زيارة البشير إلى مصر.. وأهمية المزاوجة بين الأُخوة والمصلحة .. بقلم: إمام محمد إمام

تأتي زيارة الأخ الرئيس عمر البشير إلى مصر والتي بدأت أمس (السبت)، في أجواء غير مسبوقةٍ في علاقات البلدين طوال العهود المختلفة، إذ أن الوسائط الصحافية والإعلامية المصرية شنت هجوماً على السودان وعلى الرئيس عمر البشير، بحُجية أنّ حديثه لإحدى الصحف العربية حول سودانية حلايب وشلاتين لم يرضِ هذه الوسائط الصحافية والإعلامية، ولكن المؤلم أن بعض هذا الهجوم الخارج عن اللياقة واللباقة والكياسة للإعلام المصري جاء في الفضائية المصرية الرسمية، مما استدعى ردود فعلٍ متباينةٍ من السودانيين داخل السودان وخارجه، بل طالب بعضهم بتأجيل الزيارة إلى أن تُهيئ لها الأجواء المناسبة، ليتم إجراء المباحثات والمحادثات في إطار الأُخوة بين الشعبين، والمصلحة بين البلدين. والجميل أنّ هذه الانتقادات اللاذعة التي غابت عنها اللباقة واللياقة المصرية، جمعت لأول مرةٍ أنصار البشير مع خصومه في الذود والدفاع عن سيادة السودان، حيث أجمع هؤلاء على أنّ الأخ الرئيس عمر البشير يُمثل الرمز السيادي للسودان، وفي ذلك اتفق المناصرون والمختلفون مع نظام الإنقاذ، مغاضبةً للافتراءات الإعلامية المصرية.
وأحسبُ أنه من الضروري أن يبني المسؤولون في نظام الإنقاذ على هذا التوافق الوطني الذي جاء عفوياً، دفاعاً عن رمزية البشير كرئيس للسودان، باعتباره مدخلاً مهماً من مداخل الحوار الوطني، لإحداث توافقات وطنية حول قضاياه. ولم يغب عن الكثيرين من السودانيين داخل السودان وخارجه أهمية المزاوجة بين الأُخوةِ بين الشعبين والمصلحة بين البلدين، في إطار هذه الزيارة الرئاسية الرسمية. وغاب عن منتقدي الأخ الرئيس عمر البشير من بعض الإعلاميين والمُمثلين لحديثه الصحافي عن سودانية حلايب وشلاتين، والذي ضمنه فهماً عميقاً لأهمية ديمومة العلائق السودانية – المصرية، بأن السودان لن يُحارب مصر بسبب حلايب. وقد وصلتني بعض هذه الانتقادات المُجحفة والفجة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، فشعرتُ أنه من الضروري أن يصدر من الجهات الرسمية المصرية ما يُدين هذه الانتقادات، ويشجبها حتى لا يكون رد الفعل السوداني مُغاضباً، يُحدث قدراً من اضطراب العلائق التي يسعى الرئيسان السوداني عمر البشير والمصري عبد الفتاح السيسي لتحسينها بين البلدين.
وفي رأيي الخاص، أن على الأخ الرئيس عمر البشير تقديم مطلوبات تحسين العلائق السودانية – المصرية دون مجاملة، حتى ولو اضطر إلى لقاءٍ ثنائي يتسم بقدرٍ من الصراحة والوضوح من أجل إزالة الشوائب التي تُعيق اطّراد تحسن العلائق بين البلدين. ولا ينبغي أن يكون حديث الأخ الرئيس عمر البشير اعتذارياً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بل حديثاً يُغلِّبُ المصالح السودانية في تحسين علائق البلدين.
وأكبر الظن عندي، أنه من الضروري أن تجري مشاورات موسعة للوفد السوداني في ما يتعلق بالتعاطي مع الوسائط الصحافية والإعلامية المصرية. ومن الضروري أيضاً أن تُجرى قراءات مكثفة عن الراغبين من الصحافيين لإجراء حوارات مع الأخ الرئيس عمر البشير أو بقية أعضاء الوفد الوزاري، حتى لا نُؤتى من غفلةٍ في تصريحٍ أو حديثٍ صحافي. وأظنُّ – وليس كلُّ الظنِّ إثماً – أنّ هذا من حق رجال حول الرئيس أن يتخيروا من يتحدث إليهم الرئيس في هذه الزيارة. واستوقفتني معلومةٌ لم أتحقق من مدى صحتها أنه في برنامج الأخ الرئيس عمر البشير حوارٌ صحافي سيجريه معه الصحافي المصري مكرم محمد أحمد، وإن كان لنا أن نقول من باب المناصحة، فالدين النصيحة، إن بعض مواقف مكرم محمد أحمد عن السودان فيها دَخَل، فإنه أظهر في الفترة الأخيرة عِداءً مستحكماً للسودان، بحُجية مواقف السودان من إسلاميي مصر. وللذين لا يعلمون أنّ مكرم محمد أحمد شن عليه الإسلاميون وغيرهم من ثوريي الربيع المصري حملةً شعواء نزعوا عنه رئاسة نقابة الصحافيين المصريين، مما جعل في صدره ضيقاً وحرجاً، ومغاضبةً وموجدةً ضد الإسلاميين، بمن فيهم إسلاميو السودان الذين لا ناقة لهم ولا جمل في ما جرى له إبان الثورة المصرية، فلذلك ليس هو بالشخصية الصحافية التي يُمهد لها الطريق لإجراء الحوار مع الأخ الرئيس عمر البشير، وهناك صحافيون مصريون كُثر يؤمنون إيماناً قاطعاً بأهمية تكامل وادي النيل، إن لم يكن وحدة شعبي وادي النيل، فهؤلاء يحق لهم التواصل مع الوفد الرئاسي السوداني، لأنهم يحملون أشواق قطاعٍ عريضٍ من المصريين في أهمية التقارب والتواصل، ثم التكامل مع الشعب السوداني.
أخلصُ إلى أنّ زيارة السيد رئيس الجمهورية إذا استُغلت استغلالاً ناجعاً، يُمكن بقليلِ جُهدٍ إذابة جليد العلائق بين البلدين، ولا يعني هذا السكوت عن بعض القضايا التي ما زالت عالقةً، وتُشكل مضاغطةً سياسيةً للنظامين السوداني والمصري، وتتصدر تلكم القضايا، قضية حلايب وشلاتين، وقضية افتتاح المعابر لا سيما المعبر الذي يربط السودان بمصر شرقاً، وكذلك قضية موقف السودان من نصيبه في مياه النيل، واستحقاقاته المائية والكهربائية من سد النهضة الإثيوبي، وغيرها. وكل ذلك يأتي ضمن المزاوجة بين الأُخوة والمصلحة لتحسين العلائق السودانية – المصرية من خلال زيارة الأخ الرئيس عمر البشير، ومن الضروري أن يتفهم المسؤولون في مصر أنهم مثلما يسعون إلى مصالح مصر، فإن الوفد السوداني سيُجاهد من أجل مصالح السودان.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “.. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”.
وقول الشاعر العربي، زهير بن أبي سلمى: 
وَمَنْ لَمْ يُصَـانِعْ فِي  أُمُـورٍ  كَثِيـرَةٍ    يُضَـرَّسْ بِأَنْيَـابٍ وَيُوْطَأ بِمَنْسِـمِ
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ     يَفِـرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْـمَ يُشْتَـمِ
وَمَنْ يَكُ  ذَا  فَضْـلٍ   فَيَبْخَلْ  بِفَضْلِهِ   عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْـنَ عَنْـهُ  وَيُذْمَـمِ
وَمَنْ يُوْفِ  لا  يُذْمَمْ وَمَنْ  يُهْدَ  قَلْبُـهُ    إِلَـى مُطْمَئِـنِّ البِرِّ لا  يَتَجَمْجَـمِ
وَمَنْ  هَابَ  أَسْـبَابَ  المَنَايَا  يَنَلْنَـهُ     وَإِنْ يَرْقَ  أَسْـبَابَ  السَّمَاءِ بِسُلَّـمِ
وَمَنْ  يَجْعَلِ  المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ     يَكُـنْ  حَمْـدُهُ  ذَماً عَلَيْهِ  وَيَنْـدَمِ

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً