بقلم الأستاذ/ عبدالرحمن الحلو
باحث في تاريخ السودان
عنوان المقال يتعلق برواية الأديب الدكتور محمد المصطفى موسى التي صدرت مؤخراً عن دار زراف للنشر تحت مسمى (48).
قد يستغرب القاريء أنَّ الكاتب اختزل عنوان روايته في الرقم 48؛ وهو عنوان غير مطروق في الغالب لكُتَّاب القصة والرواية في محيطنا المحلي.
يبدو أن الأديب محمد المصطفى قد اختار هذا العنوان كرمزية للعام 1948م. الذي شَهِدَ نضوج الوعي السياسي لقطاع مُقَدَّر من السودانيين وبدايات الصحوة للكثير من المثقفين وخريجي المدارس. وفي مقدمتهم طلاب كلية غردون والوطنيين الذين انخرطوا في مقاومة المستعمر بأساليب متفاوتة. فقد برزت شعارات الحرية والاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية وقيام الثورة البلشفية حينها بدأت الشعوب المحتلة تنادي بتقرير المصير. وشَهِدَ السودان انعقاد جلسات الجمعية التشريعية وظهور رموز الإستقلال وفي مقدمتهم الإمام عبدالرحمن المهدي.
إذن للعنوان رمزية مستوحاة من تاريخ السودان الحديث المرتبط بالمقاومة وما أنتجته من حراك مثل مؤتمر الخريجين وظهور الأحزاب السياسية تمهيداً لمعركة الإستقلال.
لم يشأ الكاتب أن يخوض في دهاليز الصراعات الحزبية؛ ولكنه يهيئ وجداننا أنَّ المقاومة بدأَت ثمارها تلوح في الأفق. مِثَال لذلك: أنَّ أحد شخوص الرواية هوالذي رَجَّحَ التصويت في الجمعية التشريعية لصالح قرار الحكم الذاتي. ذاك هوالبُشرى؛ أكبر أولاد منصور الزيادي، ذوي الخلفية الأنصارية والمتنفذين في سوقأمدرمان.
تبرز الرواية دور الجمعية التشريعية وتسجيلها موقفاً وطنياً في طريق الإنعتاق من الإستعمار رغم معارضة بعض الأحزاب الوطنية لها. لقد اطّلعت على عنوان مماثل في استخدام الأرقام للأستاذ أحمد شاموق، عندما أراد أن يضعنا في أجواء الحوارات السياسية والمداولات البرلمانية عشية الإستقلال التي أدَّت إلى اتخاذ القرار التاريخي حيث كان عنوان كتابه: (ديسمبر 55). وبالتالي يكون اختيار المؤلف لرقم محدد قصد منه رمزية لتاريخ تدور حوله أحداث روايته.
معالم 1948م تجلت في حراك سوق أمدرمان، ومقاومة التجار الوطنيين مسنودين بالعمال من قاع المدينة لمكائد منافسيهم الأجانب. وتشجيع الفريق الوطني في مباريات كرة القدم، وندوات الخريجين ومسامرات قهوة يوسف الفكي ونشاط مثقفي اليسار وسط العمال.
سوق أمدرمان:
الدكتور محمد المصطفى صنع من سوق العيش ضميرا للأمة السودانية، ومرآة تنعكس منها المقاومة للنفوذ الأجنبي المتمثل في مقاومة التجار الوطنيين لاستغلال الأجانب للموارد الإقتصادية.
أولاد منصور الزيادي بخلفيتهم الأنصارية وأخوهم المثقف اليساري عوضالكريم يمثلون ذلك النبض، ومن خلفهم قاع المدينة من الحَمَّالين وأصحابعربات (الكارو) والنساء المُستضعفات من اللائي يكتسبن رزقهن من الأعمالالهامشية.
الرؤية بالنسبة لهم واضحة كما يؤكد الكاتب وهي الكفاح من أجل أهداف مشروعة بالتصدي لمكايدات المستعمر وأعوانه من التجار الأجانب.
الإعتراف من جانب (همفري) مفتش مركز أمدرمان أنَّ ما يحدث في السوق ليس تنافساً تجارياً؛ بل صراع سلطات موازية، منبهاً لخطورة ذلك ونتائجه. يثبت حقيقة المقاومة للنفوذ الأجنبي. لتخرج من إطار المنافسة في إطار النشاط الإقتصاديللصراع السياسي.
إطلالة مكتب مفتش المركز همفري على سوق أمدرمان الكبير، مَكَّنه من معرفة مجتمع السوق كمسرح لحركة المواطنين والأجانب، العاملين في النشاط التجاري. الإدارة البريطانية تمسك بخيوط اللعب في سوق أمدرمان، ولا تسمح بتجاوز الجاليات بما فيهم اليهود.
لقد أضحت مشاكل سوق أمدرمان تُحاصر الحاكم همفري، وتسبب له هاجساً ينغص عليه نومه.
ماتريد وسيد الرجال يمثلون الحس الوطني المتحدي للأجانب ومن خلفهم الكادحين والنساء الشعبيات. لا يخفى سعي الكاتب لتتويج ماتريد لبطولة روايته؛عندما نقرأ النص:
“ صارت في وعي العامة أسطورة، تعيد تشكيل ولاءات العتالين والعربجية…”.
المال اليهودي يدخل في معادلات السوق، حين استغل اليهودي رافائيل الشيخ الرفاعي تاجر العيش. الحكاية تُبَيِّن كيف استغل اليهودي طيبة السودانيين المستمدة من قيم الصوفية بأساليب الإحتيال ليضع لنفسه مكاناً مرموقاً،وليصنع للجالية اليهودية إسماً في سوق أمدرمان، ويتبرع لتهجير أسر يهودية لأرض الميعاد. ويشتري أرضاً لإقامة نادي للجالية اليهودية في الخرطوم.
الناجون من المحرقة من اليهود يريدون أن يصعدوا على أجساد ومعاناة الآخرين.. رافائيل اليهودي يستولي على مخازن الرفاعي بالمكايدات والإحتيال،ويستورد معاصر السمسم الحديثة لمنافسة التجار الوطنيين الذين يعتمدون على المعاصر التقليدية.
يصوِّر المؤلف الرفض والإحتجاج في صهيل خيول الكارو أمام عربات الأوستن. ومغامرة الحَمَّال إدريس بيلو عندما يلقي بجسده أمام عربات الأوستن. وبنتالكمندقو تذر ذرات السمسم في الهواء أمام الماكينات. وزينب العرجاء تضرب بعكازتها على الأرض بقوة تعبيراً عن الإحتجاج.
ينقلنا الكاتب لمشاهد متنوعة منها سوح الرياضة للتعبير عن حراك الوطنيين ضد الإحتلال. قاع المدينة من حمالين وعربجية بتفاعلهم مع حراك المجتمع الرياضي يشجعون فريق الموردة الوطني ضد فريق إستاك المدعوم من الجاليات الأجنبية نكاية في المستعمر. وبالتالي عكست المنافسات الرياضية الصراع الخفي بينالوطنيين وأعوان الإستعمار.
البطولة:
الكاتب يركز على شخصيات عديدة في الرواية ليجسد منهم شخصية البطل، مثل الدكتور عوض الكريم خريج مدرسة كتشنر الطبية أحد أولاد منصور الزيادي. وماتريد صاحبة (الأنداية) والحَمَّال سيد الرجال يمثلون نماذج مصغرة للمجتمع السوداني ممثلاً في مثقفيه وتجاره وعماله ونسائه من قاع المدينة مقابل شخصيات تتمثل فيها صورة الإستغلال والإحتيال والغطرسة الإستعمارية من البريطانيين وجاليات أوربية عاملة في مجال التجارة.
بتركيزه على شخصية الطبيب الشيوعي عوض الكريم ربَّما يرسخ في ذهننا إنطباع أنَّ اليسار السوداني هو الذي يحتكر الثقافة ويقود المعارضة؛ لكن المؤلف في نفس الوقت ينسب عوض الكريم لأسرة أنصارية يستمد منها جذور أسلافه في مقاومتهم للمستعمر. و يستمد عوض الكريم شعبيته من الوطنيين من تجار سوق أمدرمان والعمالة المرتبطة بالسوق من رجال ونساء ومن الطلاب كذلك.
لا أعتقد أنَّ الكاتب يرمي لتقليد اليسار السوداني قلادة شرف من باب التعاطف معهم، أو إثبات دورهم في النضال ضد المستعمر. بل علينا أن نفهم هذا الدور في سياقه التاريخي، مستحضرين الزمان والمكان. فقد انتشرت شعارات التحرر من الإستعمار وكفاح الطبقة العاملة بعد الثورة البلشفية في روسيا وسط الطلاب والمثقفين السودانيين إضافة للعمال في أربعينيات القرن الماضي. خاصةً وسط طلاب المدارس الثانوية القليلة في ذلك الزمان والتي لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. كما انتشرت وسط العمال خاصة عمال السكة حديد. وبالتالي يحتاج الكاتب لرمز يساري يخاطب قاع المدينة في سوق أمدرمان مثل الحمالين والعربجية وبائعات الكسرة من النساء وغيرهم من الكادحين. لذلك جاء دور عوض الكريم ولا بد للكاتب من أن يربطه بخلفية أنصارية يحتاج لها لتمده بإرث جهادي ثوري مُسْتَمَد من معارك المهدية ضد خصومها. فهو يستمد قوته من أسرته الأنصارية، أسرة منصور الزيادي. وتظل قبة الإمام المهدي حاضرة يستلهم منها شموخه.
الوصف واللغة:
الأديب محمد المصطفى يسيطر على ناصية اللغة في وصفه البارع لتفاصيل المكان والزمان والطقس. وشخوص الرواية، عندما يقدمهم لنا لأول مرة؛ بكل ملامحهم وأزيائهم، صور حيَّة تتحرك أمامنا يذكرنا بالروائي الإنجليزي (تشارلس ديكنز).
شخصية مستر همفري يقدمها لنا لأول مرة في مقر لجنة الإختيار في العاصمة البريطانية. كذلك رئيس لجنة الإختيار ورصد تعابير وجهه ومظهره.
لقد برع الكاتب في وصف شخصيات الرواية وتجسيدهم وتفاصيل أزيائهم للقاريء لتبدو شخوص الرواية حية ومتحركة ومتفاعلة مع الحدث.
تتجلى براعة اللغة عند وصفه لصالة غردون للموسيقى:
“ انكفأت مصابيح الحديقة على فيوض الضوء الذهبي. تسلل النور منها كنسائمصيفٍ أندت بمقدمها الأرصفة والممرات”.
وفي موقف آخر يصف المثقف السوداني:
“ هو لم يتحدث، لكنه راقب الأشياء بعينٍ ذَوَّاقة تنقب عن معاني الأدب و تستعذب نفائسه”. كان يمكن أن يستخدم “عين بصيرة” بدل “عين تتذوق”. لكن الكاتب يعطي نفسه مساحة من الحرية حتى لا تقيده مفردات اللغة بقيودها الصارمة. ونلاحظ ذلك في تطويعه لكثيرٍ من الأفعال ليشتق منها مفردات خاصة به دون اكتراث لضوابط علماء اللغة طالما أنها تؤدي المعنى. وكنت أتمنى أن يتجاوز الكاتب المصطلحات المحلية لبعض المهن واستبدالها بمفردات فصحية مثل استخدام (حَمَّال) بدل (عتالي) طالما أن رواياته خرجت من المحلية للعالمية.
الإثارة والتشويق:
أثار المؤلف عنصر التشويق لدى القاريء عندما اكتشف الإغريقي ديمتريوس القادم من سالونيك اليونانية أن ماتريد صاحبة الإنداية هي ابنته التي تركها في مريدي مع والدتها ليتزوج من الجالية اليونانية في الخرطوم كما ذكر في خطابه لصديقه الإغريقي. لم يمض الكاتب للنهاية التي ينتظرها القاريء بعد أن أثار فضوله واكتفى برسالة فحواها أن التاجر الإغريقي لم يهتم بالجانب الإنساني والأخلاقي عندما تخلى عن ابنته بسبب أن أمها سودانية..
القاريء بعد هذه الإثارة يتوقع أن يتم اللقاء بين الأب وبنته، ليكتشف المزيد من المفاجآت. كما أنَّ معالم شخصية ماتريد ظَلَّت هلامية تظهر وتختفي كالشبح. رغم أن الكاتب خَطَّ لها طريق المقاومة. كأن الكاتب يريد أن يذكرنا أن مجتمع الإنداية كان جزءاً أصيلاً من شرائح المجتمع السوداني وقتها، وله دوره الإيجابي كبقية فئات المجتمع.
الجاليات:
ملاحظة أن شخصيات الرواية من الجاليات الأجنبية يشكلون حضوراً بل هم الأكثر تفاعلاً وحركة في مسرح الأحداث. خاصةً العنصر النسائي من أمثال: إيديل و ماريانا و لينا مناحيم. هل للفوارق الثقافية بين فئات المجتمع دور هنا ؟ أم لأنهم يمثلون الحاضنة السياسية والثقافية والإقتصادية للمحتل ؟
الجاليات الأجنبية جاءت بثقافتها للسودان فهم يرتادون صالات القمار والبارات وقاعات الموسيقى والرقص وأنديتهم الخاصة.
يبرز الكاتب مشهد الجالية الأوربية بما فيهم البريطانيين المتنفذين في صالة غردون للموسيقى وهم يحتسون الخمر ويطلقون النكات والثرثرة تغلب عليها لغة المصالح والمكايد من جانب التجار الأوربيين بما فيهم الآرمن والإغريق واليهود، وهم يمثلون الوجه الآخر من مجتمع المدينة. (رجال ونساء) في منتهى الأناقة وحسن الهندام، يرقصون على أنغام البيانو ويمارسون رياضة التنس والرماية وقد جلبوا معهم حضارتهم وثقافتهم من وراء البحار. وهنا حشد الكاتب أسماءاً كثيرة للأجانب ووصف أزيائهم المتعددة.
في ختام الرواية اصطحب الكاتب شخوصاً من الجاليات الأجنبية ليضفي عليهم لمحة إنسانية تخرجهم من إطار المحلية الضيق والإستعلاء العرقي والغطرسة الإستعمارية، ذلك عندما أطلعنا على مشهد عوض الكريم وماريانا وهما يقيمان شراكة لخدمة الناس. وتم الإفتتاح بحضور قاع المدينة، وهي رسالة من الكاتب فحواها أنَّ هناك أفراد من الأجانب يحملون وفاءاً للسودانيين وغير متماهين مع منهج المستعمر السائد وسط سلوك جالياتهم في تعاملهم مع السودانيين.
وأخيراً لا بد من الإعتراف أن كاتب هذه السطور لا علاقة له بالنقد الأدبي وفنونه رغم تذوقه للأدب. كما يلاحظ من تناوله الذي يغلب عليه اهتمامه بالتاريخ وربط أحداث الرواية بتلك المرحلة من تاريخ السودان الحديث.
abdelrahmanalhilo8@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم