سودان بين الوعود والوعيد

للمؤرخ السياسي المصري عبد الرحمن الرافعي مقولة متداولة : (الوعد السياسي جرأة في الكذب ،جرأة في الاعتذار) خطاب كامل ادريس عقب تعيينه يطابق الشطر الأول من مقولة الرافعي عند محاكمته  بحيثيات التشكيل الحكومي. لكن الشطر الثاني من مقولة الرافعي  يصبح(جفول عن الاعتذار). فالتكوين الوزاري لا يدين كامل ادريس فقط بالحنث  في الوعد بل  بجريمة الكذب على الأمة.  فالسياسي ؛قائدٌ أو نظام يُحاكم  بنصوص عهوده و وعوده. السياسة في الأصل مبنيةٌ على الوعود المضمّنة في البرامج ،البيانات ،الخطابات والموازنات. التشكيلُ الحكومي يعري كامل ادريس من المصداقية أمام الشعب.فليس فيه ما يشي بالحد الأدنى مما وعد به من حرية في القرار أو تجاوز آفة المحاصصة. هو اصلا مدانٌ بتجاهل قضية الساعة السودانية؛الحرب والسلام .الآن سقط القناع. إدريس أحد أحجار رقعة النظام الانقلابي.وزراؤه نخبة مصابة باللهاث وراء المناصب . ليس في وسعهم الرهان على كسب ثقة الشعب  المتوهمة أو الجرأة على ممارسة الكذب.

******

وعود كامل ادريس مثلُ سخافةِ وعد ترامب إبان حملته الانتخابية باعادة العمال إلى مناجم الفحم .هذه صناعةٌ غادرت العصر إذ لم بعد الفحم مصدرا للطاقة في زمن الطاقة النظيفة .رغم تجاهله قضية الحرب والسلام فالوعد ألحق في خطابه هو إلغاء المحاصصة. بعد  شهرين إلا قليلا من التسكع خارج مهام المنصب بدأ كامل ادريس التشكيل الحكومي  (بالمفرّق). القطعتان الاوليان (مناولة)مكشوفة. ماصدر من وعود المستوزرين الجدد  فقاعات ملوّنة كلُعب الأطفال .فما من مشروع  قابل للتنفيذ في ظل انهيار الدولة وحطام آلياتها . ماتبقى منه الحطام في قبضة  الدولة العميقة. قوامها حراس مصالح رجال الانقاذ.لهم الخبرة والقدرة على ترويض الجهاز التنفيذي.التشكيل الحكومي المطبوخ بالترضيات يفرّغ  الحكومة من احتمالات تحقيق الوعود الكاذبة.  هذا واقعٌ متورم بأوبئة  يستحيل معها الرهان على تحقيق انجاز على الصعيد الوطني.على أفضل النوايا الحسنة تجد الحكومة نفسها تخوض معارك بين الوعود والوعيد.

*****

قبول ادريس  بحكومة يتم تشكيلها بالمناولة والمفرّق، مفرّغة من السلطات بدايات ارتضاء ممارسة  الاستربتيز السياسي الفاضح أمام  الجميع. الشعب كافة يدرك مسبقاً الفصول الهابطة  بعد العرض الأول . المشاهدون أسدلوا الستار ،أطفأوا  الأنوار  وغادروا القاعة. المهرجون والمستوزرون الجدد وحدهم  بقوا على الخشبة و المخرجون خلف الكواليس. المشهد مرتبك الإخراج ينبئ بأن الشعب لم يعد يترقب مزيدا من الوعود الكاذبة.  هذه الدورة الأخيرة  في بث الاحلام المجهضة عمدا مع كل الاصرار.  الاستبداد بالسلطة وسرقة  أرصدة الشعب واحلامه بلغت منحنى الانكسار . هذه مؤشرات موسم  التآكل من الداخل . هذه الطقمة أضحت ثمرة متخثرة  حتى بعد محاولات تجميلها  بشهادات اكاديمية. إن لم تسقط سيحرقها الشعب  الصابر  حتما عندما  يخرج من تحت الأنقاض ليحوّل الوعود الكذوبة  إلي وعيد في موسم المحاسبة .

*****

بغض النظر عن قوام الحكومة المعلنة وقدرات طاقمها فهي باطلة إذ أنها مبنية على الباطل.فالبرهان وإخوانه يعِدُون طوال ثلاث سنوات -هن الأقسى في تاريخ الشعب السوداني المعاصر – بنصر حاسم.هم لا يعلمون من غير الممكن تحقيق نصر في غياب بناء استراتيجي متكامل.كامل ادريس يعدنا رخاءاً اقتصادياً !كأنما لا يعلم من المستحيل بلوغ رخاء دون سلام واستقرار! الجدل العقلاني حسب توقيت الساعة السودانية محوره سباق بين الانفراج السياسي واخماد نار  الحرب. كم هو مؤسفٌ لهاثُ حملة سندات تأهيل علمية إلى كتلة الاستبداد والفساد واللامبالاة زمن الحرب .  الخيار الوطني الجدير بالاحترام  هو الانحياز إلى  معسكر  الحالمين بالحرية والتغيير  والديمقراطية. لكن  لهاث الجرذان يحدث تحت حمى  شبق الافتتان بالسلطة  والامتيازات الزائفة واغراءات المال السياسي! جميع الساسة الهواة لا يدركون أن العلاقة  بينهم وبين الشعب تبدأ  بالاداء بعد استلام المناصب، ليس قبل بمنظور الرصد والمحاسبة .

*****

الأحلام الشخصية تقود أحيانا الشعوب إلى تجارب مأساوية.جعفر النميري ومعمر القذافي رأيا عند العتبات  الاخيرة  من ستينيات القرن الأخير في جمال عبد الناصر الأوزة  الطائرة فحاولا اللحاق بها دون بوصلة . العقيدان جعفر ومعمر قدما للسودانيين والليبين باقات من الوعود الزاهية على دروب البناء والتقدم والازدهار. لكن الشعبين  السوداني والليبي لم يخسرا ماضيهما الجميل فقط بل استنزفهما العسكريان أجيالا من الدم والمعاناة والبؤس  .الرئيس المصري الراحل أنور السادات روّج لشعبه اتفاق كامب ديفيد على أطباق ملؤها وعود بالرخاء والرفاهيه .(القطط السمان ) وحدها التهمت حتى بشمت عناقيد مصر  . السادات -على روحه الرحمة-لم يجرؤ على الاعتذار  من المصريين  ولو على حياء كما رأى الرافعي.الترابي وإخوانه -عسكر وحرامية- وعدوا السودانيين بالطهر والنماء والرفاهية.لكن الشعب شهد في عهدهم كافة أشكال الفساد والرذيلة والتخلف. المطالبة باعادة الحال على ماكان قبل الانقلاب تعبير يفصح عن موقف سياسي  بليغ أكثر من كونه  طرفة شعبية ساخرة.

*****

ترامب خاض حملته الانتخابية ملوحًا بأربعة وعشرين وعداً، تراوحت من إبعاد الرجال عن الرياضة النسائية مرورا بتنظيم أكبر حملة ترحيل جماعي إلى ماوراء الحدود انتهاءً بجعل اميركا عظيمة. ها هو  يخوض حروبا في الداخل  والخارج بكل العتاد العسكري بما فيه القنابل  الثقيلة و  بالمغامرات الحمقى وبالكلمات الحارقة  وبالرسوم الجمركية ولمّا ينجز  بعد نصف الوعود.لأنها كما قال الرافعي جرأة في الكذب . ترامب يجسد صورة مضخمة للسياسي صاحب الوعود البراقة  الزائفة.ذلك ليس هو التحدي إذ محور القضية هو كيفية الوفاء بالوعود أو على الأقل ابتكار طرائق مقنعة للنكوص عن تنفيذها!موقف كامل ادريس وطاقمه الوزاري يزداد تعقيدا ليس لافتقاره فقط إلى آليات الوفاء بالوعود او القدرة على الاقناع بالاخفاق .بل لأنه يصعد بينما بوادر عاصفة تبدو في الآفاق من جهات متعددة .ربما تبدو على إيقاع خافت لكنها تهب حتماً!

نقلا عن العربي الجديد

aloomar@gmail.com

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

السودان وإيران في مرايا التاريخ

بقلم عمر العمرنقلا عن العربي الجديدaloomar@gmail.com في مرايا التاريخ كثيرٌ من المشاهد ذات الملامح المتشابهة …