حين تصطف موائد إفطار رمضان في الساحات والشوارع السودانية، لا يحتاج المرء وقتًا طويلًا ليعرف من يتصدر المشهد، هناك طبق واحد يكاد لا يغيب عن “البروش”، العصيدة… سيدة الرصّة والمنصّة.
في كل رمضان، تصبح مقاطع الإفطارات الجماعية “البروش” في أحياء السودان نافذتنا نحن المغتربين على الوطن. أتابعها بشغف خاص؛ أفتش في التفاصيل الصغيرة عن روائح المائدة الرمضانية المألوفة: بخار العصيدة، ومزيج الحلو مر والليمون، وعبق البليلة، وعن الأصوات التي تسبق الأذان في الحي، وعن تلك الصواني التي تصطف الساحات وفي الشوارع قبيل المغرب. وفي كل مرة، تتصدر المشهد صورة مألوفة: العصيدة، ثابتة في مكانها، كأنها لا تعرف الغياب.
في الغالبية الساحقة من “بروش” الإفطار الجماعي، تتوسط العصيدة المائدة، بينما يتراجع الخبز أو يكاد يختفي. هذا الحضور المتكرر منحها بجدارة لقب “سيدة الرصّة والمنصّة”؛ فهي أول ما تقع عليه العين، وآخر ما يمكن الاستغناء عنه. وليس ذلك قاصرًا على الداخل، فحتى في بلدان الاغتراب، حيث تختلف العادات وتتعدد الخيارات، تظل العصيدة حاضرة، تقاوم الذوبان في ثقافات الطعام الجديدة.
لكن حضور العصيدة ليس مجرد عادة اجتماعية أو إرث رمضاني عابر؛ إنه شاهد حي على براعة أجدادنا في تطويع خيرات الأرض وصناعة وجبة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها. لقد أحسنوا استثمار الذرة والدخن، فحوّلوهما إلى غذاء متوازن، قليل الكلفة، عالي الفائدة، فصمدت العصيدة عبر الأجيال، وتجاوزت تغير الأذواق وأنماط الحياة دون أن تفقد مكانتها.
وتكتمل المائدة الرمضانية السودانية عادة بأطباق مكملة مثل البليلة بأنواعها المختلفة من العدسي والحمص “الكبكبيك” وعيش الريف وغيرها من الأصناف المحلية ذات القيمة الغذائية الجيدة والتكلفة المنخفضة. ومع إضافات بسيطة كالبصل أو زيت السمسم، يمكن أن تتحول المائدة إلى وجبة متكاملة تجمع بين الفائدة والبساطة.
غير أن هذا الحضور الطاغي يطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا بقيت الذرة والدخن — وهما عماد العصيدة — محصورتين في هذا الطبق تقريبًا؟ وكيف لم ننجح في توسيع دائرة الاستفادة منهما، إلا في نطاق محدود ونادر، رغم ما تتيحه من إمكانات غذائية وصناعية أكبر؟
حبوب الذرة والدخن قادرة على الدخول في صناعة المخبوزات والمنتجات الغذائية الحديثة، ومنذ سنوات طويلة، طوّر معهد أبحاث الغذاء بجامعة الخرطوم وصفات مبتكرة لمخبوزات قائمة على الذرة والدخن، كما نجحت تجارب في جامعة الجزيرة في إنتاج خبز جيد من الذرة. غير أن هذه الجهود بقيت في نطاق المعامل، ولم تجد طريقها إلى الإنتاج التجاري بسبب غياب الدعم من المؤسسات الرسمية او الشركات الخاصة.
وفي المقابل، شهدت السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في الاعتماد على القمح، حتى أصبح هو المهيمن على المائدة. وعلى الرغم من استخدامه الواسع، تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن بعض أصناف القمح ، وخصوصًا المعدلة وراثيًا، قد ترتبط بمخاطر صحية، فضلًا عن العبء الاقتصادي الكبير؛ فقد استورد السودان في عام 2019 نحو 2.7 مليون طن من القمح والدقيق بقيمة قاربت 1.1 مليار دولار، بينما لا يغطي الإنتاج المحلي سوى جزء من الاستهلاك.
من هنا، لا تبدو الدعوة للعودة إلى الذرة والدخن مجرد حنين للماضي، بل خيارًا صحيًا واقتصاديًا واقعيًا. إعادة الاعتبار للعصيدة وحبوبنا التقليدية تعني تنويع المائدة، تخفيف الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز ثقافة غذائية أقرب إلى بيئتنا وإمكاناتنا. وفي النهاية، تبقى العصيدة أكثر من مجرد طبق رمضاني؛ فهي رمز لعلاقة السوداني بأرضه ومحاصيله، وجسر يربط بين الماضي والحاضر، بين الوطن والمهجر، ودليل على أن في تراثنا الغذائي حلولًا عملية يمكن أن تخدم حاضرنا كما خدمت ماضينا، وتؤكد العصيدة أن بعض القيم والأشياء في وطننا لا تفقد حضورها أبدًا.
محمد عمر
mohd0019@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم