سيدي الحسن في كسلا … بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

aibrahim@abdullahi4president.com

 

1- خرائب الختمية

كنت في كسلا في نهاية الأسبوع الماضي أحضر تخريج بنتنا هديل الهادي من كلية طب جامعة المدينة. وبالطبع لم أتمالك إغراء زيارة آثار الختمية للمرة الأولى. فلم أر كسلا من قبل إلا "غشوة" عام 1990 قي طريقي إلى حلقة دراسية بمدينة سنكات. لكني كتبت عام 1980 أو نحوه عن سكنى كسلا وجداني. فقلت في كتابي "عبير الأمكنة": (أي شاعر لم يغر بكسلا؟ ولم أسعد بعد برؤية كسلا. ولكوني ابن ختمية متطرفة فكسلا مع ذلك هي المدينة التي لم أفارقها شبراً". وكان ذلك في مناسبة فراغي من قراءة كتب أرسلها لي الأستاذ عبد المنعم الجزولي من انتاج مكتب الثقافة والإعلام بالمدينة عن مأثورات البجة والشكرية والنوبيين. وسميت هذه الجماعات المهيبة ب"وعول كسلا".

خرجت أزور مسجد سيدي الحسن أبو جلابية وضريحه. ولم أتوق حتى كمؤرخ لرؤية المسجد خراباً كما تركته المهدية حين ضيقت على الختمية ليذعنوا لها. وجدته بلا سقف مقلياً في خرابه. ولكنه مع ذلك ناهض كالفرس فوق قوائمه من الأعمدة الكثيرة المهيبة التي تشبه غابة من التبلدي الأشم. ولست أعرف سر احتفاظ الختمية بمسجدهم العتيق على حاله من الخراب. ولكنهم ارادوا أو لم يريدوا جعلوه فينا أثراً لا لبيت عريض من بيوت الله فحسب بل شاهداً للفجور في الخصومة السودانية التي لا قداسة معها للمعاني أو المباني.

ولم يقف العدوان على الختمية عند المسجد. فشواهد العدوان على هذه الرقعة الصغيرة من عتبات الختمية المكرمة تترى. ففي طريقنا لضريح سيدي الحسن نبهني مرافقي إلى أرض على اليمين في طريق الصعود للجبل قال إنها كانت للسيد علي الميرغني وورثته. صادرتها الأنقاذ عقاباً لإبي هاشم على معارضته الباكرة لها ووزعتها في المزاد للراغب والمستطيع. وهذه الأرض هي ضمن ممتلكات أخرى يفاوض أبو هاشم في ردها له تنفيذاً لإتفاقية القاهرة. وأسعدني أن اسمع أنه حرّج على وكلائه أن لا يزعجوا أهل المزاد عن حيازتهم حتى يتفق للحكومة تعويض مناسب.

ولم يقتصر العدوان على حرم الختمية على الحكومة. ولم اذكر من عدوانها استيلاء وزارة السياحة على بئر توتيل وتحويله إلى "نقاطة" للحكومة. والذي لاخلاف عليه أنها حيازة ميرغنية ورمز ختمي. فبجانب الحكومة ناشت جماعات مدنية ذلك الحرم أيضاً. فقد قرأت قبل أعوام في الصحف رسالة من قاريء من كسلا يشكو استفزاز أنصار السنة المحمدية (الوهابية) لعقيدتهم من فوق مئذنة مسجد وهابي بالختمية. وكتبت في (الصحافي الدولي) أهيب بأنصار السنة أن يكفوا عن الضرار والضوضاء بالدعوة  إلى سبيلهم بالحكمة والموعظة الحسنة رأفة بأهل عقيدة مغايرة وتقوى مختلفة. سألت مرافقي في الحرم الختمي أن يدلني عن المسجد "الضرار". فقال إنه صار ثلاثة مساجد ووصفها ب "الخامسية" أي أنها ابتدعت مذهباً لم يطرأ للسلف من واضعي المذاهب الأربعة.

يقف هذا الحرم الختمي شاهداً في التاريخ والحاضر على نفي الآخر المخالف. رأيت في هذا الحرم (الذي مقداره لا يزيد عن نصف ميدان كرة قدم) عدواناً على المواطنة الثقافية وإثما في حق جماعة عزيرة مهابة. وتساءلت عن صنوف العدوان التي تقع على المواطنات الأصاغر في كل يوم وتضيع مسألتها بين الأقدام. فبدلاً من إدارة الخلاف أنفقنا عمراً طويلاً ننفخ في كيره نحاول محو الآخر من كتاب السودان. ولم تمنعنا الخيبة في تحقيق هذا المأرب من التكرار والإعادة.

لم تنته خاطرتي عن "خرائب" توتيل عند هذا الحد. فعن لي أن أقدم بها لمحاضرتي لمنتدى "شروق" بالقضارف عن "الوطنية هي الحل" صباح الجمعة. ونواصل غداً بإذن الله.         

 

2-شوف الخيرة يا رمالي: قانون الأمن

قلت أمس أنني زرت مقام الختمية بكسلا. ووقفت على صور الطعن في أمنهم الثقافي الذي هو أساس المواطنة. فقد هدمت المهدي بيعأ (جامع سيدي الحسن) يذكر فيها اسم الله. وصادرت الإنقاذ أرضهم كما ذكرنا. وبنى عند المقام مساجد  ضرار تزبد ميكرفوناتها ضد الممارسة الصوفية وتقواها. وهذا عدوان كبير على وطنية الختمية السياسية والثقافية. فهم في نظر عداتهم خونة للوطن أو للإسلام. وجعلت من هذه الخاطرة من كسلا مدخلاً لمحاضرتي عن "الوطنية هي الحل" بمنتدي "شروق" الغر بالقضارف.

لم تترك صحف صباح نفس يوم المحاضرة متسعاً لخاطرتي عن الوطنية أن تهجع.  فقرأت فيها للسيد قطبي المهدي يحذر أن معارضيّ الإنقاذ لن يتوانوا من التعاون مع إسرائيل للنيل من الإنقاذ. وهذه كبيرة من رجل أحسنا الظن في مروءته الفكرية. فهي من نفس مادة التخوين الناسفة التي تركت "خرائب" الختمية الموصوفة. و يروج لهذه الكبيرة في "آخر لحظة" الهندي ب"سينايو الخيانة" وأبو العزائم ب"سيناريو الفوضى". ولم أر من أبعد النجعة في هذا المضمار مثل الدكتور عبد الله زكريا، السياسي المخضرم، الذي قال لا يترشح ضد البشير إلا خائن. وطلعنا الدكتور خونة لا أيدنا لا كراعنا.

أشك في كسب الإنقاذ من هذا النزع الإجمالي لرتبة الوطنية من الخصوم. فهو يعيدها لمربعها القديم من الوسوسة في وطنيتهم الذي أنبت خرائب بيوت الأشباح المنكورة أو المٌتَغافَل عنها. ولا أدري ما نفع الإنقاذ من هذا التبخيس لوطنية الخصوم  في وقت تتزين فيه لتعود للحكم عبر الإنتخابات التي التزمت بها لرد الأمانة للشعب. فشغل التخوين باطل إلا إذا أرادت تحويل الإنتخابات إلى فيلم كابوي بين بطل وخائن.

وربما كان المشروع الأكثر خسارة من سيناريو التخوين هذا هو مشروع الأمن الوطني. فالإنقاذ تريد منه منح جهاز الأمن سلطة اعتقال من يشتبه في ضلوعهم في مؤامرة ضد البلد. وتستغرب الإنقاذ لخصومها الذين يعارضون هذه المادة من المشروع ناسية أنهم لم يضوقوا مجر الحبل المشهور من مثل هذه السلطة بل دبيب الثعبان نفسه. ومنهم من ضاق لسع أفاعي الاعتقال التحفظي منذ عهد الفريق عبود. وبالطبع ليس في رصيد الإنقاذ من استخدام هذا الإجراء ما يؤمن خائفاً. 

تقتضي المصلحة العليا للبلاد أن نناقش مشروع الأمن الوطني ومادة الاعتقال فيه بعيداً عن التلويح بالتخوين حتى لا يكون ترويعاً بالتشريع. فلم يسرني مثلاً أن يضرب لنا مؤيدو حق الاعتقال مثلاً لسلطة الاعتقال بقوانين في كوبا واليمن وأثيوبيا. فنحن أفضل من ذلك بكثير أو ينبغي أن يكون. ففي الولايات المتحدة يؤمن دستورها حتى للمواطن السجين أو رهن الاعتقال المشروع أن ييتقدم بعرضحال اسمه "هابياس كوربس" لتنظر المحكمة إن كانت الحكومة تسجنه أو تعتقله على بينة.واستفاد من هذا الحق معتقلو قوانتاناموا بعد لأي.

 كما لايجوز في عصر "ثورة المعلومات" أن يسخر ساخر من أن تجريد جهاز الأمن من سلطة الاعتقال سيجعل منه وكالة سودان للأنباء أو يحوجه إلى وداعية ترمي الربل لقبض الخائن. فأخطر منظري سلطان القوة في عصرنا هو الفرنسي ميشيل فوكيه الذي جعل عنوان كتاب له "المعرفة-شوكة". وفي الواقع أعجبت بآخرة بجهاز أمن نميري حين عرض قسمه الاقتصادي على المحاكم بينات وافية عن المزورين والمطففيين. ولكن ضاع كل ذلك حين جعل الجهاز نفسه حامياً لنميري لا للوطن. وربما استفدنا من انهيار نظام نميري وحل جهازه الأمني درساً غير مجرد ارتجال الثوار: الدرس هو سلطة الاعتقال لا تغنى من قدر الحق شيئاً حين يأزف 

 

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

“حميدتي” للبرهان: أبيتها مملحة تأكلها قروض

عبد الله علي إبراهيم كان الدمج في القوات المسلحة كفراً في عقيدة دقلو فلم يتصالح …

اترك تعليقاً