“زوم” الخواجات ووهم الثورة- عن فشل اليساريات في عبور جسر التنظير إلى أرض الواقع

زهير عثمان حمد

تابعتُ، كما تابع الكثيرون، الندوة الأخيرة عبر (زوم ) لتجمع السودانيين بالخارج، والتي خُصصت لدعم الثورة والتبشير بـالتغيير الجذري والمفارقة المضحكة المبكية، أن المتحدثات كنَّ من قامات التيار اليساري؛ لغةٌ منمقة، شعاراتٌ ثورية تصم الآذان، وحديثٌ عن الجماهير و القواعد وكأننا نعيش في يوتوبيا لا في بلدٍ ينهشه الرصاص والجوع
يا سادتي.. دعونا نفرتق هذه العبوة الناسفة بصدق
ما حدث في تلك الندوة هو تجسيد الفشل التاريخي لليسار النسوي السوداني في صناعة كتل حزبية قادرة على ترجمة الكلمات إلى أفعال على الأرض. الحقيقة المرة أن اليساريات السودانيات، رغم تضحياتهن، وقعن في فخ النخبوية الحزينة
يتحدثن عن التغيير الجذري في شاشات اللابتوبات في لندن وباريس، بينما الواقع على الأرض في زالنجي، وبورتسودان، والخرطوم، يغلي بأسئلة مغايرة تماماً
لماذا فشلن في صناعة كتل حقيقية؟
جنون البرامج وجفاف التنظيم المشكلة ليست في الشعار ؛ فكلنا مع العدالة والمساواة المشكلة في المكنة التنظيمية واليسار النسوي السوداني لا يزال أسيراً لصراعات المثقفاتية؛ خلافات حول الفواصل والنقاط في البيان السياسي، بينما الكتلة النسوية العريضة في معسكرات النزوح وفي الأحياء الشعبية تبحث عن “قيادة” تلامس وجعها اليومي، لا عن “منظرّات” في علم الاجتماع السياسي

الاختفاء خلف يافطة الحزب بدل أن تقود المرأة اليسارية حراكاً نسوياً عابراً للولاءات، نجدها غالباً ترساً في ماكينة الحزب الذكورية. يردنَ تغيير السودان جذرياً، وهنَّ عاجزات عن تغيير البنية الأبوية داخل أحزابهن اليسارية نفسها! العقلية المركزية القابضة في الحزب الشيوعي أو حلفائه وحوّلت الحضور النسوي إلى “ديكور ثوري” يُستخدم في المحافل الدولية، ويُغيب عند صناعة “القرار الصعب”.
فجوة الخارج والداخل الندوة أثبتت أن هناك سودانين ؛ سودان الزوم والمنظمات واللغة الحقوقية الباردة، وسودان غرف الطوارئ والمطابخ الجماعية ومواجهة الموت بصدور عارية
و الفشل في صناعة كتلة حزبية قوية سببه أن القيادات النسوية في الخارج يعشن في فقاعة من التقدير الدولي، بينما القواعد في الداخل يواجهن الواقع بلا سند تنظيمي حقيقي
التغيير الجذري ليس موضة أو ترند في وسائل التواصل. التغيير الجذري معناه قدرة المرأة على بناء تنظيم يهز أركان السلطة، لا روم في زوم تهز مشاعر المشاركين لدقائق ثم تنتهي بـ شكراً للزميلات
يا رفيقاتنا في اليسار..الشعارات لا تبني وطناً، و الكتل الورقية لا تقاوم الرصاص. إذا لم تتحول هذه الخطط العبقرية إلى حركة جماهيرية تقودها نساء من قلب المعاناة، لا من وراء الشاشات، فسيظل حديثكن مجرد ونسة ثورية في صالونات الخارج، بينما الهمبول والميليشيا يقتسمون ما تبقى من أشلاء السودان
سؤالي الأخير هو – هل العجز في المنهج أم في الإرادة لهذا الكيان التي كبلها الاستقطاب الحزبي الضيق؟

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

الطبخ بلا تصريح – حين يصبح العدس خطراً على الأمن القومي!

زهير عثمان في الوقت اللي جماعة الكراسي شغالين فيهو دعاية اعلامية ضخمة جدا وفيديوهات عن …