سؤال الشرعية: السودان على خطى النموذج الليبي

كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

في استضافة على قناة الجزيرة مباشر يوم 14 نوفمبر 2025م، استخدم الخبير في حقوق الإنسان عبد الوهاب الهاني توصيفاً لافتاً حين تحدث عن الحكومة السودانية ووصفها بأنها «المعترف بها إقليمياً ودولياً». هذه العبارة ليست توصيفاً عابراً، إنما مدخلاً لغوياً مقصوداً يشي بتوجه سياسي خطير. ذلك أنها تعيد إلى الذاكرة البدايات الناعمة التي سبقت الانقسام الليبي الحاد، عندما تحولت المفردات إلى أدوات لإنتاج الشرعية، وبدأت عبارات مثل «المجلس الرئاسي الشرعي» تؤسس لما أصبح لاحقاً انقساماً فعلياً على الأرض. وكما سنشير لاحقاً بالاستناد إلى ميشيل فوكو، فإن هذا الاستخدام اللغوي يمثل ممارسة للسلطة تهدف إلى صناعة واقع جديد.
فالاعتراف، في القانون الدولي وفلسفة الشرعية، ليس فعلاً محايداً ولا يُطرح بلا غرض. إنه ساحة صراع تبدأ عادة بتدوير عبارة كهذه على ألسنة الخبراء في المنابر الإعلامية لتهيئة الرأي العام لقبول سردية جديدة للشرعية. هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا اختار الهاني هذا التوصيف تحديداً؟
إن الحكومة القائمة في بورتسودان من الناحية الشرعية هي في واقع الأمر حكومة أمر واقع (de facto) تُدير المؤسسات بموجب السيطرة الفعلية. شرعيتها مسألة معلّقة ومحل نزاع منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 بين البرهان والثوار. وقد جاءت حرب أبريل 2023 لتؤجل حسم هذه القضية دون أن تلغيها، مخلِّفةً فراغاً سياسياً وأمنياً. في هذا السياق الهش، يأتي توصيفٌ كهذا الذي أطلقه الهاني ليبرز وكأن المجتمع الإقليمي والدولي قد أسبغ عليها صفة الشرعية، بينما هي —في جوهرها— قضية داخلية بحتة يقررها الشعب السوداني وقواه الثورية.
الواضح أن الهاني قام بعملية تزليق (Slipping in) للتوصيف. ويمكن قراءة هذه الحركة في ضوء رؤية الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي يرى أن اللغة ليست أداة محايدة للتواصل، وإنما ساحة تمارس فيها السلطة حضورها الخفي. فالوصف الذي أطلقه الهاني —بلغة الواقع السوداني المباشرة— يدخل في خانة (النجر). فالكلمات تُعيد ترتيب المشهد وتؤطره، وتصنع “أنظمة حقيقة” يتعامل معها الناس لاحقاً كوقائع ثابتة. وبذلك تصبح عبارة الهاني تمهيداً لغوياً مقنّعاً يعيد طرح سؤال الشرعية أو يحوّل مساره من الداخل إلى الخارج.
وهنا يتجاوز الخطر مستوى اللغة إلى الواقع الميداني. فقد أعلنت قوى أخرى عن نفسها كسلطة منافسة، وسرعان ما ستُعاير بسلطة البرهان بحجة امتلاكها “شرعية ميدانية” تستند إلى السيطرة على جغرافيات متجانسة. هذا التمايز الميداني هو البوابة الأولى نحو التقسيم السياسي، وهو ما يهيئ المسرح لواقع شبيه بالنموذج الليبي: حكومة “معترف بها” إقليمياً ودولياً، وأخرى تُنسب لأي اسم أو جهة —حكومة زيد أو عبيد أو أياً ما كانت التسمية — لينفتح المشهد على استنساخ التجربة الليبية، ويدخل السودان في مغالطة ما يمكن تسميته بـ«معضلة الشرعية» بين حاملي السلاح وتغييب أهل الحق الأصليين.
وقد كانت الأحداث شاهدة على هذا المسار بوضوح في ليبيا: الانزلاق الهادئ عبر التوصيف الإعلامي تحوّل سريعاً إلى انقسام سياسي، فظهرت حكومتان، لكل منهما داعمون خارجيون، ولكل منهما سردية جاهزة. والمشهد السوداني اليوم يحمل ملامح مشابهة من الناحية اللغوية: استخدام تعبير «المعترف بها إقليمياً ودولياً» يمهّد ببطء لقبول مثل هذا التوصيف. والخطر الأكبر أن السودان يعيش حرباً مفتوحة، وهو أكثر هشاشة من ليبيا في لحظة انقسامها الأولى.
على عموم الأمر، تكمن خطورة توصيف الهاني في أنه يحاول فرض أولويات خاطئة على المشهد السوداني. فالحرب الراهنة فرضت واقعاً مختلفاً تمّ فيه تأجيل معركة الشرعية إلى ما بعد توقف القتال. إن الفخ الذي ينصبه هذا النوع من التوصيف هو الإيحاء بوجود تنازع شرعيات الآن —شرعية «ممنوحة» من الخارج في مقابل أخرى «مُعلنة» من الداخل— وهو ما يخدم فقط تعزيز حالة السيولة وتمديد عمر الأزمة.
فالشرعية في السودان ليست مسألة اعتراف خارجي، وليست سلعة تُمنح أو تُسحب بحسب المواقف الدولية. إنها مسألة داخلية خالصة، تولد من إرادة القوى الثورية السودانية، ومن قدرتها على تحديد شكل الحكم بعد انتهاء الحرب. يمكن التعامل مع وصف «حكومة بورتسودان» كإشارة تقنية تعني حكومة أمر واقع يتعامل معها الخارج بحكم الضرورة، لكن دون أن يتم ذلك على حساب المعنى العميق للشرعية المرتبط مباشرة بالشعب وقواه الثورية صاحبة الحق في تحديد أين تكمن الشرعية وفي يد من.
إن أي توصيف خارجي مهما بدا علمياً أو حقوقياً يجب أن يُقابل بحذر شديد في السياق السوداني. فالشرعية ليست لعبة مفردات، ولا معركة اعترافات تطلق عبر الفضائيات. إنها، وبشكل قاطع، ملك الشعب السوداني وحده، يقررها عند لحظة السلم لا لحظة الحرب، وتنبثق من إرادة الداخل لا من أهواء الخارج.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …