سلمان محمد سلمان: وقلنا حنبني السد العالي .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

لا شك أن دخول الدكتور سلمان محمد سلمان ساحة الكتابة التاريخية من باب مياه النيل وحلايب فتح كبير في حرفة استأثر بها غير أهلها من عتاة المتسيسين وأشاعوا فيها خرافات فاحشة. وقد ألححت عليه طويلاً أن يعرب رسالته للدكتوراة الغراء عن تاريخ القضائية السودانية.
وانتهز هذه السانحة لمراجعتة في بعض ما قاله عن موقف الحزب الشيوعي من اتفاقية مياه النيل بين مصر والسودان (1959). فقال إن بلدنا قدمت فيها “أكبر تنازلات وتضحيات في تاريخ البشرية” تبذلها أية دولة لدولة ثانية في مشروع مائي، هو السد العالي، الذي يخص تلك الدولة الثانية وحدها. ولم تجد غير الجحود من مصر. وبحث سلمان في وثائق القوى السياسة المعارضة لنظام عبود ما وسعه وساءه ما رآه، والاتفاقية بهذا التفريط في حقوقنا، من تأييد صريح لبعض تلك القوى لها أو السكوت البعض عنها الذي هو الرضا.
ما آخذه علي سلمان إفتراضه أن بوسع معارض الإتفاقية، لو وجد، أن يعبر عن معارضته في الصحف التي هي مادة دور الوثائق التي قصدها. ولم يكن ذلك متاحاً. فجاء في كتاب “ثورة شعب” (1965)، الجامع لوثائق الحزب الشيوعي خلال فترة عبود، أن الحكومة منعت الصحف من الإشارة إلى أي خبر عن مشكلة مياه النيل أو مشكلة الحدود في حلايب. وأوقفت جريدة السودان الجديد عن الصدور لنشرها خبراً صغيراً عن أن الجانب السوداني في مفاوضات مياه النيل سيتطرق إلى مشكلة الحدود. وأقول عرضاً أن هذا ربما كان السبب الذي لم يجد سلمان كتابات للأستاذ محمود محمد طه في الصحف ضد الاتفاقية بعد توقيعها بينما كان تعقب أطوراها الأولى بالنقد قبل انقلاب عبود في الصحافة بشكل حصري.
أما مأخذي الأكبر فعلى فرضية سلمان أنه لم يكن أمام السودانيين سوى معارضة الاتفاقية. فضيق بذلك واسعاً. وبدا لي مما أعرف كفاحاً أن الحزب الشيوعي لم يكن ضد الاتفاقية. فلم يكن السد العالي في نظرهم مصرياً. كان، في سياقه المعروف، اختراقاً تحررياً معادياً للإمبريالية تهون لأجله كل تضحية. وهذا سياق أيضاً لفهم موقفنا من أزمة حلايب. فقد نأينا عن “شوفينية” عبد الله خليل ودعونا إلى التفاوض الجميل مع نظام مصر التقدمي واتهمنا البيه في سريرته الأمريكية. سمنا سذجاً أو قصيري النظر ولكن لا تسمنا متواطيئن جاهلين. ولو نظر سلمان في الفصل المعنون “النوبيون يقاومون الديكتاتورية” من كتاب “ثورة شعب” سيجد معنى التضحية لمصر بثه الحزب في أدبيات المقاومة النوبية للإجراءات المرتجلة المعروفة التي اكتنفت ترحيلهم. فلو حاسبنا سلمان في أمسنا بما عرف اليوم عن “جحود” مصر لوقع في محظور كتابة التاريخ بالعاقب.
ليس هناك من لا يثمن مداومة سلمان دور الوثائق وعلى النفقة الخاصة ليكتب أبحاثه النيرة. ولكن وجدته متى ما لم يعثر على وثيقة لجماعة ما تعارض الاتفاقية (وسنتجاوز وجوب المعارضة هنا) تحدث إلى أعضاء فيها ليعرضوا موقفهم بوثيقة أو عَدَّ صمت حزبهم كلاما. وبالطبع عكس سلمان هنا القاعدة الحقوقية: البينة على من إدعى واليمين على من أنكر. كما أن المؤرخ  ليس بحاجة إلى وثيقة ناصعة قاطعة مثل التي يطلب سلمان ليستنبط موقف الجماعات موضع النظر. فهناك بينات ظرفية ومُقَارِنة وحدسية تقع للمورخ من جماع تحليل وثائقه يخرج منها بفكرة، ولو مبهمة، عن المواقف يعلنها بالتحفظ المعروف. ومع ذلك لم يستنفد سلمان وثائق الشيوعيين المبذولة ليطلبها من عضويتهم. ف”ثورة شعب” المار فيه كما رأينا ما يمكن به، بعدم العثور على وثيقة قاطعة، تكوين فكرة عن موقف الشيوعيين من الاتفاقية. بل لم يظهر من شغل سلمان أنه غشي أكبر مستودع لوثائق الحزب الشيوعي في المعهد العالمي لدراسات التاريخ الاجتماعي بأمستردام. ونظرت قبل أيام في محفوظاته على الإنترنت ولم أجد الوثيقة القاطعة برأي للحزب الشيوعي في الاتفاقية. ولكن لابد أن من بين أوراقه، التي تبدأ من 1960، ما قد يصلح للغرض. فمثلاً هناك طبعة 1960 من الكتاب الأسود الذي واظب الحزب على إصداره كل عام عن سوءة الحكومة ربما حوى متعلقاً بالاتفاقية. والمهم مع ذلك وجوب أن يستنفد الباحث مثل هذا المستودع الفريد قبل القطع بشيء عن معارضة الشيوعيين أو تواطئهم.
ومرحباً بسلمان في النادي كما يقول الأمريكان.
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً