زهير عثمان
ثمة مفارقة مركزية تطبع الجدل العربي والإسلامي المعاصر حول ظاهرة الإسلام السياسي؛ إذ يتعامل بعض خصوم هذه الحركات مع التاريخ باعتبار أن العالم العربي والإسلامي قد منح التيارات الإسلامية فرصاً ديمقراطية ناجزة، ثم تركها تحكم، وراقب أداءها، ليصدر بحقها حكماً نهائياً بالفشل
غير أن قراءة التاريخ تبدو أكثر تعقيداً وتشابكاً من هذه الثنائية المبسطة
فمن المقطوع به أن الإسلاميين قد حكموا بالفعل، منفردين أو شركاء، عبر آليات مختلفة شملت التحالفات والانقلابات، وتُعد التجربة السودانية النموذج الأطول والأكثر وضوحاً في هذا السياق، فضلاً عن تجارب أخرى تفاوتت فيها درجات المشاركة والوجود المؤسسي في مصر وتونس والمغرب وتركيا
ومن هذا المنطلق، فإن أي دفاع جاد عن هذه الحركات لا يستقيم بإنكار وقائع الحكم، بل بإعادة صياغة السؤال الجوهري: ليس هل حكم الإسلاميون؟ بل في أي شروط حكموا؟ وما مقدار السلطة التي امتلكوها فعلاً؟ وماذا فعلوا بها؟ وهل توفر لديهم تصور واضح للانتقال من مشروع الدعوة والمجتمع إلى مشروع الدولة والمؤسسات؟
أولاً- شروط التجربة.. بين غياب البيئة الديمقراطية وتعدد المسارات
من أكثر المغالطات شيوعاً وضع التجارب الإسلامية المتباينة في قالب واحد وإصدار حكم إجمالي بالفشل. فالتجربة الجزائرية مطلع التسعينيات، على سبيل المثال، أُجهضت بانقلاب عسكري على المسار الانتخابي عقب فوز «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الدور الأول عام 1991، مما زج بالبلاد في أتون عنف مدمر منع اكتمال أي اختبار ديمقراطي حقيقي
وفي مصر، لم تُترك تجربة الإخوان المسلمين عقب وصول محمد مرسي إلى الرئاسة لتخضع لدورة سياسية طبيعية، إذ انتهت بانقلاب عسكري عام 2013 نقل البلاد إلى مسار مغاير تماماً
أما في تونس، فقطعت حركة النهضة مساراً توافقياً معقداً وتنازلت عن مكاسب عدة حفاظاً على الانتقال الديمقراطي، قبل أن يؤول المشهد إلى إعادة تشكيل سياسي أضعف موقع الحركة وأخرجها من دائرة التأثير
وعلى الطرف الآخر، قدمت تركيا والمغرب نموذجين للاندماج النسبي؛ فنجحت حركة ذات جذور إسلامية في تركيا بتحقيق إنجازات اقتصادية وإدارية عبر الاندماج طويل الأمد في النظام الديمقراطي قبل أن تتبدل طبيعة الحكم تدريجياً، بينما اختارت حركة العدالة والتنمية في المغرب المشاركة ضمن القواعد الملكية محققة حضوراً انتخابياً دون بلوغ سلطة مطلقة. وفي المقابل، مثّل السودان حالة فريدة لحكم استمر ثلاثة عقود نشأ من انقلاب عسكري وتحول إلى نظام أمني وسياسي واقتصادي معقد، مما يمنع التعامل معه كدليل بسيط وبُعد واحد على إخفاق “الفكرة الإسلامية”.
ثانياً: السودان والمأزق المنهجي.. الإسلام، الحركة، والدولة
تكمن المشكلة المنهجية الكبرى في الخلط بين ثلاث دوائر متباينة: الإ الإسلام كدين وعقيدة ومجال حضاري وأخلاقي؛ والحركة الإسلامية التنظيم البشري باجتهاداته وأخطائه؛ والدولة بمؤسساتها من جيش واقتصاد وقضاء وبيروقراطية.
عندما تعبر التنظيمات الإسلامية عتبة السلطة، فإنها غالباً ما تفشل في إدراك أن أدوات العمل الدعوي والتنظيمي لا تصلح لإدارة الدولة الحديثة. فقد غلبت أدبيات “العضوية” و”الولاء” و”الطاعة التنظيمية” على منطق المؤسسات المستقلة وقواعد الكفاءة المهنية والتداول السلمي، فتحولت أجهزة الدولة تدريجياً إلى امتداد للحزب، وغدت أولوية التمكين التنظيمي مقدمة على بناء دولة قوية مستقلة. ومن هنا، فإن النقد الرشيد للتجربة السودانية لا يستهدف المرجعية الأخلاقية للإسلام، بل يوجه اصبعه صوب الطريقة التي حاول بها البشر تحويل تلك المرجعية إلى جهاز إداري وسياسي.
ثالثاً: «الإسلام هو الحل».. من سحر الشعار إلى متطلبات البرنامج
مثّل شعار «الإسلام هو الحل» طاقة تعبوية هائلة في القرن العشرين، لكنه اصطدم بحالة من «الرومانسية السياسية» التي تتعامل مع الأماني الكبرى بمعزل عن السنن الواقعية. فالسياسة لا تدار بالنوايا وحدها؛ والشعار يحتاج إلى برنامج، والبرنامج يحتاج إلى اقتصاد إنتاجي، والدولة تحتاج إلى مؤسسات قائمة على قواعد واضحة وقبول متبادل للتداول والاختلاف.
لقد برع الإسلاميون في الإجابة عن سؤال “لماذا نريد التغيير؟”، لكنهم عجزوا عن تقديم إجابات متماسكة لسؤال “كيف ندير الدولة بعد التغيير؟”. وكان من أبرز تجليات هذا القصور غياب النماذج الاقتصادية المتماسكة التي تتجاوز الشعارات العامة، مما جعل الحكومات المنتسبة لهم تقف عاجزة أمام اختبارات النمو وخلق فرص العمل والعدالة التوزيعية.
رابعاً- بين «الصد العظيم» والسنن السياسية
واجهت الحركات الإسلامية استبداداً، وأجهزة أمنية، وانقلابات، وحصارات إقليمية ودولية، وهو ما يفسر جزءاً معتبراً من تعثراتها. غير أن اتخاذ “المؤامرة” تفسيراً مطلقاً لكل إخفاق يُعطل ملكة النقد الداخلي ويصفي حساسية التعلم من الأخطاء
فالسنن الإلهية في الكون لا تمنح النجاح لدولة لمجرد رفعها شعاراً دينياً، كما أنها لا تسقط كياناً مجرد معاداة خصومه له. إن قواعد السلطة والاقتصاد والإدارة والاجتماع لا تحابي الشعارات على حساب الكفاءة والتخطيط السليم.
خامساً- المفارقة الأخطر.. الواقعية بلا بوصلة
أمام ضغط الواقع السياسي، انقسمت الحركات الإسلامية إلى مسارين كلاهما محفوف بالمخاطر:
- الاتجاه نحو العنف- وهو طريق كارثي حوّل بعض التنظيمات إلى كيانات مغلقة وفقدان للحاضنة الاجتماعية.
- الاندماج البراغماتي: حيث دخلت أطراف أخرى في مسارات تسوية أدت تدريجياً إلى تنازلات متتالية، فتحولت الحركات من طموح التغيير إلى هشاشة الشريك الأصغر في نظم استبدادية.
فقد فقدت هذه الحركات رصيدها الأخلاقي دون أن تكسب أدوات التغيير الفعلي، محولة الواقعية السياسية إلى براغماتية خالية من البوصلة.
سادساً- من المجتمع إلى الدولة.. وهم الاحتكار
حققت التيارات الإسلامية إنجازاً تاريخياً بإعادة الدين إلى المجال العام وإنشاء شبكات اجتماعية وخيرية واسعة ومقاومة الاستبداد. لكن النجاح الاجتماعي لا يترجم بالضرورة إلى نجاح سياسي؛ فالانتقال من المجتمع إلى الدولة هو انتقال من فضاء القيم الخالصة إلى فضاء المصالح المتعارضة وإدارة ملايين البشر المتنوعين
وهنا يبرز الخطأ القاتل المتمثل في احتکار تمثيل الدين سياسياً؛ حيث يتحول نقد التنظيم إلى طعن في الدين، وتصبح معارضة الحكومة مروقاً عن الشريعة، مما يفقد المشروع الإسلامي طاقته الأخلاقية ويضع أسواراً عالية بينه وبين المجتمع الحر
سابعاً- استدعاء مالك بن نبي.. أزمة «القابلية للاستعمار» الداخلي
يعود فكر مالك بن نبي للحضور بقوة عند تأمل “القابلية للاستعمار” أو “القابلية للإضعاف”
فالسؤال الحقيقي ليس فقط في حجم المؤامرات الخارجية، بل في مدى قدرة الإسلاميين على بناء مناعة داخلية تجعلهم غير قابلين للتهميش. وعندما يرتبط مصير مشروع حضاري بمقعد وزاري أو حصانة برلمانية، تظهر عقدة التبعية لصاحب السلطة، وتتآكل المبادئ لصالح الصفقات الفوقية
ثامناً- السياسة بوصفها معرفة وتعلم
السياسة صد بطبيعتها؛ وكل مشروع ينشد تغيير الواقع سيصطدم بمصالح مقاومة. والفرق بين الحركة التاريخية وتلك العاطفية يكمن في قدرة الأولى على تحويل كل هزيمة، سواء في انتخابات أو تحالف أو انقلاب، إلى مادة معرفية لإعادة بناء الاستراتيجيات وتطوير الأدوات، بدلاً من تعليق كل فشل على شماعة المؤامرة الكونية
تاسعاً- أفق «أسلمة الحداثة» والمشروع الحضاري
إن النقاش الدائر حول سقوط النظريات الوضعية يحتاج إلى تبصر؛ فالرأسمالية والديمقراطية والدولة القومية لم تختف. والمشكلة الحقيقية تكمن في عجز الحضارة الحديثة عن معالجة أزمة الأخلاق والمعنى والسلطة بمفردها. وهنا يمكن للإسلام أن يقدم إسهاماً عالمياً عبر نموذج حضاري يوازن بين المادة والأخلاق، ويرفض تحويل الإنسان إلى مجرد رقم اقتصادي أو سلعة استهلاكية، شريطة التحرر من أسر القوالب التاريخية الجامدة
عاشراً- ثورة داخلية نحو مسار ثالث
لا يُبنى المستقبل باستدعاء الألفاظ التاريخية الخالية من مضامينها المؤسسية كشعار “الخلافة”، ولا بتكرار الخطاب الدفاعي. إن المعركة الحقيقية للإسلاميين اليوم هي معركة مع الذات؛ تقتضي فصلاً صارماً بين الدعوة والحزب، وبين الدين والتنظيم، وقبولاً عميقاً للتداول السلمي للسلطة بوصفه قيمة بنيوية لا تكتيكاً عابراً.
zuhair.osman@aol.com
