وجدي كامل
ما أقسى الأخبار في زمن الحرب، وما أقساك من خبرٍ يحمل رحيل عزيزٍ وجميلٍ من هذه الحياة.
نعى الناعي هذا الصباح وفاة الأخ العزيز مصطفى عبادة، الذي عرفه الناس مناضلاً ونقابياً مكافحاً لا يُشقّ له غبار. فبعد إكمال دراسته الثانوية بمدرسة عطبرة الثانوية، ومزاملته لأسماءٍ ومناضلين كثر، وبعد أن اكتسب سمعةً طيبةً في ميادين كرة القدم، أقام مصطفى بالخرطوم وعمل لسنواتٍ طويلة بمصلحة النقل النهري، حيث أصبح أحد قادتها النقابيين البارزين.
في أواخر السبعينيات سكنت أسرة مصطفى حيَّ المزاد بالخرطوم بحري. فمنذ بدء تلك الجيرة اللطيفة، سعى مصطفى، الودود الهميم البشوش، إلى بناء علاقاتٍ نوعية في الحي، وخاصةً مع جارنا وصديقي المرحوم صلاح عبد اللطيف. وتعرّفنا حينها على صلاح وبدر الدين الخير، وشاهدنا ذلك الهرم الإداري الرياضي وتلك الشخصية الكسلاوية القوية في عددٍ من زياراتهما وإقامتهما بمنزل الأسرة بالمزاد.
كان صلاح، الذي كنا نناديه بـ«التاج»، شيوعياً ملتزماً، ويبدو أن اتصالاً تنظيمياً تمّ به، وتعريفاً أو توصيلاً لمصطفى إليه، وهو تقليد يعرفه الشيوعيون في مناطق السكن ومجالات العمل، ويُسمّى «التوصيلة».
ومنذ ذلك التاريخ نشأت علاقة صداقة قوية بيني وبين مصطفى. التقينا في محبة العدالة وزمالة الحزب الشيوعي، رغم أنني كنت أصغره بسنوات، وأقمنا الكثير من النقاشات الثقافية والأدبية بمنزلنا، وأحياناً في بيوت الزملاء، أمثال عبد العال. خرجنا معاً، وسهرنا معاً، وأحببنا وردي ومحمد الأمين وأبا عركي البخيت، وسافرنا إلى كسلا لزيارة شقيقته، وكذلك إلى خشم القربة. كما جمعتنا شبكة واسعة من العلاقات مع آخرين، منهم من رحل، ومنهم من لا يزال حياً.
غادرتُ في مطلع الثمانينيات إلى موسكو، وتحوّلت العلاقة إلى صداقةٍ صلبةٍ وعميقة بينه وبين الوالد. وأثناء ذلك كانت بيننا رسائل متبادلة، وكان حضوره اليومي يتجدّد في بيتنا عند عودتي في الإجازات، وفي تجمعات الأصدقاء.
فيما بعد ذهبت للعمل بجامعة قاريونس في ليبيا، وسمعت، بعد انقلاب الثلاثين من يونيو، عن اعتقاله مع مجموعةٍ من الأصحاب، وتعرّضهم للتعذيب في بيوت الأشباح. وقد كتب مصطفى عن ذلك فيما بعد، وروى تجربته في برنامج «بيوت الأشباح» خلال المرحلة الانتقالية.
عادت العلاقة من جديد بعد أن التقينا في عزاء الراحل سعودي دراج. زارني في البيت، وأصبح بيننا تواصلٌ متجدد، رغم ما اعتراه أحياناً من انقطاع.
ورغم الحرب والخراب، ظل محباً ومخلصاً لشعبه، وحالماً بالتغيير، لكن آثار التعذيب والتدمير التي لحقت بجسده كانت أقوى.
رحل مصطفى مخلفاً ذكرى مناضلٍ نادرٍ دفع الغالي والنفيس في سبيل رفعة بلاده، وترسيخ قيم الحرية والديمقراطية والسلام، دون أن يشهد عدالةً تُنصفه على مستوى خسارته الشخصية.
wagdik@yahoo.com
