رسالة للسيد وزير الصحة بولاية الخرطوم المحترم .. بقلم: بروفيسور مجدي محمود محمد علي
22 نوفمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
22 زيارة
بدءا نشيد بمجهوداتكم الظاهرة للعيان ، ومحاولاتكم الدءوبة لصنع تغيير ملموس في واقع مرير و لابد أن نقر بأنَّ التركة التي أُورثتموها ثقيلة للغاية ، وأن تصدع بنيان الخدمة المدنية وعلى رأسها قطاع الصحة كاد إن لم يكن أودى بنا لدرك سحيق. فمناطق الانتاج والأقاليم التي كانت مصدر خير وبركة لهذا البلد لم تُعد كذلك! والكل هناك أصبح يسعى ويحلم بفراق الديار في سبيل استشراف مستقبل حياة أفضل هربا ممَّا يعانيه ويراه بأمِّ عينه ؟ فكل المشاريع إن لم تكن معظمها انهارت ، وهجر المزارعون حقولهم حيث لم يعد هنالك دافعا واحدا يجرَّهم للبقاء بها . فعلى امتداد الوطن ( ماقد كان… وما سيكون ) نرى فقرا مدقعا وواقعا مريرا يسيطر على مناحي الحياة ، وأولها الخدمات الصحية !!
التداعيات الماثلة أمامنا تجعلنا نقول بأن الموضوع أكبر بكثير من أن نبذل جهدا لإصلاح هذا الواقع الحاضر ، فالاصلاح لا يمكن أن يصل بنا للهدف المنشود إن لم نستصحب معنا ترسيخ العديد من المفاهيم وشتل بذور ثقافات جديدة من شأنها أن تستوعب كنه هذا الاصلاح وطبيعة هذا المجهود الذي يسعى لصنع الفارق؟
الواقع الماثل شاركت في صنعه الحكومات، كلٌ بفهمه حتى وصلنا للوضع الحالي .. وفي رأي المتواضع أن البداية يجب أن تكون بتصحيح مفاهيم وتثقيف المواطن والمجتمعات بالنظام الصحي وكيفية تدرج الخدمات فيه ، وهذا الموضوع يحتاج لتكاتف الإعلام بالإضافة لتفعيل قطاع التثقيف الصحي في وزارات الصحة والتي يعاني هذا القطاع فيها من حالة خمول وتقوقع شديدين ، فمعظم الأمراض التي تعاني منها المجتمعات في بلادنا يمكن الوقاية منها بطريقة أسهل وأجدى اقتصاديا من الانجرار في السعي لتوفير العلاجات وما يجُرَّه ذلك من تداعيات . فالإلمام بتدرج الخدمات الصحية ) الأولية فالثانوية ثمَّ المستوى الثالث وهي المرجعية) وترسيخ هذا المفهوم عند المواطن البسيط يمكن أن يساعدنا كثيرا في نجاح السياسات التي أراك تتبناها وهي ذهاب الخدمات إلى الريف بدلا عن المركز؟ ولكن أصدقك القول بأن هذا الموضوع يجب أن يكون متكاملا ومتزامنا مع سياسة الدولة ونظرتها للإمور بصورة أكثر واقعية ، والسعي لنقل هذا المفهوم لكافة الولايات والعمل بصورة جادة لنقل الحياة وإعادتها للأرياف والأقاليم بدلا من أن تجعلها طاردة لهم مما يدفعهم دفعا للمراكز والعاصمة؛ فللأسف سياسات الحكومة هي التي رسخت لتتدافع سكان الأرياف للمدن الكبرى والتكدس في العاصمة وذلك لإفقارها للولايات وعدم الأهتمام بمشاريع الإنتاج وعدم توفر معظم الخدمات الأساسية بالأقاليم مما انعكس سلبا أيضا على العاصمة التي أصبحت تأوي كل السودان وتضاعفت مسئولية تقديم الخدمات الصحية لهذا الكم الهائل من البشر في ظل الهيكل والنظام التقليدي المتبع والذي يتخطى الخدمات الصحية الأولية ويتم القفز فيه مباشرة للمستشفيات الكبرى التي من المفترض أن تلعب أدوارا أكبر وتقدم خدمات متخصصة . ولعمري فإن هذا الموضوع تطول وتتشعب تفاصيله ويمكن مناقشته في مقالات أخر ، ولكن يلح علينا سؤالا وهو لماذا نرى معظم الأطباء الكبار والذين هم علامات بارزة في بلادنا قد عملوا لفترات من حياتهم في ربوع السودان المختلفة ؟ ولماذا كنَّا نرى الأطباء ينتقلون بين أقاليم السودان المختلفة دونما ضجر أو ضيق؟ بل يستمتعون بذلك ؟؟
ختاما نقول بأنه قد يختلف معك الكثيرون ويتفق معك أيضا الكثيرون ، ولكن يبقى أن تصاحب هذه السياسات عملية تنويرية كاملة وبيان بالعمل للمواطن حتى لا يجرفه تيار بعض أصحاب الغرض أو من هم لهم مصلحة في فشل تلكم السياسات. وقد عرفناك باحثا وعاملا في برامج الصحة العامة ومكافحة الأمراض وأحد خبراء الصحة العالمية في هذا المجال ، لذلك لن يعجزك أن تستدعي تلكم الخبرات لإحداث التغيير الحقيقي ، والتركيز بصورة كبيرة على منع حدوث المرض بدلا من انتظاره والسعي لعلاجه … وأتمنى أن تسعى لتكوين لجان من بعض الأطباء والإداريين في المجال الطبي للإضطلاع بمناقشة الخطط معكم و تنفيذ الأفكار التي تحقق التطوير الحقيقي وكذلك إعطاءهم الثقة بأنهم جزءا من منظومة التطوير وهنالك العديد من الخبرات التي يمكن أن تفيد في هذا الجانب …
وفقكم الله لما فيه الخير … والله المٌستعان من قبل ومن بعد ..
magdimahmoudmohamedali@gmail.com