د/ أوشيك آدم علي
يجهل كثير من السودانيين، ولا سيما سوادهم الأعظم من المثقفين، الكثير عن البجا ثقافة وتاريخا، وكل ما يعرفونه ربما لا يتعدى القائد عثمان دقنة، بالرغم أن سيرة هذا البطل ومجاهداته شابها، وللأسف، كثير من الاختزال والتطفيف. هذا موضوع آخر وليس هنا مكانه في الوقت الحاضر.
موضوع هذه المقالة أن أبناءنا (البجا) في مواقع تواصلهم الاجتماعي تداولوا سيرة الشاعر البجاوي الكبير محمود الفلج، وأحببت أن أدلي بدلوي بهذه الاضافة البسيطة التي ربما تساعد في توثيق حياة هذا الشاعر والفارس البجاوي الكبير محمود الفلج. وربما تساعد أيضا في تنوير كثير من السودانيين الذين يجهلون الكثير عن اسهامات البجا وثقافاتهم.
ولعل أهم ما ترصده سيرة هذا البطل الفذ هي نصوص الشعر البجاوي الرصين بينه وبين أمه، في ملحمة سياسية ثقافية من الطراز الأول. وكان هذا الشعر سببا في تخليد سيرته على مر الدهور.
كتبت نصوص الشعر بالحرفين العربي واللاتيني لدقة النطق وسلامته، ولتمكين غير الناطقين بالبداوييت (البجاوية) لقراءتها. ومن خلال هذه السانحة أود أن أتقدم بالشكر الجزيل لأخي الكريم الباشمهندس محمد دين طاهر الذي أمدني ببعض أشعار الشاعر.
مدخل
يعد الشاعر محمود الفلح من طبقة فحول الشعراء البجاويين، بالرغم من إنه كان شاعرا مقلا، أي قليل الشعر، وذلك قياسا بشعراء بجاويين عظام أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، أمثال أبوعلى قويلاي أور، على هوجر، هيكولي أور، أدراي، عيساي أور، وهدأ موسى، على سبيل المثال لا الحصر.
بالرغم من ذلك فهذا لا يأخذ عليه، إذ أن الأعمال الأدبية تقاس بالنوعية وليس بالكمية. فشعراء مثل أبي القاسم الشابي والتيجاني يوسف بشير لم يكونوا غزيري الإنتاج، فضلا أنهم لم يعمروا طويلا، وبالرغم من ذلك فهم خلفوا إرثا أدبيا رفعيا. وإن ذكر الشئ بالشئ لا بد أن نشير إلى الأديب العالمي الطيب صالح الذي فقز إلى العالمية برواية واحدة ألا وهي موسم الهجرة إلى الشمال.
موطن الشاعر ونسبه
ينتمى الشاعر محمود الفلج إلي قبيلة البشاراياب (هدندوه) من ناحية الأب، والعيساياب ألياب (أمَّارْأر) من ناحية الأم. يقال أن موطنه هو منطقة تألفلج (تهاميم) وما حولها، وهي المناطق التي تسكنها قبيلة والده.
شعره
أكثر ما خلد هذا الشاعر، كما قلت سابقا هو شعره. وأغلب ما وردنا من شعره هو ما قاله أثناء اعتقاله وتعذيبه حتي الموت بسواكن على يد المستعمر الانجليزي.
ولكن هذا الشعر اتصف بقوة الكلمة وصدق المحتوى وثبات العزيمة وعدم التزحزح عن المبدأ، بالرغم من التعذيب والتنكيل، وهذا ما خلد شعره وجعله ساريا على ألسنة الناس إلى يومنا هذا.
اعتقاله
من سياق سيرة الشاعر يُستشف أنه كان يعمل مرشدا أو دليلا للقوافل التي تسير بين سواكن وكسلا وربما بربر أيضا.
وفي إحدى الأيام كلفته السلطات الاستعمارية في سواكن مرافقة بعض الإداريين الإنجليز، ربما إلى كسلا كدليل. وأثناء سفرهم أمسى عليهم الليل في منطقة بالقرب من موطنه حيث تقيم خطيبته.
وعرض على الخواجات أن يبيتوا ليلتهم هنا، ثم يستأنفوا الرحلة في الصباح الباكر. وكان يقصد بهذا الإقتراح أن يذهب في زيارة إلى خطيبته ثم يعود في نفس الليلة. ولكن الخواجات اصروا على مواصلة السفر.
وتلاسن مع واحد من الإنجليز الذي تميزت لهجته بالعجرفة والتعالي حتي أدى ذلك إلى عراك بينهما مما تسبب في جروح بليغة للانجليزي توفي إثرها بسواكن.
واعتقلت السلطات شيخ أو عمدة القبيلة وأخبرته بأنه سيظل رهين الحبس إن لم يسلمهم محمود الفلج. وعندما أخبر محمود بما جري لشيخهم ذهب طواعية وسلم نفسه للسلطات، ومن هناك أودع بسجن سواكن، سيئ السمعة.
تعذيبه
ما ميز الحكام الإنجليز في تلك الايام أنهم كانوا من حملة الشاهدات من جامعات اكسفورد وكيمبردج، وقبل ابتعاثهم للعمل في المستعمرات لأداء مهامهم الادارية، كانوا يتلقون تدريبا مكثفا في شتى فروع العلوم والإدارة، بما في ذلك علم النفس.
لذلك فالمجموعة الحاكمة في سواكن كانت من هذه النوعية وعلى دراية تامة أن الجري أمام الناس هو عيب في الثقافة السودانية، ولا سيما البجاوية. لذلك حاولوا أن يستغلوا هذه الناحية في التعذيب النفسى للشاعر، ولاسيما إنهم لمسوا فيه أنه إنسان عزيز النفس مباه بكبريائه. ومنذ الوهلة الأولي حاولوا أن يكسروا فيه هذا الكبرياء وأن ينالوا من شخصيتة الأبية.
ما أود أن أشير إليه أن هذه الأحداث وقعت في الصيف، وتمتاز سواكن في منطقة القُنُبْ (منطقة ساحل البحر الأحمر) في تلك الأثناء بجو حارقائظ رطب، عكس منطقة الأوليب (خلف سلسلة جبال البحمر الأحمر) ممطرة ومعتدلة الجو.
وفي إحدي الأيام وبينما هو في سجنه هبت علية نسمة باردة في الصباح الباكر، شئ غير متوقع في سواكن في تلك الأيام. هيج هذا فيه بعض الأشجان، وتذكر خطيبته، فقال:
يونقوليت أقوريتيب
yongowaleet agwreeteeb
هيئيب أولواويب
hay’eeb ulwaaweeb
كسب أودآش كرومت لِئين
kisib uudh’aash kiroomt l’iini
وهبسي فوريب إنافون
whabsi fuureeb enaafuun
المعني:
إذا هبت علينا هذه النسمة الباردة (دآش – الدعاش هو نسيم رقيق محبب للنفس) في السجن الحار الرطب في سواكن، فلا شك فهي ألطف وأكثر برودة في يأقوليت وشعاب هيا.
رمزية النسمة الباردة ليست هي المقصودة في حد ذاتها، وإنما المقصود هنا محل إقامة الحبيبة، ولكن النسمة هيجت في نفسه مكامن الحب والشوق. وهذا مماثل لقول عبد الله بن عبيد الله الخثعمي في قصيدته الغزلية المشهورة:
الا يا صبا نجد متى هجت من نجد
لقد زادني مسراك وجدا على وجد
بعد هذا الأبيات اشيع بين الناس في سواكن أن الشاعر لانَت عريكته، وأنه إنكسر بسبب الاعتقال والتعذيب.
وعندما بلغ أمه ما ذُكر على ألسنة الناس سافرت إليه وقابلته في السجن وحذرته من الانكسار والجبن قائلة له في أبيات مشهورة يحفظها غالبية البجا:
أوتك أميمشو قالو
u
وتك أميمشو قالو
uutak umiimashu gaalu
أفالا قدابا
afaala gudaaba
باشوكيتما ديتوك
baashookiitama detook
هنن أورون تكتييك
hinin ooroon tikatyeek
المعنى:
إن الإنسان يموت مرة واحدة ويقبر في قبر لوحده ويظل منسيا إن لم يترك سيرة حسنة واعمالا جليلة بين الناس. لذلك أوصيك بالثبات وعدم الجبن إن كنت حقا إبني ورضعت من ثديي.
مراحل التعذيب
بدأت مراحل التعذيب بالضرب بالسوط الذي يقوم به الإنجليزي بنفسه، وكل ما ضربه سوطا يقول له معليش… معليش، حتي سُمي الخواجة بمعليش.
أثناء هذا التعذيب تذكر الشاعر وصية أمه وأرسل لها الرسالة التالية شعرا:
أوكرباجي ناففييوا
ukurbaji naafafyeewa
أوتئي راب تبرقيتيت
odh’i raab tabragetiit
راتييهيب أنيب وهالو
raatiiyheeb aneeb whaalu
أوري ماليش أنيويك
oorya maaliish aniiweek
المعنى:
إذا كان الخواجة يلوح لي بسوطه يريدني أن أتزحزح عن ثباتي خوفا من الضرب ويريدني أن أتوسل إليه راجيا أن يكف عن ضربي فإنه مخطئ في ذلك، فاسأليني عن حالي إن مكَّنت معليش من كسر عزيمتي.
وبعد فترة جاء إليه واحد من أقربائه يزوره في السجن وقال له: أن معليش (الخواجه) يقول إنه سوف يضربك ضربا مبرحا يجعلك تجري من شدة الألم. فرد عليه:
تابات إدييك أكات تيدنا
thaab’at edyeek akaat tiidna
يمكن قدرمتي
yemkin gaddaramti
دابست إدييك أكات باكينا
dhaabsat edyeek akaat baakaayna
إكيت باديت هديدي
iikta baadiit hadiidya
المعنى:
إذا قال إنه سيضربي فإنه يتحدث عن شئ قد حدث في الماضي، وقد يتكرر لاحقا، ولكنه إن قال إنه سوف يجعلني أجري خوفا من الضرب فإنه يتحدث عن شئ لم يحدث في الماضي ولا يمكن حدوثه في المستقبل.
وعندما أدرك الإنجليز أن الضرب لن يجدي مع هذا الشخص العنيد لجأوا إلى تعذيب نفسي آخر، وهو أن أحضرو له حبيبته في السجن وقالوا له إننا سنطلق سراحك إن رضعت ثديها فقال لهم:
شبان أكيفري
shibbaan ukeefri
أودء ابيسييكو
oodh’a ubiisayikwi
آمناب أيفوا لمدا تك
aamnab uyafo limda tak
كك أنقويب برين
kak oongweeb bariini
المعنى:
تبا لهذا الكافر الذي اصفرت أسنانه لعدم السواك، وما أتعسه وما أجهله، كيف يريد من شخص تعود على تقبيل آمنه في فيها أن يرضع من ثديها.
ومرة أخرى عندما لم يأت هذا الاسلوب بالنتيجة المرجوة حاولوا أن يذلوه أمام الناس.
لهذا الغرض جمعوا الناس في حي اللَّيْلَيْ بسواكن، وكان من الأحياء البرجوازية الراقية بالمدينة وتسكنه علية القوم. ونودي في سكان المدينة أن احتشدوا لمشاهدة الحدث العظيم.
وعندما احتشد الناس جيئ به مكبلا بالأغلال وتنهال على ظهره السياط، وهو يمشي بتؤدة وتثاقل، وقالوا له إن جريت سنطلق سراحك، وكان يمشى مشيته البطيئة، غير مبال بحديث الخواجة.
وكان بين الحضور عمه، وهو شيخ كبير وآلمه أن يري إبن أخيه بهذه الهيئة المهينة، وعندما مر من أمامه قال له: إجري يا بني ليطلقوا سراحك، وأن الجري إن أطلقوا سراحك لن يضيرك في شئ، فرد عليه قائلا:
أوليلييت آقرا
ulaylayeet aagra
إشفيت إنقدينهوب
eshafeet ingadiinhob
هديدين دورو أيدب
hadidiini duuru edhab
آوسكهن قلباهيب
usakhan galabaaheeb
المعنى:
عندما تصطف حسناوات اللَّيْلَيْ للفرجة، كيف يطلب عمي الجري وأنا حتي اتردد في المشي.
وعندما فشلت كل هذه المحاولات في كسر عزيمته والنيل من شخصيتة القوية قرروا إعدامه ولكن بطريقتهم الخاصة، حيث أجلسوه فوق صاج به زيت يغلى وتركوه هناك إلى أن مات.
وبعد بضعة أيام من وفاته جاءوا إلى أمه وقالوا لها: إن شعرك وتشجيعك هو الذي تسبب في مقتل إبنك وكان شاعرا وفارسا تعتز به القبائل. فقالت لهم:
شوكيت أدقرين كنك
shookiit adgireen kinki
تهوكسي كنكليده
tehakwsay kinkilida
بادابيت أياي نبري
baadhaabayt ayaay nibari
تو تويت هايي دبايون
tu tuuyat haaye dabaayoon
المعنى:
إننا لا نرضى أن يعيرنا الناس بالجري والجبن والإنكسار، ولا سيما ونحن من قوم يرون الجري عيبا وسُبة ويمكن أن نتحمل من اجل ذلك صنوف العذاب حتى وإن أدى ذلك لهلاكنا.
ألا رحم الله الشاعر الفذ والفارس المغوار محمود الفلج وأمه التي لم تكن أقل منه شجاعة ولا ثباتا. قل أقل الشاعر الذي لم يخذل أمه ولم يقبل الهوان والإنكسار لنفسه ولا لأهله وعشيرته من خلفه، وخلف سيرة من أعظم سير البطولة والشجاعة، ويمثل صفحة ناصعة من تاريخ نضال البجا ضد المستعمر، ولا بد من توثيق سيرته لتكون ملهمة لأجيالنا القادمة.
