سلام ولدي الغالي وغرة عيني فيصل حفظه الله ورعاه، ورعى ست بيتك السيدة سارة ومن حولك، وبعد…
اجد متعة في مراسلتك لتعلم أن الرسائل، هي النوافذ التي تبث الروح في قلوب الناس وعقولهم، وبدايةً، وقبل كل شيء، أريدك أن تعرف أمراً مهماً: هو ان ملازمة العلماء نعمة. وقديماً قيل إن الإنسان يتعلم بطريقتين: القراءة، ومصاحبة من هو أذكى منه. وأنا أضيف من عندي: ومن هو أعلم منه.
فالإنسان لا يعرف دون أدوات تعلّم، والعالِم بين الناس رحمة تمشي على قدمين. ومن اهم تلك الادوات التي قرّبتني إلى عمك جمال هى سهولة التواصل المباشر معه..
طيب،خليني أواصل معك اليوم حكاوي زمن عمك جمال، أو زماني معه، ذاك زمان كان من أنضر الأزمنة التي مرت عليّ وأنا شاب غض الإهاب وفي مثل عمرك.
اصارحك القول ان تلك الأيام كانت عبارة مدرسة حقيقية تعلمت فيها الكثير. فقد وجدت في عمك جمال كتاباً مفتوحاً، ودوحةً وارفة من العلم والمعرفة ففي حضرة عم جمال، عرفنا معنى تواضع العلماء، وتعلمنا منه كيف نسلك الدروب الصحيحة للمعرفة دون ادعاء. فالعالِم يا بني، إن لم يتواضع، نفر منه الناس وربما فقد علمه أثره.
وقد تسألني: كيف اكتسب هذا الرجل ذلك التواضع؟
أقول لك: إنها الثقافة يا فيصل… ليست تلك الثقافة بمعناها الضيق، بل تلك التي تمتزج فيها المعرفة بالإنسان. ثم تأتي بعد ذلك العلوم الإنسانية التي تشربها وهو يتهيأ لمهنة التدريس، ويضاف إليها جانب بالغ الأهمية، وهو عمله الدبلوماسي؛ ذلك العمل الذي يصقل الإنسان، ويعلمه كيف يسمع قبل أن يتكلم، وكيف يزن كلماته بميزان الحكمة، لا باندفاع الرأي.
يا فيصل، الان دعني أهمس لك بشيء أدركته متأخراً. لم يكن تواضع عم جمال ناتجاً فقط عن علمه أو ثقافته، بل عن يقين داخلي بأن المعرفة بحر لا يُحاط به. كان يتعامل مع كل فكرة كأنها احتمال، لا كحقيقة نهائية. ولذلك، حين تجلس إليه، لا تشعر أنه يُملي عليك شى، بل كأنه يفتح لك باباً ويترك لك شرف الدخول
وأذكر—وسأفصل لك هذه الحكاية لاحقاً—أنني دخلت عليه يوماً وأنا ممتلئ برأيٍ أظنه صواباً لا يحتمل النقاش… فخرجت من عنده وأنا أبحث من جديد، لا لأنني هُزمت، بل لأنني تعلّمت كيف أفكر. كان ذلك الراى يتعلق بالفلسفة الإسلامية وكانت مادة أساسية من مواد التخرج من كلية الاداب..
قبل ان التقيه بدأ على الاضطراب وقد قرا هو ذلك خاصة وانا داخل عليه لاستعداء ادار..
كنت يافيصل منفوخ في الفاضي ظاناً باني فيلسوف زمانه.. واذا بي اكتشف باني تلميذ مبتديء، وكان ذلك اول درسٍ تعلمته..وقد ادرك عمك جمال اضطرابي ليقوم بقيادتي للطريق الصحيح لفهم العلم وكيف لا وهو المعلم اولاً.. ومن هنا بدانا الدرس الاول..
من اجل ذلك نصيحتي لك يا فيصل، ان تفهم بان صحبتك للعلماء لا تعني أن تحفظ كلامهم، بل أن ترى كيف يعيشون ما يقولون. فهناك فرق كبير بين من يعرف… ومن صار..
دوم لغواليك، وابقى طيب لمحبك
عثمان يوسف خليل
osmanyousif1@icloud.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم