ردّ على ترّهات ليلى عبد اللطيف: السودان ليس نبوءةً جوفاء

في تسجيلها المصوّر الأخير، الذي يتداوله البعض على وسائل التواصل الاجتماعي، تطرّقت المدعوة الأستاذة ليلى عبد اللطيف إلى السودان بأسلوب سطحي وتكراري، دون فهم حقيقي لطبيعة السودان، تاريخه، أو واقعه السياسي والاجتماعي المعقّد.
أغلب ما قِيل كان مجرّد هراء
المدعوة ليلى عبد اللطيف ذكرت “السودان” بالعربية عشرات المرات، وتطرقت مرة واحدة فقط إلى عمقه الإفريقي، وكأن الجغرافيا مجرّد تفصيل ثانوي. لكنها لم تذكر شيئًا عن الجذور الحقيقية لأزمة السودان: لا عن مشروع التأسيس الوطني المغيّب، ولا عن التهميش البنيوي، ولا عن دولة “٥٦” الذليلة التي لبست الرداء العربي على حساب هويتها، وسكتت عن حقوق شعوبها، ولا عن الحروب الأهلية التي موّلتها الأنظمة العربية والإسلامية المتطرفة لحماية مصالحها.
ولم تأتِ على ذكر تعطيل التنمية الذي واظبت عليه مصر وغالبية دول الخليج المتطرفة، المتزينة برداء “الحركة الإسلامية”، عبر أدوات مثل بنك فيصل الإسلامي، الذي لم يكن يومًا مشروعًا تنمويًا بل أداة اختراق سياسي واقتصادي.
ولا عن حروب التحرير العادلة التي خاضتها الحركات المسلحة السودانية لتحرير أراضيها من نظام العبودية السياسية والاقتصادية والثقافية، ولا عن قوات الدعم السريع التي تتصدّى اليوم لأكبر مؤامرة لتفتيت السودان تحت رايات إرهابية وداعشية تنفذ أجندات خارجية.
ولا عن تحالف التأسيس الوطني، الذي صاغ ميثاقًا ودستورًا تشارك في صياغته كل قطاعات الشعب، رغم القصف، والمنع، والأسر، والتهجير، ليقدّم مشروعًا وطنيًا بديلًا متكاملًا
ولا عن شعوب السودان، التي يقارب عددها الخمسون مليونًا، والمتميّزة في الزراعة، والرعي، والثروة الحيوانيّة، والتعدين، والتي تمتلك ما يقارب ١٤٢ مليون رأس من الماشية، وتنتج أكثر من ٨٠٪؜ من الصمغ العربي في العالم، وتشكل المصدر الأساسي لغالبية منتوجات الذرة، والسمسم، والفول السوداني، وهي كذلك من أكبر منتجي الذهب في إفريقيا والعالم.ويمتلك السودان أيضًا ثروات سمكية يتجاوز إنتاجها السنوي ٧٠ ألف طن، مع إمكانيات تفوق ١٥٠ ألف طن في المياه العذبة والبحر الأحمر، إلى جانب ثروات غابية تغطي أكثر من ٦١ مليون هكتار من الأرض، وتنوّعٍ بيئيّ غنيّ يشمل نحو ٢٨٧ نوعًا من الثدييات و٦٣٤ نوعًا من الطيور
غالبية الدول العربية، للأسف، لا ترى في السودان إلا مشروعًا للاستعمار الجديد
تسعى لاستبدال سكانه، ونهب موارده، وتحويله إلى حديقة خلفية لأنظمتها الخائفة من شعوبها. أما دول الجوار الإفريقي، فتنظر إلى السودان بوصفه دولة ذات سيادة، مكتملة الأركان، وشريكة طبيعية في المصير الأفريقي المشترك
لكن ليُعلم الجميع، أن السودان ليس دولة بلا جذور، ولا أرضًا بلا شعب.
فهو أولًا بلاد حام بن نوح، وأرض كوش، ومهد القبائل النيلية من أبناء حام، الذين شكّلوا النواة الأولى لأقدم تجمّع حضاري في وادي النيل
وهو كذلك، عبر العصور، أرض التوبة، التي لجأ إليها الأنبياء، وأذعن فيها الظالمون، ووجد فيها التائهون ملاذهم.
ثم هو اليوم، كما كان، أرض النوبة، صاحبة أقدم وأعظم حضارة عرفها التاريخ الإنساني
ويظل السودان، في حاضره الحيّ، وطنًا متنوعًا يضم أكثر من ٥٧٨ مجموعة عرقية وقبلية، منها ما يزيد عن ١٥٠ قبيلة رئيسية. ويتحدث أهله بما لا يقل عن ٧١ لغة أصلية، وأكثر من ٢٠٠ إلى ٣٠٠ لهجة محلية منتشرة في مختلف الأقاليم، ما يجعله من أكثر البلدان تنوعًا لغويًا وثقافيًا في القارة الإفريقية.
فكيف يجرؤ من يجهل كل ذلك على اختزاله في فقرة غامضة أو نبوءة مسطّحة؟
إلى ليلى عبد اللطيف وأمثالها نقول
وفّري علينا خطابك المضلّل، وابحثي عن جمهور آخر
فالسودان ليس نبوءةً غيبية، بل مشروع تأسيسٍ تاريخي، ينتظر من يفهم تعقيده، ويصون كرامة أهله، ويشاركهم بناء المستقبل
د. أحمد التجاني سيد أحمد
عضو تحالف تأسيس
١٩ يوليو ٢٠٢٥ روما –إيطاليا
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

لسنا تهمة .. نحن الأصل .. النيل لا يُقسَّم

د. أحمد التيجاني سيد أحمدقيادي مؤسسي في تحالف التاسيس١٧ فبراير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا في …