأمضي، وأصل إلى ما كنت أصبو إليه.
ومع كل زفرة تعب، كانت المسؤولية تكبر: مسؤولية الكلمة، ومسؤولية النص، ومسؤولية من سيقرأ. مسؤولية أن يكون كل حرف نابعًا من صدق نيّة، ومن محبّة.
وفي لحظة لا أنساها، بين جدران الطين، وأصوات التلاوة، شعرت أن المقام الذي كنت أبحث عنه قد تحقق. دموع راحة ورهبة امتزجت في داخلي: راحة لأنني وصلت، ورهبة من ترقب الوداع. هنا، صارت كلماتي راوٍ عن الشيخ عبد الرحيم البرعي، بين الزريبة وعلى ضفاف المودة، يتسلل نور المسيد ليرتقي فيه السالك، بهدوء ورفق ليكون ظلًا في سيرة روحيّة. كل خطوة في هذه الرحلة، كل ليلة بحث، كل ورقة مفقودة أو مكتشفة، كانت جزءًا من ترتيب ورسائل، ومقام ودّ، ومخاض طويل.
والآن، أحتفل بـ «نور المسيد» بين جنبات رفوف معرض القاهرة الدولي للكتاب، أضع الرواية بين أيدي القراء، وأدرك أنها تحمل بين صفحاتها رحلة كاملة، من الصرخة الأولى حتى همس الحروف الأخير، حيث ينام المرء قرير العين في حضن المحبة، ويرتفع بمقام الطمأنينة.

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أنا وصديقاتي

خيط النور بعض الذكريات لا تعود لأنها جميلة فقط، بل لأنها علّمتنا كيف نضحك قبل …