دكتور الوليد آدم مادبو
السؤال يصبح أكثر إلحاحاً حين ننظر إلى ما سبق المشهد الفنزويلي الأخير، لا إلى المشهد الأخير وحده. فقبل أن يصل نيكولاس مادورو إلى تلك اللحظة التي انتهى فيها رئيساً مخلوعاً ومكبلاً، كانت هناك درجات متتابعة على سلّم الضغط الأميركي: نزع للشرعية، عقوبات، تضييق على الدائرة المحيطة، استهداف لشبكات التمويل والتسليح، تضييق على القدرة على الحركة والمناورة، ثم انتقال تدريجي من التعامل مع النظام القائم باعتباره أمراً واقعاً إلى التعامل مع فكرة أن مستقبل البلاد يجب أن يُبنى خارج بنيته السياسية القائمة.
وفي السودان، ليست كل هذه الدرجات متطابقة، لكنها بدأت تظهر، واحدة بعد أخرى، بما يكفي لأن تجعل المقارنة سؤالاً مشروعاً.
الدرجة الأولى: نزع الشرعية.
أخطر ما يمكن أن يحدث لقيادة سياسية ليس أن تُعاقَب، وإنما أن تتغير طبيعة الوصف الذي تستخدمه واشنطن لها. فهناك فارق جوهري بين أن تقول الولايات المتحدة إن حكومة ما ارتكبت انتهاكات أو أخفقت في حماية المدنيين، وبين أن تقول إن القيادة نفسها لم تعد تمثل حكماً دستورياً مشروعاً.
وهذا الفارق أصبح مهماً في الحالة السودانية. ففي سبتمبر 2026 قالت وزارة الخارجية الأميركية إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وقيادتيهما، لا تمثلان حكماً دستورياً شرعياً للسودان، وربطت ذلك بسلوك الطرفين خلال الحرب.
هذه ليست مجرد لغة دبلوماسية عابرة. إنها تنقل النقاش من سؤال: كيف نُصلح سلوك السلطة القائمة؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: هل ما زالت هذه السلطة تصلح أساساً لحكم البلاد؟
الدرجة الثانية: العقوبات لم تعد فردية.
العقوبات على الأشخاص يمكن أن تكون رسالة. أما حين تتحول إلى أدوات تستهدف شبكات التمويل والتسليح والواجهات الاقتصادية والجهات التي تمكّن الحرب من الاستمرار، فإنها تصبح جزءاً من محاولة تغيير البيئة التي تسمح للقيادة بمواصلة سياستها.
وهنا تصبح العقوبة أقل ارتباطاً بالشخص وأكثر ارتباطاً بالبنية التي تحيط به.
الدرجة الثالثة: تغيير طبيعة المخاطَب.
عندما تبدأ واشنطن في التعامل مع الأطراف المتحاربة لا بوصفهم أصحاب الشرعية التي ينبغي البناء عليها، وإنما بوصفهم أطرافاً يجب أن تتوصل إلى ترتيبات تفتح الطريق أمام حكم مختلف، فإن طبيعة العلاقة نفسها تكون قد تغيرت.
وهذا تحديداً ما يجعل العبارة الأميركية الأخيرة بشأن عدم تمثيل الطرفين للشرعية الدستورية ذات دلالة تتجاوز مسألة الإدانة السياسية. فهي تضع سقفاً لما يمكن أن يكون عليه مستقبل الحكم، حتى وإن لم تحدد بعد شكل ذلك المستقبل.
الدرجة الرابعة: سقوط احتكار الدولة.
الحرب السودانية فعلت شيئاً بالغ الخطورة بالنسبة إلى أي سلطة مركزية: جعلت الدولة نفسها موضوعاً للنزاع، لا مجرد أداة في يد طرف واحد. ومع اتساع رقعة السيطرة المتنافسة، وتآكل القدرة على إدارة الاقتصاد والموارد والمؤسسات من مركز واحد، يصبح السؤال الدولي أقل ارتباطاً بمن يسيطر على العاصمة أو الميناء، وأكثر ارتباطاً بمن يستطيع أن ينتج دولة قابلة للحياة.
وهنا يتحول الصراع من صراع على السلطة إلى أزمة في نموذج الدولة ذاته.
الدرجة الخامسة: تجفيف مصادر الحرب.
إذا انتقل الضغط الأميركي من إدانة الحرب إلى محاولة خفض قدرة الأطراف على تمويلها وتسليحها واستدامتها، فنحن أمام مستوى آخر من التدخل السياسي. فالحرب لا تستمر بالخطابات وحدها؛ إنها تحتاج إلى المال، والسلاح، والشبكات التجارية، والوسطاء، ومسارات الإمداد.
ولهذا فإن استهداف البيئة التي تجعل استمرار الحرب ممكناً قد يكون، سياسياً، أكثر أهمية من استهداف قائد بعينه.
الدرجة السادسة: تقييد الحركة والقدرة على المناورة
ثم جاءت التأشيرة.
قد تبدو، في ظاهرها، مسألة إجرائية: رئيس دولة يريد حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبلد مضيف يملك سلطة إصدار التأشيرة أو حجبها.
لكنها في الحالة السودانية جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية.
فقد أفادت رويترز بأن واشنطن حجبت تأشيرة البرهان قبيل اجتماعات الجمعية العامة، وأن منحها ارتبط، وفق مصادرها، بموقفه من مقترح أميركي لهدنة لمدة تسعين يوماً.
وهنا ينتقل الضغط من الاقتصاد والسلاح والشبكات إلى شيء أكثر حساسية: حرية الحركة السياسية والدبلوماسية للقيادة نفسها.
الرجل الذي كان يتنقل في العواصم بوصفه رأس الدولة أصبح يجد حركته الدولية موضع تفاوض.
وهذه هي الدرجة التي تجعل استحضار مادورو مفهوماً.
لا لأن البرهان أصبح مادورو، ولا لأن الولايات المتحدة أعلنت أنها ستقبض عليه، وإنما لأن بعض الأدوات التي سبقت سقوط مادورو بدأت تظهر، بدرجات مختلفة، في الحالة السودانية.
بعض هذه المؤشرات بدأ بالفعل، لكن ليس لدينا بعد ما يثبت أن واشنطن اختارت السيناريو الفنزويلي العسكري.
ولذلك لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو:
هل سيكون مصير البرهان مصير مادورو؟
الأدق هو:
هل انتقلت واشنطن من محاولة تغيير النظام إلى محاولة تغيير بنية السلطة التي أنتجت الحرب؟
وهنا أعتقد أن علينا أن نكون دقيقين جداً في المصطلحات.
هناك فرق بين تغيير النظام السياسي وتغيير بنية السلطة.
تغيير النظام يعني، في صورته القصوى، إزالة القيادة القائمة واستبدالها بقيادة أخرى.
أما تغيير بنية السلطة فيعني تغيير القاعدة التي تمنح الفاعل السياسي قدرته على الحكم.
وبهذا المعنى، فإن المؤشرات الحالية تدعم القول إن واشنطن تتحرك باتجاه تغيير بنية السلطة السودانية أكثر من مجرد تغيير سلوك البرهان.
فالهدف المعلن لم يعد فقط أن يتوقف البرهان عن القصف، أو أن يوافق على هدنة، أو أن يجلس إلى المفاوضات. الهدف المعلن هو الوصول إلى حكومة مدنية، وإعادة السلطة إلى السودانيين، ورفع كلفة استمرار الحرب على الأطراف والشبكات التي تجعلها ممكنة.
Displaying F16AEABC-395A-4278-8B42-0662EB8D8A27.jpeg.
