lualdengchol72@gmail.com
بقلم؛ لوال كوال لوال
لم يعد المشهد السياسي في السودان، شماله وجنوبه، بحاجة إلى كثير من الشرح أو التجميل. فالأحداث المتسارعة، والحروب المفتوحة، والانهيار المؤسسي، كلها عوامل عرّت واقعًا ظل لسنوات طويلة مغطّى بخطابات وطنية وثورية ودينية لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي. لقد سقطت الأقنعة، وانكشف المستور، وبات واضحًا أن الأزمة ليست طارئة ولا وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكم تاريخي لفشل سياسي عميق في فهم الدولة، وإدارتها، وبنائها على أسس عادلة. في السودان شمالًا، ظل الخطاب السياسي لعقود يتأرجح بين شعارات الدولة الوطنية، وادعاءات حماية الدين، ومزاعم الحفاظ على وحدة البلاد. غير أن الواقع أثبت أن هذه الشعارات لم تكن سوى أدوات للسيطرة والإقصاء. فالدولة لم تُبنَ كمؤسسة تخدم مواطنيها، بل كغنيمة تتقاسمها النخب العسكرية والسياسية. وحين اندلعت الحرب، ظهر حجم الهشاشة: مؤسسات منهارة، جيش منقسم، قوى سياسية عاجزة، ومجتمع تُرك وحيدًا في مواجهة العنف والفوضى. هنا لم يسقط قناع نظام بعينه فقط، بل سقط وهم الدولة نفسها. أما في السودان جنوبًا، فالقصة لا تقل مأساوية، وإن اختلفت في تفاصيلها. فقد جاء الاستقلال محمّلًا بآمال عريضة في العدالة والكرامة والتنمية، بعد عقود من التهميش والصراع. لكن سرعان ما تبيّن أن حركة التحرر لم تنجح في التحول إلى مشروع دولة. انكشف المستور حين تحوّلت السلطة إلى ساحة صراع بين نخب مسلحة، وحين طغت القبيلة على المواطنة، والسلاح على القانون. الدولة التي وُلدت باسم السلام، غرقت في دوامة حروب داخلية أكلت من رصيدها الأخلاقي والسياسي، وأفقدت المواطن ثقته في معنى الاستقلال ذاته. القاسم المشترك بين التجربتين هو فشل النخبة السياسية في الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الدولة. في الشمال كما في الجنوب، لم تُحسم الأسئلة الكبرى: لمن تُدار السلطة؟ وبأي شرعية؟ ولصالح من تُوظف الموارد؟ بدلًا من ذلك، جرى تأجيل هذه الأسئلة، أو الالتفاف حولها بشعارات فضفاضة، حتى انفجرت الأزمات في شكل حروب وانقسامات وانهيار شامل. لقد انكشف أن كثيرًا من القادة لا يرون في الدولة سوى وسيلة للهيمنة، لا إطارًا جامعًا لإدارة التنوع وحماية الحقوق. سقوط الأقنعة لم يقتصر على الحكام وحدهم، بل شمل أيضًا الخطاب السياسي والإعلامي والنخب الثقافية. انكشف زيف كثير من المثقفين الذين اصطفوا مع السلطة أو مع السلاح، وبرروا العنف باسم الضرورة الوطنية أو المرحلة الانتقالية. كما انكشف ضعف القوى المدنية التي عجزت عن تقديم بديل واضح، وظلت أسيرة الانقسامات الأيديولوجية والصراعات الصغيرة، في وقت كانت فيه البلاد تنزلق نحو الهاوية. في عمق الأزمة، تكمن مشكلة بنيوية: غياب العقد الاجتماعي. فلا في الشمال وُجد اتفاق حقيقي على معنى المواطنة المتساوية، ولا في الجنوب تبلورت رؤية جامعة تتجاوز الهويات الضيقة. وبدل أن تكون الدولة إطارًا لإدارة الاختلاف، تحولت إلى أداة لإعادة إنتاجه في شكل عنف. وهنا يصبح سقوط الأقنعة لحظة كاشفة: لقد فشلت النخب في تحويل التنوع إلى مصدر قوة، واختارت بدلًا من ذلك توظيفه سياسيًا، حتى تمزق النسيج الاجتماعي. ومع ذلك، فإن انكشاف المستور، على قسوته، يحمل في طياته فرصة نادرة. فالشعوب التي ترى الحقيقة عارية تكون أقدر، نظريًا، على إعادة طرح الأسئلة الصحيحة. السؤال اليوم ليس فقط كيف نوقف الحرب، بل كيف نعيد تعريف الدولة في السودان شمالًا وجنوبًا. كيف نبني سلطة تخضع للمساءلة، وجيشًا وطنيًا لا ينحاز، وسياسة تُدار بالعقل لا بالغريزة؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالحلول السطحية أو التسويات المؤقتة، بل بمراجعة شجاعة لتجارب الماضي، والاعتراف بالأخطاء دون مواربة. إن سقوط الأقنعة ينبغي ألا يكون مجرد لحظة فضح، بل بداية وعي جديد. وعي يدرك أن الشعارات لا تصنع دولًا، وأن السلاح لا يبني شرعية، وأن تجاهل جذور الأزمة يعني إعادة إنتاجها بأشكال أكثر عنفًا. فإما أن يتحول هذا الانكشاف إلى نقطة انطلاق نحو مشروع وطني جديد، أو يظل فصلًا آخر في مأساة سودانية طويلة، تتغير فيها الوجوه، لكن يبقى الجوهر واحدًا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم