سراب القوة واستعصاء المعرفة: رؤية في عبثية المقامرة العسكرية الأمريكية

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
يُخطئ من يظن أن الحرب على إيران تتعلق بأي بُعد ديني مباشر، (رغم ان كل الفاعلين فيها يتملكهم قدر من الهوس الديني) فالحرب على إيران لها مبعث أساسي وهو إعادة توزيع النفوذ في منطقة حيوية وحساسة من العالم. توجد إسرائيل في قلب هذه المعادلة، ليس كدولة يهودية دينية الهوية، ولكن كدولة حافظة وضامنة لاستدامة النفوذ والسيطرة الأمريكية، وتحديداً في ملف واشنطن الأساسي.. خنق الصين في المورد الطاقوي الثاني بعد ان افلح ترمب في قطع الإمداد من فنزويلا، وعرقلة تمدد الصين عبر “مبادرة الحزام والطريق”.
وكباحث في العلاقات الدولية أعتقد أن الخيار العسكري التي تنتهجه إدارة ترمب لن يسفر الا عن سراب… إن محاولته الراهنة لتقويض البرنامج النووي الإيراني عبر “العمل العسكري المباشر” لا تمثل حلاً استراتيجياً بقدر ما تعكس نمطاً من “الغطرسة والتنمر الدولي” الذي يتجاوز الحقائق التقنية والقانونية.
فالتركيز الأساسي هنا ينصب على مفهوم “المعرفة التقنية” (Tech\ Know-how). لقد تعلمتُ من دراسة الأزمات الدولية أن البرامج النووية لا يجدي معها مبدأ التدمير العسكري بضربة خاطفة او حرب طويلة لانها في الاصل عملية تراكم معرفي وعلمي استوطن في عقول الأجيال. أرى بوضوح أن سياسات الاغتيال وتدمير المختبرات والقدرات النووية قد تؤخر الجدول الزمني بعض الشئ، لكنها تعجز تماماً عن استئصال المعرفة بشكل نهائي. فالمعرفة في جوهرها حالة تملك لا تفني بالعمل العسكري وستظل تتراوح بين حالة فاعلة أثناء الحرب إلى كمون يتحرك عبر نقل الخبرات من جيل إلى جيل، وبالتالي تصعب عملياً إزالتها. فالضغط العسكري العنيف لا يمحوها، بقدر ما يدفعها نحو العمل السري بعيداً عن أعين الرقابة الدولية التي كان يوفرها اتفاق 2015.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول جدوى هذه الحرب.. فمهما حاول ترامب تسويق خياراته كأداة لمنع امتلاك ايران للسلاح النووي، لا أرى فيها سوى تجليات “الغطرسة” التي تضرب عرض الحائط بالاستقرار الإقليمي. والأمر المثير للدهشة هو عدم اكتراثه التام بمصالح دول الخليج عن “خارطة النفوذ” التي يسعى ترمب لإعادة رسمها.. فقد تركهم في حالة لا يحسدون عليها. فلا اعتبرهم حلفاء يجب الدفاع عنهم… ولا شاورهم في شن الحرب من أصله.. إن طموح ترمب في الانتصار وإعادة توزيع القوى يبدو موجهاً حصراً لخدمة نفوذ طرف إقليمي واحد هو إسرائيل، بينما تظل دول الخليج الأكثر عرضةً لدفع ثمن هذا الانفجار الشامل في المنطقة.
هناك عامل مهم يعضد فرضية ما ذهبت اليه وهو الموقف الأوروبي الرافض للحرب والذي يبدو محاولةً جادة لـ “التكفير” عن التخاذل السابق إبان إنسحاب ترمب غير المبرر من اتفاق أوباما الذي ابرمه مع إيران في العام 2015م . فأوروبا، بحسها وخبرتها الطويلة، تدرك أن الحل العسكري لقضية معرفة تقنية أشبه بالمستحيل. وهنا تبرز المفارقة الصارخة عند مقارنة مسار الدبلوماسية بمسار الحرب الحالي مقارنة مع مزايا اتفاق 2015 والذي وفر نظام تفتيش هو الأقسى في التاريخ، وضمن تجميد التخصيب عند 3.67% دون إراقة قطرة دم واحدة أو إنفاق دولار من خزينة واشنطن.
فتكلفة الحرب الحالية.. استنزاف لآلاف المليارات من الدولارات، وخسائر بشرية بدأت بـ 13 جندياً أمريكياً (حتى الآن)، مع تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة استقطاب دولي قد تخرج عن السيطرة.
إن ذهاب ترمب للخيار العسكري رغم كفاءة اتفاق أوباما السابق يؤكد أن الهدف لم يكن منع ايران من امتلاك السلاح “النووي” يوماً، بقدر ما كان محاولة لتعطيل “مبادرة الحزام والطريق” الصينية وعزل طهران عن شراكتها الاستراتيجية مع بكين.
مهما يكن من أمر، فالواضح أن نية ترمب وعزمه على “إعادة إيران للعصر الحجري”، تشكل اعترافاً ضمنياً بأن الهدف هو إخراج دولة إقليمية وازنة من معادلة النفوذ لصالح الهيمنة المطلقة لإسرائيل. وهو أمر مشكوك فيه، حيث من غير المتصور أن تسمح كل من الصين وروسيا بانهيار توازن جيوسياسي يمسُ عصب أمنهما القومي ومصالحهما في قلب العالم.
إجمالا يمكن الزعم في نهاية التحليل أن الدبلوماسية المؤسسية تظل هي الطريق الوحيد والأكثر ضماناً للحد من الانتشار النووي كماوفعل الرئبس أوباما. أما خيارات القوة الغاشمة التي يمارسها ترمب، فلن تنتج سوى دورات جديدة من العنف، حيث ستبحث المعرفة التقنية عن ملاذات أكثر سرية وعدائية، مما يجعل العالم أقل أمناً مما كان عليه في ظل الاتفاقات الدولية.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

​تعقيب فني: منطق “المسيّرات” وإدارة مخاطر الأمن الإنساني

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدتابعت اللقاء بقناةالجزيرة مباشر والذي طرحت فيه د. اماني …