رد على عثمان ميرغني: هل يمكن للقانون أن يحكم السودان بينما السلاح هو الحاكم؟

أواب عزام البوشي

حين كتب الأستاذ عثمان ميرغني عن “دكتاتورية السيستم”، شعرت وكأنه يلمس قلب الأزمة السودانية، لكنه لم ينظر إلى وجوه الناس الذين يعيشون تحت ظل البندقية. في السودان اليوم، القانون ليس هو الحاكم، بل السلاح بكل أشكاله: الجيش في العاصمة، الحركات المسلحة في الوزارات، وكل مؤسسة مدنية محكومة بالقوة، لا بالقانون.

التاريخ يكرر نفسه بلا رحمة: صباحات انقلاب جعفر محمد نميري، سنوات حكم عمر البشير، و انقلاب عبد الفتاح البرهان على السلطة المدنية في 21 أكتوبر ، وتعطيل الوثيقة الدستورية بالقوة المسلحة. كل مرة تُحطم الدولة على صخرة البندقية، وكل مرة نبحث عن السيستم الذي لم يُمنح فرصة أن يولد.

كيف يمكن الحديث عن “سيستم صارم” بينما القرار النهائي ليس للقضاء ولا للبرلمان، بل لمن يرفع السلاح؟ كيف يمكن الحديث عن مؤسسات مستقلة بينما كل وزارة ومؤسسة تُحكم بتوجيهات القوة المسلحة؟ كل شعار عن “القانون فوق الجميع” يتحول إلى نكتة مرة حين ترى الحقيقة: البندقية هي الحاكم، القانون مجرد حبر على ورق، والسيستم لم يولد أصلًا.

التجربة السودانية علمتنا أن كل مرة يقتحم فيها السلاح الحياة المدنية، تنهار الدولة أكثر.

القضاء يُهمش، الاقتصاد يتحول إلى امتيازات مغلقة، والمدنيون يقتاتون على فتات الدولة. ثم نرفع شعار السيستم وكأنه مشروع جديد، بينما الحقيقة أن كل شيء يعود إلى نفس النقطة: السلاح فوق القانون، والسلطة المدنية مجرد تمثيل.

ليس في هذا الطرح انتقاص من الجيش أو أي حركة مسلحة، بل دعوة لفهم دورهم الصحيح: حماية الحدود، احترافية في ثكناتهم، لا صانعو سياسات ولا محررو دساتير. حين تختلط السياسة بالسلاح، تنهار الدولة، ويموت القانون، ويظل المواطن يراقب نفسه من عبث السلطة.

“دكتاتورية القانون” لا تُبنى بالكلمات، بل بخطوة شجاعة واحدة: إخراج السلاح من معادلة الحكم. حينها فقط يمكن للقضاء أن يكون مستقلاً، والسلطة التشريعية أن تعمل بحرية، والتنفيذي أن يخضع للمساءلة.

الدولة القوية ليست تلك التي يخشاها الناس، بل تلك التي يخشاها من يفكر في خرق قانونها. السيستم الصارم لا يولد في ظل وصاية السلاح، بل في ظل مدنية كاملة تجعل الجميع – مدنيين وعسكريين – تحت سقف الدستور بلا استثناء.
فإذا كنا نريد حقًا “دكتاتورية السيستم”، ألسنا مطالبين أولًا بأن نسأل أنفسنا: كيف نبني قانونًا لا يُعطَّل، مؤسسات لا تُحلّ، ودولة لا تحكمها البندقية؟ أم أننا سنظل نعيش على وقع نفس الحلقة المأساوية إلى الأبد؟

awabazzam456@gmail.com

عن أواب عزام البوشي

أواب عزام البوشي

شاهد أيضاً

حين تصطدم الأيقونة بمنطق السلام: قراءة نقدية لخطاب آلاء صلاح في مؤتمر نوراد بأوسلو

أواب عزام البوشيawabazzam456@gmail.com من خلال متابعة خطاب آلاء صلاح في مؤتمر نوراد بأوسلو، ومتابعة آراء …