سقطتم في نظري … بقلم: كمال الهدي

 

  تابعت لمدة عشر دقائق فقط جزءً من احتفال ملعب الناشئين الجديد بمحلية أمبدة الذي بثته قناتنا الفضائية فكانت تلك الدقائق العشرة كافية لإصابتي بحالة من القرف الشديد.

  فقد سمعت السيد رئيس الهيئة العامة للناشئين أبو هريرة حسين يحاول تسويق بضاعة كاسدة عبر الهتاف وفتح الحنجرة لأوسع درجة حيث قال أنهم يريدون أن يعلموا الانجليز كرة القدم انطلاقاً من هذه الملاعب ، كما لم ينس أن يشير إلى أهل السامبا الذين ذكر أنهم سيأتون للعب في ملاعبنا الجديدة.

  قبل فترة طويلة ومع افتتاح أول ملعب للناشئين أشدت بنشاط هذا الرجل وحماسة للعمل، لكنني تراجعت عن تلك الإشادة بعد فترة من ذلك حين سمعته يخطب في جمع ضم السيد رئيس الجمهورية، حيث وضح لي جلياً أن الرجل يأخذه الحماس فيقول كلاماً أكبر من قدرات هيئته بكثير.

  ما قاله أبو هريرة اليوم أكد لي أن الرجل من تلك النوعية التي وصلت للموقع الذي يتبوأه اليوم عبر الهتاف والتهليل والتكبير وكلنا نذكر أن الإنقاذ في أيامها الأولى وجدت من (الهتيفة) ما ضاقت بهم الأرض ومعظمهم كانوا يسعون لمناصب أو مال.

  لكن لابد أن يتذكر الأخ أبو هريرة أنه وصل لما يريد وعليه الآن أن يتحدث حديث العقل كمسئول عن شريحة هي الأهم في أي مجتمع.

  من غير المعقول أن تتوقع حكومتنا أننا سنكون مطمئنين على صغارنا ونحن نرى أن من يتولون أمرهم لا هم لهم سوى الهتاف وطق الحنك!

  ما كنت تقوله اليوم أخي أبو هريرة لن يتحقق ولا أدري كيف ستعلم الانجليز الكرة وهم من أتوا بها ولولاهم لما أتيحت لك فرصة الحديث عنها!

  لو تريثت قليلاً وقلت أننا نسعى لمنافستهم لبلعناها لك.. بصعوبة طبعاً ، أما ما قلته فلا يمكن لأي عقل أن يتأمله.

  يبدو واضحاً من الهجمة الشرسة على الناشئين وأندية كرة القدم أن المؤتمر الوطني يريد استغلال شريحة معينة باعتبار أن جل مشجعي الكرة من البسطاء الذين تحركهم العواطف حتى يضمنوا ولاء هؤلاء وتصويتهم لمصلحة مرشح الحزب للرئاسة السيد رئيس الجمهورية عمر حسن أحمد البشير.

  لست ميالاً للكتابة عن السياسة لأنها في سوداننا تحديداً تصيب المرء بالغثيان من فرط استهتار وعدم نزاهة ساستنا، لكن ما يجري هذه الأيام يستفزني لأبعد درجة.

  فمن غير المعقول أن تحاول الحكومة الحالية استغلال كل المنابر الرياضية لتحقيق مكاسب انتخابية بهذا الشكل الواضح والمفضوح.

      فهل عرفوا اليوم فقط أن الناشئين هم عماد المستقبل؟

   بعد أكثر من عشرين عاماً هجموا فجأة على هذا القطاع لينشئوا له عدداً من الملاعب في فترة وجيزة، فلماذا لم تبدأ الحكومة الحالية بهذا القطاع الهام من سنواتها الأولى؟ لماذا سمحت بنهب أموال المدينة الرياضية مرات ومرات دون أن تُنشأ ما دمتم تحبون الرياضة إلى هذه الدرجة؟

  ليس من العدل في شئ أن يستغل مرشح حزب واحد كل إمكانيات الدولة بهذا الشكل وهو ينازل مجموعة من أبناء وطنه يحق لهم أيضاً أن يهنأوا بمنافسة شريفة على الأقل.

  انتهى دور السيد رئيس هيئة الناشئين ليعقبه دور أكثر سوءً وسوداوية في نظري وهو ما قامت به مجموعة من المطربين والمطربات الذين لبسوا تي شيرتات عليها صورة السيد رئيس الجمهورية ليتغنوا بكلمات مثل ” يعانق السودان النهضة والكاسات” و” قالوا الدود قرقر .. والبشير يخوض النار“.

  مثلت هذه الفقرة أكثر ما استغربت له خلال الدقائق القليلة التي جلست فيها أمام التلفاز.. إذ كيف قبل هؤلاء المطربين والمطربات لأنفسهم مثل هذا الدور؟ هل نعتبر فرفور وشكر الله وريماز وبقية المطربين والمطربات الذين شاركوا في تلك الفقرة أعضاءً في المؤتمر الوطني؟ إن كانوا كذلك فمن حقهم أن يناصروا مرشح حزبهم، لكن بنفس الدرجة نتوقع من معجبيهم أصحاب الانتماءات الأخرى أن يقاطعوهم تماماً ولا يتعاملوا معهم بعد هذا اليوم، فمن غير المعقول أن يدفع من يناصر أي مرشح آخر أمواله لأحدهم لكي يغني له في مناسبة خاصة مهما كانت درجة إعجابه بصوته أو أدائه ما دام هذا المطرب قد ارتضى لنفسه أن يكون أداة في يد الآخرين.

  فالمطرب موقف وفكرة ومبدأ وليس مجرد دمية يحركها من أراد إلى الوجهة التي يرغب بها.

  وإن لم يكونوا كذلك فإما أنهم أغبياء ومغفلون نافعون أو أنهم انتهازيون لأبعد الحدود.

  فليس من المقبول أن يناصر مطرب مشهور في بلده حزباً دون بقية الأحزاب لو كان هؤلاء يفهمون شيئاً في هذه الحياة.

  لو كنا نخوض حرباً مع عدو خارجي وجاء هؤلاء الشباب والشابات ليغنوا لرئيس دولتهم لصفقنا لهم وأشدنا بهم سواءً اتفقنا أو اختلفنا مع رئيس دولتنا، لكننا لسنا في حرب وكل القصة أن هناك انتخابات ومن حق جميع المرشحين أن يجدوا فرصهم بالتساوي مع الرئيس الحالي.

  أقولها بصريح العبارة أن مجموعة المطربين والمطربات الذين شاركوا في هذا المهرجان سقطوا في نظري حقيقة وأظنهم سقطوا في نظر الكثيرين غيري بتصرفهم الذي أكد أنهم غير حصيفين.

  بعد ذلك سمعت من تحدث عن الـ 29 مدرسة ثانوية التي أنشأتها الحكومة الحالية في محلية أمبدة التي لم تكن بها ولا مدرسة ثانوية واحدة حسب قوله.. ولم أستطع احتمال أكثر من ذلك فأغلقت التلفزيون وواصلت في تحرير أخباري بإذاعة سلطنة عمان.

  لكنني أود أن أقول لمن تعامل مع المدارس بعددها وليس بجودة ما تقدمه أن الجامعات والمدارس في السودان كله صارت بالآلاف لكنني أدعوك لأن تصدق مع نفسك وتتفحص جودة ما تقدمه هذه المؤسسات التعليمية ولك أن تقف على مستويات من تخرجهم لتعرف حجم الكارثة التي نعانيها يا هذا.

  على المستوى الشخصي جداً تأذيت من مستوى من تخرجهم هذه الجامعات فقد كنت في فترة أعمل كمحرر ومترجم بوكالة الأنباء العمانية وجاءنا من يحمل درجتي البكالوريوس والماجستير في اللغة الإنجليزية من إحدى جامعات السودان طالباً العمل في الوكالة،  فقدمته لرئيس القسم العماني الذي يثق في أي خطوة أقوم بها ولذلك استبشر خيراً بالرجل

   أجرينا له الاختبار اللازم فكانت المأساة التي أخجلتني أمام رئيس القسم وجعلتني ألعن اليوم الذي تتلاعب فيه بعض مؤسساتنا التعليمية بالشهادات والدرجات العلمية فقد كان أداء ذلك الفتى سيئاً لدرجة لا توصف فمن غير المعقول أن يجهل حامل الماجستير في اللغة الإنجليزية أبسط قواعد هذه اللغة.

   ومن يومها بت أتخوف من تقديم كل من يحمل شهادة جامعية من العام 1994 فصاعداً.. رغم اقتناعي بأن بعض خريجينا لابد أن يكونوا على مستوى عال لأن عامل القدرات الفردية والفوارق بين الناس موجود مهما ضعف أداء هذه الجامعات، لكننا نتحدث عن الصورة العامة وليس من رحم ربي.

kamal elhidai [hosamkam@hotmail.com]

 \\\\\\\\\\\\\\\\\\\

عن كمال الهدي

كمال الهدي

شاهد أيضاً

يغادرون الإمارات عشان خاطر عيونكم..!!

تأمُلات كمال الهِدى . عجبت لإعلامي غير نزيه يتبادل الناس كتاباته ورسائله وهو يقدم حلولاً …

اترك تعليقاً