mabdallah197565@yahoo.com
محمد عبدالله الكامل
قرأت رواية 48 التي صدرت حديثاً للقاص محمد المصطفى موسى . ولكن اعادة قراءتها للمرة الثانية فتحت لي زاوية نظر مختلفة عما كُتب.
قد يبدو غريبًا أن تُقرأ رواية تدور أحداثها في أربعينات القرن الماضي كأنها كُتبتعلى مقاس حاضر السودان بعد الحرب. و اللافت في رواية “48” أنها تُعاملالتاريخ بوصفه ماضيًا لم تنته صلاحيته بعد .المتأمل فيها يجد أنها تستخدم التاريخ بوصفه بنية عميقة تُعيد إنتاج نفسها كلما تعثرت السلطة المركزية وتقدم سلاح النفوذ و الهيمنة الذي اتخذ مركزه في (سوق العيش ) بالرواية. و بالتالي تهيئ الرواية مسرحاً مبكراً لنار مشتعلة حوله من صراعات الهويات المحلية و الأجنبية .
أنا أعتقد بأن السؤال الحقيقي ليس: هل تنبأت الرواية بالحرب؟ .فالرواية كشفت ما هو أهم من هذا السؤال المرسل .و ذلك بأنها كشفت شروطها بمنتهى الذكاء . وهنا تكمن قوة “48”،فهي لا تتنبأ بالحدث، لكنها تستقرئ منطق وقوعه.
انظر إلى هذه الافتتاحية التي ظهرت في مشهد المعاينة لاختيار الشاب البريطاني (همفري) لمنصب الإداري بمستعمرة السودان . وظف الكاتب المشهد بجدارة لتوصيف حالة الهشاشة التي تعيشها المجتمعات المحلية إلى تاريخ اليوم في السودان. هل اعطانا الكاتب مؤشرات الانفجار الحالي بلغة صادمة جداً منذ البداية ؟ في رأيي نعم ..
قال اللورد اكسيلي رئيس لجنة الاختيار للخدمة في مستعمرة السودان للشاب همفري ، الذي سيصبح مفتشا لمركز أمدرمان لاحقاً :
” تذكر شيئاً واحداً مهماً..
لن يفلح إداري قط في عمله بالسودان إن استخف بجمره الحراق. ليس الأمر كماتظن. ستدير هناك قوماً قلوبهم شتى مختلفات. تسيدناهم بصنع الحداد الذيهو منهم فألفيناهم غارقين في إعادة إنتاج أزماتهم. يأمنون مفتش المركزوالمأمور أكثر مما يأمنون بعضهم بعضاً. يجتمعون حول الأكاذيب والأوهامويتفرقون حول الحقيقة والوطن. أنصت إليهم بنصف قلب فهم أهل حسدووشاية. ولتكن إدارياً عليهم بكامل عقلك فهم شعوب غريبة لست أرتاب أن بهمجميعاً مسّاً من جنة” ..
و تفتح الرواية اسئلة مهمة عن فراغ السلطة في المجتمعات المحلية الممزقة .و ما إذا كانت هذه الفراغات قد أُخترقت بالتدخلات و الهيمنة من وقت بعيد . جر البطل المضاد في الرواية -رافائيل البعلبكي- عشيرته من يهود السودان و النادي اليهودي بالخرطوم إلى قلب الحدث في صراعات سوق العيش .وهنا يوضح الكاتب حقيقة فراغ السلطة داخل السوق ، فهل كان يقصد السودان بهذه الرمزية ؟
انظر هذا الوصف لاقتحام البعلبكي سوق العيش للمرة الأولى :
“اندس بين مئات السابلة. عيناه استكشفتا سوق العيش بدربة. أشغفت فؤادهالمغامرة. دقاته المتتابعة لم تثنه. تصميمه على إيجاد موطئ قدم جديد هنا، لميعد عنده أمراً يحتمل التشكك. إنه لا يعرف سوق العيش، ولكنه اشتم فيه رائحةالبنكنوت وفراغ السلطة” .
وحتى شخصية اليهودي رافائيل بكل مخططاته التي تقلب السوق رأساً على عقب ، تفتح باباً كبيراً لقراءة مختلفة.هل هي رمزية لحزب و جماعة سياسية متلونة حربائية ترفض الترجل من مناطق النفوذ ؟ تجدد جلدها و تتحور بحسب متطلبات المرحلة لتفجير صراعات جديدة ؟
انظر ما قاله البعلبكي في الفصل 26 من الرواية :
” وأنا من جانبي لم أكن يوماً من هواة النهايات النبيلة..
إنني أحب النهايات التي أخطها بقلمي وحيداً في سفر الانتصار..
ولذا لن أرحل.
ولن أرفع الراية.
ثمة قفاز طُرح في التراب، وآن لي أن ألتقطه.
دعهم يعتقدون أنهم رموني بالعار.. سأرفع قضية رداً عليهم، وأجعل من المحاكمبابًا جديدًا للسلطة.
أنا لا أعترف بالخسارة.
ولا أحبذ الهروب إلى القدس، لأن في الهجرة ما يُشبه الانكسار. وأنا لم أنكسر بعد.
سأتشبّث بما رأيته في عيني صديقي ديفيد يعقوب، في ليلة القاعة.
هو لم يتكلم. لكن نظراته قالت:
“رافائيل..
عدّل الطربوش.. انهض.. وقاتل بضراوة “..
سأتبع ما همس لي به جيمي بذات الليلة:
“أحفر حول البئر.. وليس داخلها”..
وسأفعل..
ولكن على طريقتي! ” ..
رافائيل قرأ حالة الهشاشة التي يعيشها سودان اليوم منذ الأربعينات جيداً. عبر عن ذلك الكاتب من خلال حوارات قاعة غردون للموسيقى في الخرطوم المخملية.و شارك في تلك الحوارات ديمتريوس الإغريقي ، نيكولا الأرمني و صاحب القاعة اليهودي جيمي اسينفلد .
انظر إلى هذا الحوار المدار بحنكة كبيرة للتعبير عن هذه الحالة باستخدام التاريخ:
” هزّ البعلبكي رأسه، كأنما يستدعي تاريخًا مكتومًا:
ـ طيفور ينظر لأولاد منصور كأعداء لهم منذ أيام المهدية. أبوه كان من رجالغردون وأبرز تجار الخرطوم في زمنه. بايع المهدي مُجبراً وهو يحن لأيام عزه فيالتركية. خرج مع جيش الزاكي طمل لغزو الحبشة مُرائياً، ولكنه هرب إلى مصرحيث وجد ابن عمه التوم والد منوفلي قد سبقه إلى هناك. جاءا سوياً مع الفتحالإنجليزي كجنديين بفرقة العربان الصديقة التي أشرف على تكوينها ضابطالمخابرات البريطاني ونجت..
قاطعه ديمتريوس، فتمتم بامتعاض:
-هذا تاريخ معقد يا رافي.. ما هي الخلاصة؟
توهجت عينا رافائيل وهو يرتشف من زجاجة البيرة قبالته:
-طيفور قد لا يقبل بأن يضع يده في يد أولاد منصور،
ولكنه الأقرب لتغليب مصلحته على العداءات القديمة..
فلنبقِ على تلك النار بينهما مشتعلة ما استطعنا”..
ولم تجب الرواية عن السؤال الذي طرحته : من هو المستفيد الأكبر من اشتعال هذه النار ؟ ولكن سياق السرد يفتح احتمالات عديدة يراها كل شخص من زاويته. وتكشف الرواية كذلك أن القرارات المصيرية لا تُصنع دائمًا في العلن كما هو الحال في حرب السودان الحالية ، بل في “غرف” مغلقة. مشهد قاعة غردون، بكلما فيه من ترفٍ بارد ولوحات جنرالات ورموز إمبراطورية، ليس مجرد ديكورتاريخي .لعله صورة مبكرة لما يمكن تسميته “العقل الخفي” الذي يخططللمدينة من وراء الستار. حين يتحدث ديمتريوس ورافائيل ونيكولا عن الماكيناتوالتصاريح وعمال الميناء، ثم يختصر أحدهم الخطة في عبارة: “تبقى لنا أن نغلق بابهم فقط”، ندرك أن اللعبة ليست منافسةً شريفة، بل إقصاء ممنهج. هذاالمنطق هو نفسه ما تُظهره الحرب الحديثة: السيطرة ليست بناء نظام، بل كسرالخصم وتجفيف موارده حتى ينهار.
ما يميز رواية «48» عن كثير من الأعمال التي تشتغل على التاريخ، أن انحيازها لأسفل مراقي المجتمع أكبر من تبنيها لسرديات السلطة و أبطالها الرسميين.سوقالعيش هو فضاء سردي يكشف تاريخاً موازياً، تاريخ العتالين والعربجية والنساء الشعبيات. أولئك الذين ظلوا دائماً خارج المتن الرسمي للتاريخ، رغم أنهم وقودهالحقيقي.
في هذا السياق، يصبح تحالف ماتريد مع العتالين والعربجية فعلاً سياسياًلمجتمع مأزوم. ماتريد لا تُطرح كقائدة أيديولوجية أو صاحبة انداية محدودة الأثر. تقدمها الرواية كزعيمة ميدانية تفهم منطق السوق بإنسانياته قبل لغة المال و النفوذ المسيطرة عليه. و تتم عملية أسطرة عالية المستوى لدورها وسط العتالين و العربجية ونساء السوق لمصلحة فكرة المقاومة .انظر إلى تفاصيل غيابها الفارقة في اليوم الذي سيطر فيه البعلبكي و من معه من أعضاء النادي اليهودي على اقتصاد سوق العيش:
” كانت ماتريد قد اعتكفت في القماير منذ أيام ثلاثة.
دخلت في طقس زاندي من العزلة قديم. سبع شعل من لهب، ابتهالات عندمحراب الإله مبوري، ورقص منفرد في زي جلد النمر عند غرف مغلقة حتى اكتمالالهلال.
غيابها أطفأ لهيب السوق الذي يحرق بجمره كل قدم غريبة.
أحست بوطأته زينب العرجاء ، فأقسمت لنفسها:
“لو كانت ماتريد هنا، فإن ملامسة قدمها لتراب السوق ستكون كافية لإخراسهدير المحركات، ولربما أُطفأت بها انتشاءات الوجوه البيض قبل أن تولد”.
انظر ايضاً لسلطتها الشعبية التي عبرت عنها احدى مشاهد الرواية:
“ماتريد..
أقبلت بقوامها الممشوق وجسدها المهيب. صندلها مكلل بحبات غبار أملس. يرتفع فوقه ساقان ممتلئان بغواية ألجمها إزار ثوبها الأبيض.
على طرف السوق استبانت طلعتها، فمالت نحوها الريح بشيء من حذر. لاطفتوجهها ” السادة” نسائم من فوح هواء رطب. اجتنبت قسماته الحلوة أتربةالمكان، تحامته وكأنها تخشاه، تهابه أو تخشع في حضرته باستحياء.
طرف ثوبها العلوي تراجع نحو منتصف الرأس. تدلى مائلاً شعرها ” الممشوط”.. بخرزات ” السُكْسُك” وكأنه ذيل مهرة جموحة. تقاطيعها تراءت كنحت كوشيقديم انتقش على صخرة بمعبد البركل. طلسمه العنيد لا يبوح بسرٍ لغازٍ متطفلدون أن يذيبه في مزيجه المقدس.
فيها ملمح من أبيها الأبيض يستبين في عظمة الجبهة واستواء الأنف. ورثت منأخوالها ” الزانديين” نعومة الذقن وإمتلاء الشفتين وسمرة ناعمة أجلتها بأعينالسابلة شمس السوق “.
أما أولاد منصور، فيأتون بوصفهم نموذجاً آخر للقوة المحلية، قوة لا تُرسمبالأسود أو الأبيض. حضورهم يذكّر بأن الصراع في «48» ليس بين فاسدينومصلحين، بل بين قوى اجتماعية تتصارع داخل فراغ السلطة، كلٌّ وفق أدواتهومحدوديته.
بهذا المعنى، تنتصر الرواية للعتالين والعربجية متجاوزة النظر اليهم كضحايا فقط.السرد الروائي هنا يرتقي بهم إلى مستوى الفاعلين التاريخيين. وهذا الانتصارالسردي للهامش يكتسب اليوم بعداً إضافياً في ظل حرب السودان، حيث تكررتالصورة ذاتها:
انسحاب الدولة، تفكك المركز، وصعود أشكال بديلة من التنظيم الاجتماعيلحماية الحياة اليومية.
إن «48» لا تبرّئ الهامش، ولا تُجمّله، لكنها تمنحه حق الوجود في السرد، وهوحق حُرم منه طويلاً. ومن هنا، فإن قراءة الرواية اليوم تُعيد طرح سؤال ملحّ:منيملك حق سرد التاريخ؟ ومن يُقصى منه عمداً؟
في النهاية، لا تبدو رواية «48» عملاً تنبؤياً بالمعنى الساذج للكلمة.و من المنطقي قراءتها كعمل شديد الوعي ببنية الانفجار. لقد كتبت عن هشاشة السلطة، وعنالأسواق كمسارح خفية للصراع، وعن التحالفات التي تُنسج بعيداً عن الضوء، وعنالمجتمع المقهور الذي يُدفع دائماً إلى قلب النار دون أن يُسأل.
ولهذا، حين نقرأها اليوم على ضوء حرب السودان، لا نشعر أنها سبقت الزمن، بلنشعر أن الزمن عاد ليثبت صحة أسئلتها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم