ريح الحرب تصرصر على الباب “2” .. بقلم: عادل الباز

في المقال السابق أشرنا للأبواب التي تصرصر على جدارها ريح الحرب، وتأملنا النخب النائمة داخلها تتدفى بأحلامها. اليوم نقرع الطبل للنائمين على مخادع نيفاشا. الحرب لاتمنعها الاتفاقيات ونصوصها الرائعة، فأديس أبابا أعقبتها حرب أشد دمارا وأطول زمانا. فإذا لم تتحلَّ القوى السياسية بالمسئولية ستواجه البلاد حرب نهائية في ما كان يسمى السودان القديم، ولن ينهض على أنقاضه سودان جديد بل هباء منثور.

 منذ سبتمبر من العام الماضي عرف القاصي والداني أن سباقا للتسلح بين الشمال والجنوب في السودان يتسارع بشكل ملحوظ. أُعلن ذلك عندما اختطف القراصنة الصوماليون سفينة أوكرانية كانت متجهة إلى جنوب السودان وعليها 33 دبابة وأسلحة ثقيلة من قاذفات الصواريخ وبطاريات مضادة للطيران و14 ألف قطعة ذخيرة تبيّن أن هذه هي شحنة الأسلحة الثالثة المتجهة إلى جنوب السودان، وعرف العالم أيضا أن الجنوب يتسلح من أوكرانيا، والشمال من الصين وكوريا الشمالية وروسيا. ثم تدفقت معلومات مذهلة عن حجم السلاح الذي دخل البلاد بطرق شرعية وغير شرعية، ولم يقتصر السلاح على شريكي الحكم بل تعداهما للحركات المسلحة ومليشيات القبائل. التقارير التي لايمكن نشرها هنا متوفرة على النت وهي تقارير مرعبة. ولكن دعك الآن من حجم ونوعية السلاح الذي امتلأت وفاضت به مخازن الفرقاء، انظر للتصريحات التي أُطلقت خلال شهر يونيو فقط. هذه التصريحات تدل على اتجاه الريح. الى أين نحن مساقون؟.

 

فى مناسبة الذكرى السادسة والعشرين لاندلاع الحرب في الجنوب، والتي احتفلت بها الحركة فى جوبا!! قال القائد سلفا: (اتفاقية السلام الشامل التي توصلنا إليها كنتيجة لتضحياتنا الضخمة مهددة بصورة خطيرة من قبل أعداء السلام وخارج أراضينا). في شهر يونيو”. من قبل قوى خارجية وداخلية (دون أن يسميها). حذر سلفا كير نائب الرئيس السوداني وقائد الحركة الشعبية لتحرير السودان والنائب الأول (من أن القوات المسلحة التابعة للحركة يعاد تنظيمها حاليا استعدادا للدفاع عن نفسها في حال نشوب الحرب مجددا بين الشمال والجنوب)، وقال كير “إنه لن يكون البادئ بجر البلاد الى الحرب لكن إذا فُرضت على الجنوبيين سيكونون متأهبين”. هذا هو إذن حديث النائب الأول لجمهورية السودان يحذر دولته من الحرب، ويعلن أنه يستعد لخوض حرب ضدها إذا فرضت عليه!!.

 

من المؤكد أن القائد سلفا كير إنما يخرج هواءً ساخنا من صدره، ويعلن عن ضيق نهائي بما سُمي في تاريخ السودان باتفاقية نيفاشا، وهذا التصريح الذي يعلن بدء الاستعدادات للحرب ليس معزولا عن تصريحات أخرى ظلت تصدر شمالا وجنوبا. السيد باقان أموم الأكثر استخداما للتهديد بعودة الحرب اتهم الحكومة أخيرا بتسليح القبائل لاستخدام العنف قبل التصويت للاستفتاء2011م، موكدا أن الحكومة (اغتالت اتفاقية السلام).

 

فى الشمال بعثت الحكومة بالرد إذ جاء في الأنباء (احتفلت إدارة تنسيق الدفاع الشعبي بولاية الخرطوم أمس بساحة فرع الرياضة العسكرية بتخريج مجاهدي معسكرات) وقال منسق الدفاع الشعبي: (إن الجهاد ماضٍ فينا الى يوم القيامة)، ومن جهته ثمّن الفريق أول ركن مهندس محمد عبدالقادر رئيس الأركان المشتركة الدور الذي تضطلع به قوات الدفاع الشعبي جنبا الى جنب مع القوات المسلحة في حماية الوطن وتأمين السلام، مشيرا الى دورها في أزمنة الحرب والسلم، مؤكدا بأن الدفاع الشعبي جزء أصيل من القوات المسلحة).

 

الذين عاشوا أجواء الحرب في نهاية ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي يعرفون شعاراتها، والدلالات العميقة لاستنهاض الدفاع الشعبي في مثل هذه الأوقات. فالاحتفاء بالدفاع الشعبي واستعادة شعارات تلك الحقبة إشارة دالة على الطرق التي نسلكها والمنعطفات الخطرة التي نعبرها، فالبلاد كما هو واضح دخلت في حالة استنفار عام شمالا وجنوبا لا استعدادا للانتخابات وتعبئة للجماهير لحسم قضايا الوطن من خلال صندوق الاقتراع بل لتحتكم البلاد لصندوق الذخيرة، وكأن تجربة نصف قرن من الحرب لم يتعلم منها أحد شيئا!!.

 

للأسف الآباء المؤسسون للاستقلال فشلوا في إرساء دعائمه وأورثوا جيل ما بعد الاستقلال الحرب والخيبة. اولئك نقلوا ورثتهم كما هي لا بل أشد وبالا للجيل الثالث. هذا الجيل الذي عاصر الحرب وخاضها في مرحلة لاحقة ورأى بأُم عينه الدمار الذي سببته للبلاد. لم يتعلم شيئا وهاهو يسعى بجد للعودة إلى الحرب مرة أخرى ليورثها لجيل آخر. المحزن أن (التركة) هذه المرة أكثر هولا، فالجيلان السابقان تصارعا داخل حدود وخارطة وطن معلوم، أما الورثة الجدد (الجيل) الحالي الذي ينفخ في النار شمالا وجنوبا سوف لن يجدوا وطنا يتصارعون داخل حدوده بل لن يجدوا ميلا واحدا ميلا بلا قبائل متقاتلة وسيعود السودان القهقرى الى القرن الخامس عشر وما أدراك ما القرن الخامس عشر في تاريخ السودان!! .

 نواصل  

عن عادل الباز

شاهد أيضاً

مؤتمر الحركة الإسلامية…جدل الحزب والحركة.(2 ) .. بقلم: عادل الباز

اترك تعليقاً