“السودانوية المتجددة”: من تنوع الوحدة إلى وحدة التنوع
عاطف عبدالله
إذا كان الجزء السابق قد ركز على “المعادلة الفلسفية” للهوية السودانوية، فإن هذا الجزء يغوص في العمق الثقافي والاجتماعي، حيث ننتقل من التنظير السياسي إلى مفهوم “ديمقراطية الثقافة”، وهو الجوهر الذي يمنح السودانوية معناها الإنساني الشامل.
أولاً: نقد “عقلية المتجر الأوحد”
لقد عانى السودان طويلاً من سياسات نخب قصرت تعريف الهوية في نمط أحادي، وهو ما يمكن تشبيهه بصاحب متجر ضخم يملك سلعاً متنوعة ومبهرة، لكنه يصر على عرض سلعة واحدة فقط لزبائنه، تاركاً بقية بضاعته لتكسد وتفسد. إن “السودانوية المتجددة” تدعو لفتح أبواب هذا المتجر على مصراعيها، ليس فقط للاعتراف بالتنوع، بل لحمايته وتطويره كفعل إرادي.
ثانياً: الثروة السودانية الكامنة
إن الثقافة، بتعريفها الشامل الذي يضم العادات والفنون والمعارف الروحية، تتجلى في السودان عبر لوحة فسيفسائية مذهلة:
- من غناء “الجراري” و”التوية” و”المشكار” في الغرب
- إلى طقوس “الحصايا” ومهرجان “الزكري” للاحتفال بالحصاد و”النفير” لدى مواطني شرق السودان.
- إلى “يوم الفزع” عند أهل السافل وثقافة “الأورتي” التاريخية لدى أهلنا في أقصى الشمال.
- وصولاً إلى “الكنداكة” و”الدوبيت” و”الجرتق” و”قطع الرحط” التي تميز وجدان الوسط.
هذا التنوع الثقافي واللغوي والإثني يجب ألا يكون مكمن ضعف، بل هو الثروة الحقيقية التي ينبغي أن تُستغل لبناء أمة تتجاوز القوالب الجاهزة والمعلومات المعلبة التي أدمنتها النخب القديمة.
ثالثاً: نحو ديمقراطية ثقافية شاملة
إن الهدف الأسمى لهذا الطرح هو الوصول إلى “ثقافات ديمقراطية متمايزة ومميزة”. وهذا يتطلب منا:
- البحث عن الجمال: استكشاف القيم الإنسانية في الأدب الشعبي في الغرب، وقيم البطولة والفراسة في أدب الشمال النيلي.
- تثمين الأصالة: تذوق فنون الزينة والرقص عند سكان الشرق، والحكمة والحنية في كلمات وأشعار وغناء أهلنا في الشمال، والأصالة التاريخية عند الجنوب، وآداب وفنون مناطق التماس والتعايش في كل حدود السودان المتداخلة مع سكان دول الجوار.
- رفض الاستعلاء: الإقرار بأن أي محاولة لقمع ثقافة الآخر أو حجبها هي مكمن ضعف قاتل للهوية الوطنية برمتها.
رابعاً: الانتماء الوطني المشترك – من الهوية المجزأة إلى المواطنة الكاملة
إن أزمة الهوية في السودان لم تكن يوماً أزمة طبيعية أو قدرية، بل هي نتاج سياسات متعاقبة استثمرت في التفرقة وجعلت الانتماء الوطني رهينة للولاءات الضيقة. ولهذا، فإن بناء الانتماء الوطني المشترك لا يعني إلغاء التمايزات الثقافية، بل يعني تحويلها من مصدر انقسام إلى مصدر تكامل.
- المواطنة كقيمة عليا
الانتماء الوطني الحقيقي لا يُبنى على أساس الانتماء الدموي أو الإقليمي، بل على أساس المواطنة – تلك العلاقة العقدية التي تجعل كل فرد شريكاً في الوطن بغض النظر عن أصله أو لغته أو ثقافته. إن المواطنة الكاملة تعني أن يكون السوداني في دارفور مساوياً للسوداني في بورتسودان، وأن يكون السوداني في كردفان شريكاً كاملاً للسوداني في الشمالية، لا فرق إلا بالعمل والإنتاج والولاء للوطن.
- الذاكرة الوطنية المشتركة
لطالما سُردت تاريخ السودان من زوايا ضيقة، حتى أصبح لكل مجموعة “تاريخها الخاص” و”بطولاتها المنفردة”. إن “السودانوية المتجددة” تدعو إلى بناء ذاكرة وطنية مشتركة تجمع بطولات كل السودانيين في سرد واحد: من مقاومة المهدية إلى ثورة أكتوبر، من انتفاضة أبريل إلى ثورة ديسمبر، من بطولات الجبهة الشرقية إلى صمود دارفور. إن تاريخ السودان ليس ملكاً لفئة دون أخرى، بل هو تراث إنساني مشترك يجب أن يُدرَّس ويُحتفى به من كل الزوايا.
- الفضاء العام السوداني
إن الانتماء الوطني يتجسد في الفضاء العام – تلك المساحة التي يتقاطع فيها السودانيون من كل الأقاليم والثقافات. إن “السودانوية المتجددة” تدعو إلى تعميق هذا الفضاء عبر:
- الفنون الوطنية المشتركة: دعم إنتاجات فنية وسينمائية وموسيقية تعبّر عن التنوع السوداني بأسلوب يجمع لا يفرّق.
- الرياضة الوطنية: جعل الرياضة، وخاصة كرة القدم، منصةً للتلاحم الوطني بعيداً عن الانتماءات الضيقة.
- المناسبات الوطنية: إحياء مناسبات وطنية حقيقية تعبّر عن تعدد السودان ووحدته في آنٍ معاً، كيوم للتنوع الثقافي أو مهرجانات وطنية تجوب كل الأقاليم.
- العدالة المكانية
إن أحد أهم مظاهر الانتماء الوطني هو العدالة المكانية – أي أن يشعر كل سوداني بأن وطنه لا يقتصر على قريته أو مدينته، بل يمتد من حلفا الجديدة إلى نمولي، من دنقلا إلى كسلا. وهذا يتطلب:
- توزيعاً عادلاً للثروة والتنمية بعيداً عن المركزية المفرطة.
- تمثيلاً حقيقياً لكل الأقاليم في مؤسسات الدولة.
- احتراماً للغات المحلية إلى جانب اللغة الوطنية المشتركة.
- ضماناً لحرية التنقل والإقامة في أي ركن من أركان الوطن دون تمييز.
- الشباب كحاملين للانتماء الجديد
إن جيل الحرب والتشتت هو أيضاً جيل يملك فرصة إعادة تعريف الانتماء. إن الشباب السوداني، بعيداً عن برامج النخب القديمة، يمتلك القدرة على بناء انتماء وطني جديد قائم على:
- التفاعل الرقمي: استخدام وسائل التواصل لبناء شبكات وطنية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
- المبادرات الشبابية: دعم المبادرات التي تجمع شباباً من كل الأقاليم في مشاريع مشتركة.
- التعليم النقدي: تعليم جديد يُنمّي الوعي بالتنوع السوداني ويجعله مصدر فخر لا مصدر خوف.
خلاصة الجزء الثالث
إن “السودانوية المتجددة” تسعى لنقلنا من حالة الصراع بين المكونات إلى حالة التكامل؛ حيث يشعر كل سوداني بأنه ليس ضيفاً في وطنه. إنها دعوة للإيمان بأن ديمقراطية الثقافة هي السبيل الوحيد لخلق “ثقافة سودانية” تحتوي كل سمات هذا المجتمع المتعدد، وتكون رافداً إيجابياً في الثقافة الإنسانية العالمية.
إن الانتماء الوطني المشترك ليس شعاراً فارغاً، بل هو مشروع يومي يُبنى بالعدالة والاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر. إنه ذلك الشعور الذي يجعل السوداني أينما يكون، يقول بثقة: “أنا سوداني، وهذا يكفي.”
وإلى جميل الملتقى في الجزء القادم (الرابع): خارطة الطريق الإجرائية – كيف نترجم “السودانوية المتجددة” إلى واقع دستوري وإداري ولغوي؟
atifgassim@gmail.com
