من شيطنة الجوار إلى مأزق الداخل: علي فوزي يُفند خطاب رشا عوض
رشا عوض وأوهام التبعية… قراءة نقدية بقلم علي فوزي
بقلم: علي فوزي الباحث في الشؤون العربية و الإفريقية
يتناول هذا المقال أطروحة وردت في مقال للكاتبة والصحفية رشا عوض، نُشر في عدد من المنصات الإعلامية السودانية، تتهم فيه الدولة المصرية بدعم التيارات الإسلاموية السودانية – وخاصة “الكيزان” – بهدف إضعاف السودان والسيطرة عليه.
ورغم أن المقال يعبّر عن هواجس حقيقية لدى بعض النخب السودانية، إلا أنه ينطوي على مقاربات اختزالية وانفعالية تفتقر إلى التوازن والموضوعية، وتُعطل إمكانية بناء شراكة إقليمية قائمة على المصالح المتبادلة بين السودان ومصر.
يسعى هذا الرد التحليلي إلى تفنيد تلك الأطروحة من خلال مقاربة تاريخية وسياسية واقتصادية، توضح تعقيدات العلاقة بين البلدين، وتُبيّن أن تحميل الخارج – وخاصة مصر – مسؤولية الانهيار الداخلي في السودان، لا يخدم إلا خطابًا سياسويًا يتهرب من مواجهة التحديات البنيوية في الدولة السودانية
- خلفية الطرح ومسألة الدوافع السياسية:
ينطلق الخطاب المذكور من فرضية مفادها أن مصر تنتهج سياسة تهدف إلى “استتباع” السودان وإبقاء نخبه الحاكمة ضعيفة وفاسدة لضمان الهيمنة. إلا أن هذه الفرضية تُبنى في الغالب على استنتاجات عاطفية لا تسندها وقائع تاريخية أو موازنات استراتيجية واقعية.
السياسة الخارجية لا تُدار على أساس الانفعالات أو التوافقات الأيديولوجية، وإنما وفق محددات المصالح القومية، والتوازنات الإقليمية والدولية. ووفق هذا المنظور، فإن مصر – كغيرها من دول الجوار – تسعى لضمان أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، وهو أمر مشروع ما دام لا يتم على حساب سيادة الآخرين أو استقرارهم.
- تحليل تاريخي: موقف مصر من الإسلامويين في السودان
خلافًا لما يروج له المقال الأصلي، لم تكن علاقة مصر بالإسلاميين السودانيين علاقة تحالف استراتيجي قط:
في التسعينات، شهدت العلاقات بين نظام البشير (الإسلاموي) والقاهرة توترًا شديدًا بعد اتهام السودان بالمشاركة في محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا (1995)، ما أدى إلى تدهور العلاقات وفرض عزلة دولية على السودان.
عقب ثورة 30 يونيو 2013، أعلنت القاهرة رسميًا رفضها للإسلام السياسي، وصنّفت جماعة الإخوان كتنظيم إرهابي. ومن غير المنطقي بعد ذلك أن تدعم فرعًا إخوانيًا في السودان وهي تحاربه داخليًا.
حتى في المراحل التي شهدت تفاهمات سياسية براغماتية بين نظامي البشير والسيسي، لم ترقَ العلاقة إلى شراكة استراتيجية، بل ظلّت محكومة بتوازنات مرحلية.
لذا فإن الزعم بوجود “تحالف طبيعي” بين القاهرة و”الكيزان” يمثل إسقاطًا سياسيًا انتقائيًا لا يستقيم مع الوقائع التاريخية.
- الزراعة والمياه: بين الواقع الاقتصادي ونظرية المؤامرة
تزعم بعض الطروحات أن مصر تسعى لإضعاف الإنتاج الزراعي في السودان لحماية حصتها من مياه النيل. إلا أن هذه المقولة تفتقر إلى الأدلة وتتناقض مع المعطيات التالية:
فشل مشروع الجزيرة يعود إلى أسباب محلية: ضعف الإدارة، الفساد، انهيار البنية التحتية، لا إلى تدخل مصري.
الاستثمارات الزراعية المصرية في السودان منذ عام 2010 فصاعدًا – خاصة في ولايات الشمالية والنيل الأبيض – تؤكد وجود رغبة في التكامل لا في الإضعاف.
مصر تسعى اليوم إلى تنويع مصادر الأمن الغذائي، وتُعد السودان شريكًا استراتيجيًا طبيعيًا في هذا الإطار، لا خصمًا يجب إفقاره.
بالتالي، فإن اختزال الأزمات التنموية السودانية في فاعل خارجي (مصر)، لا يخدم سوى التنصل من المسؤولية المحلية عن تدهور القطاعات الإنتاجية.
- إخفاقات في استدعاء التاريخ: السياق المغيّب
يرتكز المقال الأصلي على حادثة رفض سعد زغلول لمشروع الجزيرة كدليل على أطماع مصر في مياه السودان. غير أن هذا الاستدعاء التاريخي مُضلِّل لعدة أسباب:
السودان حينها لم يكن دولة مستقلة، بل كان واقعًا تحت الإدارة الثنائية المصرية-البريطانية.
الخلاف كان بين مصر وبريطانيا، لا بين مصر والسودان، وهو ما يجعل من الصعب تحميل الدولة المصرية المعاصرة تبعات سياسات إمبراطورية استعمارية.
مصر اليوم تعترف بالكامل بسيادة السودان، وتدعمه في المنابر الإقليمية والدولية، لا سيما في قضايا النزاع الحدودي والنقل النهري.
- “الكتلة التاريخية”: بين البناء الداخلي واستعداء الجوار
الدعوة لتكوين “كتلة وطنية” في السودان لمجابهة عودة الإسلاميين تمثل تطورًا سياسيًا مطلوبًا، غير أن توجيه هذه الكتلة نحو معاداة مصر بدلاً من التركيز على البناء الداخلي يُفرغها من مضمونها.
مصر كانت أولى الدول التي دعمت الحكومة المدنية الانتقالية بعد ثورة ديسمبر 2018، واستقبلت قادة قوى الحرية والتغيير، وسعت للتنسيق الدبلوماسي والاقتصادي.
الاتهامات ضد مصر تُستغل من قبل بعض الأطراف السودانية كـ”شماعة خارجية” للتغطية على الفشل السياسي الداخلي.
الواجب أن تتجه “الكتلة التاريخية” نحو مواجهة القضايا البنيوية في الدولة السودانية (الجيش، الاقتصاد، العدالة الانتقالية) بدلًا من تصدير خطاب المؤامرة ضد الخارج.
- السياسة الخارجية: من الشعارات إلى الواقعية
التحليل السياسي الرصين يقر بأن لكل دولة مصالحها، لكن السؤال الأهم: هل تمتلك السودان رؤية واضحة لمصالحه؟ وهل ينخرط بفعالية في صياغة توازنات القوى بدلاً من رفضها؟
مصر لا تخفي رغبتها في شراكة استراتيجية مع السودان في مجالات الزراعة، الكهرباء، النقل، والأمن.
غياب استراتيجية سودانية متكاملة يجعل من السودان ساحة مفتوحة لتأثيرات خارجية، لا بسبب “تآمر الجوار” بل بسبب الفراغ السيادي المحلي.
وعليه، فإن استقرار العلاقة المصرية السودانية يعتمد على نضج الفاعلين السودانيين، لا على “نوايا” القاهرة فحسب.
خاتمة: نحو وعي استراتيجي سوداني جديد
لا يمكن بناء علاقات خارجية متوازنة على أساس “الشيطنة”، بل على أساس الاعتراف بالمصالح المشتركة، والتفاوض حولها بذكاء وندية.
المطلوب اليوم:
إعادة تعريف المصالح السودانية بوضوح وجرأة.
الانفتاح على الجوار من موقع فاعل لا ضحية.
الكف عن استخدام الخطاب الانفعالي كسلاح سياسي ضد الخارج.
إنّ المعركة الحقيقية التي يخوضها السودان ليست ضد مصر أو أي طرف خارجي، بل ضد أزماته الداخلية المزمنة: عسكرة السلطة، انهيار المؤسسات، تشظي الهوية الوطنية، وتفكك الدولة.
وتلك معركة لا تُخاض بالشتائم، بل بالفكر، والتنظيم، والرؤية بعيدة المدى.
alifawzi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم