وضع جمعٌ من خيار المواطنين، وقادة الهيئات المهنية الوطنية، وقيادات الأحزاب السياسية، ومعهم الحركات المسلحة — بين موقّعة على اتفاق سلام جوبا، وأخرى رافضة للحرب — وفي طليعتها حركة عبد العزيز الحلو — ميثاقًا لتحالف التأسيس، ودستورًا يصونه ويرعاه، حدبوا عليهما بما جادت به الأزمنة من فكرٍ وحِكمٍ وأمل، واستندوا إلى عيون القوانين التي خطّتها خيرةُ العقول، تطلّعًا إلى غدٍ جديد للسودان.
عند التوقيع حضرت الطلائع، وبعضهم يحمل على كواهله أعباء السنوات وإصرار التغيير. رأيتُ المشهد بعيني حين وصلت الوفود إلى نيروبي… يأتون روافد من البوطة، ومن الخور، من مسارب المياه، ومن عطش التاريخ إلى العدالة، حتى التأم شملهم في قاعة برلمان بلدٍ يعرف معنى الدولة — كينيا.
هناك، لم تكن الاجتماعات اجتماعًات عاديًة بل لحظة فاصلة بين زمنين: زمن الكتابة بلا أثر، وزمن الفعل الذي لا يحتمل التردد.
على الذين أمضوا سبعة حقب يسطرون النظريات أن يتوقفوا قليلًا. سبعون عامًا منذ الاستقلال — منذ ١٩٥٦ — ولم تُبنَ دولة، ولم يُصغ عقد اجتماعي، ولم تُحسم علاقة الجيش بالسياسة. سبعون عامًا من الجعجعة، بلا طحن.
صدق فيهم قول العرب: أرى جعجعةً ولا أرى طحنًا.
الكيزان: منظومة تخريب لا تُصلح
أما الكيزان، فلا ينبغي التعامل معهم كفاعل سياسي طبيعي، بل كمنظومة تخريب ممنهجة.
منذ انقلاب ١٩٨٩، لم يكن ما فعلوه خطأ في الإدارة — بل مشروعًا واعيًا لتفكيك الدولة وإعادة تركيبها على أساس الولاء.
حوّلوا الجيش إلى ذراع حزبية، والخدمة المدنية إلى شبكة تمكين، والاقتصاد إلى منظومة نهب مغلقة. لم يتركوا مؤسسة إلا واخترقوها، ولا قيمة إلا وأفسدوها.
من مشروع الجزيرة الذي تم تفكيكه، إلى الشركات الوهمية، إلى مشاريع الألبان المليونية التي لا تنتج قيمة بل عمولات، إلى بيع الأراضي والموانئ — كان الهدف واضحًا: تحويل الدولة إلى غنيمة.
وحين سقطوا بثورة ديسمبر، لم يغادروا. تسللوا. أعادوا التموضع. اخترقوا المرحلة الانتقالية. حتى انفجرت الحرب — حرب هم مهندسوها الحقيقيون.
حميدتي: من حارس النظام إلى أيقونة في لحظة التحول
ظهر في سياق صنعته الدولة نفسها، وكان جزءًا من منظومة حماية نظام البشير. لكن مع الزمن تحوّل إلى فاعل في لحظة التغيير، خاصة خلال المرحلة الانتقالية والاتفاق الإطاري.
يبقى الاختبار الحقيقي في خضوعه الكامل للدولة المدنية: دمج القوات، والتخلي عن مراكز القوة خارج الدولة.
خيارات للشعب السوداني وصفوته: ماذا أنتم فاعلون؟
الخيار الأول: إعادة إنتاج دولة ١٩٥٦ والانقلابات.
الخيار الثاني: انتصار المشروع الإسلامي المؤدلج، الممتد منذ علاقات مبكرة مع إيران.
الخيار الثالث: انتصار التأسيس — دولة مدنية، جيش مهني تحت السلطة المدنية.
الخيار الرابع: خيار الشارع والحركات الرافضة للانقلابات، لكنه يحتاج تنظيمًا.
الخلاصة:
السؤال ليس: أي الخيارات أفضل؟
بل: أيها أنتم مستعدون لدفع ثمنه؟
المراجع:
- Mansour Khalid
- Douglas Johnson
- Alex de Waal
- ICG Reports
- UNITAMS
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس
التاريخ: ٢٠ مارس ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم