زهير عثمان
الطيب صالح.. حين كتب الإنسان السوداني فخلد في الأدب
يا زول، لو دايرين نحكي عن عمنا وزولنا الراحل المقيم بيننا والكبير الطيب صالح، وعن الرجل الذي جعل اسم السودان يلمع في خريطة الأدب العالمي، فلازم نعرف إنو الحكاية ما مجرد زول قعد وكتب روايات وانتهى الأمر. لا والله!
الحكاية أكبر من كده بكثير
الحكاية حكاية كاتب دخل إلى قلب الإنسان السوداني، وعاش تفاصيله، وسمع صوته، وشم رائحة ترابه، وعرف أفراحه وأحزانه، ثم أخذ كل ذلك وحوّله إلى أدب تجاوز القرية والنيل والسودان، ووصل إلى الإنسان في كل مكان
ولذلك، فإن الحديث عن الطيب صالح لا ينبغي أن يبدأ من عدد رواياته، ولا من الجوائز التي حصل عليها، ولا حتى من الشهرة العالمية التي حققتها أعماله. كل ذلك مهم، لكنه ليس سر الخلود.
سر الطيب صالح الحقيقي أنه أحب الإنسان الذي كتب عنه.
زول كتب من جوه.. ما من بره
الطيب صالح لم يكتب عن السودان كغريب يقف على الضفة الأخرى من النهر ويتأمل الناس من بعيد
كتب من الداخل
كان يعرف القرية لا باعتبارها خلفية جغرافية للرواية، وإنما باعتبارها مجتمعاً كاملاً، له قوانينه وأخلاقه وذاكرته وأسراره وأحلامه وصراعاته
في عالمه الروائي، لا تجد القرية مجرد بيوت ونخيل ونهر. تجد بشراً
تجد ود الريس، ومحجوباً، وحليمة، ومصطفى سعيد، والزين، وحسنة بنت محمود، وغيرهم من الشخصيات التي لا تنتهي حياتها بانتهاء الصفحة الأخيرة من الرواية
وهنا تكمن عبقرية الطيب صالح
إنه لم يتعامل مع الشخصية باعتبارها قطعة من الورق تحركها يد الكاتب، وإنما جعل لها وجوداً مستقلاً، وجعلنا نحن القراء نختلف معها ونحبها ونغضب منها ونشفق عليها ونخاف منها أحياناً.
ولهذا، حين نقرأ الطيب صالح، نشعر أحياناً أننا لا نقرأ شخصيات روائية، وإنما نلتقي بأشخاص نعرفهم
وقد تكون هذه أعظم شهادة يمكن أن يحصل عليها روائي
الطيب صالح لم يكتب القرية.. كتب الإنسان
قد يبدو للوهلة الأولى أن الطيب صالح كتب عن قرية سودانية، وعن النيل، وعن مجتمع ريفي له خصوصيته
لكن هذه قراءة سطحية
هو استخدم القرية السودانية لكي يذهب إلى ما هو أبعد منها
استخدمها لاكتشاف الإنسان
وهذا هو الفارق بين الكاتب الذي يسجل المكان والكاتب الذي يصنع أدباً خالداً
فالكاتب يستطيع أن يصف الشجرة والنهر والبيت والسوق والملابس والعادات، ثم يموت كل ذلك مع الزمن إذا لم يكن وراءه سؤال إنساني
أما الطيب صالح فقد جعل وراء كل ذلك سؤالاً
ما معنى أن يكون الإنسان حراً؟
ما معنى أن يحب؟
ما الذي تفعله السلطة والتقاليد بالرغبات الإنسانية؟
كيف يتصارع الماضي مع الحاضر؟
كيف يعيش الإنسان بين ما ورثه وما يريد أن يصبح عليه؟
وأين تقف الحرية الفردية أمام المجتمع؟
هذه الأسئلة لا تخص قرية سودانية وحدها
إنها أسئلة الإنسان
ولهذا خرج الطيب صالح من السودان دون أن يغادر السودان
الواقعية التي فيها دم وروح
هناك فهم بسيط للواقعية يقول إن الكاتب الواقعي هو الذي يصف الأشياء كما يراها
لكن الطيب صالح ذهب أبعد من ذلك , لم يكن مصوراً فوتوغرافياً للواقع
كان يعيد اكتشاف الواقع
كان ينظر إلى الإنسان العادي، ثم يسأل- ماذا يوجد خلف هذا الوجه؟ ماذا يخفي هذا الصمت؟ ماذا تقول هذه الضحكة؟ ماذا وراء هذه القسوة؟ وما الذي صنع هذا الخوف؟
ولهذا جاءت واقعيته حية , واقعية فيها دم وروح , في عرس الزين مثلاً، لا تصبح القرية مجرد مسرح للأحداث، وإنما تتحول إلى مجتمع كامل، يتحرك ويتكلم ويحكم على أفراده ويحبهم ويعاقبهم ويتدخل في حياتهم
وفي «موسم الهجرة إلى الشمال»، لا يصبح مصطفى سعيد مجرد شخصية روائية غريبة عادت إلى السودان، وإنما يتحول إلى سؤال مفتوح عن العلاقة بين الشرق والغرب، والاستعمار، والهوية، والرغبة، والسلطة، والجسد، والاغتراب.
وهنا بالضبط يظهر الفرق بين الرواية التي تحكي قصة والرواية التي , تخلق أسئلة تبقى بعد القصة
لماذا بقيت شخصياته حية؟
لأن الطيب صالح لم يكتب شخصيات كاملة.
وهذه مفارقة مهمة
الشخصية الكاملة أكثر قرباً من التمثال، أما الإنسان الحقيقي فهو ناقص ومتناقض , في الإنسان شجاعة وخوف , حب وكراهية , كرم وأنانية, حكمة وطيش
رغبة في الحرية وخضوع للتقاليد , ولهذا جاءت شخصيات الطيب صالح إنسانية
لا يوجد عنده ذلك الفصل السهل بين الخير والشر الذي نجده في الكتابة الضعيفة
الشخصية قد تكون محبوبة ومقلقة في الوقت نفسه , قد نضحك منها ثم نكتشف بعد لحظات شيئاً يجعلنا نتوقف , وقد نغضب من شخص ثم نفهم لماذا أصبح على هذه الصورة , وهذا ما يجعل الشخصيات تتجاوز الرواية
فالإنسان الحقيقي لا يمكن اختزاله في صفة واحدة , والطيب صالح فهم ذلك جيداً.
zuhair.osman@aol.com
