سيطرة التنظيم الإسلاموي على الاقتصاد السوداني عبر المؤسسة العسكرية
شهادة من الداخل: تشريح منظومة النهب الممنهج
مقاربة تحليلية مستندة إلى شهادة العميد الدكتور محمد عوض فضل الله
عمر سيد احمد
مارس 2026
بعد ما يقارب أربعة عقود من العمل في القطاع المصرفي والمالي، وإدارة عدد من المصارف، لم أُصَب يومًا بما أصابني حين تابعت شهادة العميد الدكتور محمد عوض فضل الله في بودكاست السودان 360، المسجّل من العاصمة الكينية نيروبي. فهذا الرجل ليس معلقًا سياسيًا ولا ناشطًا خارج المؤسسة، بل هو ضابط قضى ستةً وعشرين عامًا في أعماق الجهاز المالي والإداري للقوات المسلحة السودانية، دخلها عام 1994 خريجًا من كلية التجارة بجامعة النيلين، وتدرّج فيها محاسبًا وماليًا ومدققًا داخليًا ومديرًا لعدد من مؤسساتها الاقتصادية، حتى بلغ رتبة عميد وحاز وسام الجداره من القائد الأعلى للقوات المسلحة. ما كشفه هذا الرجل لم يكن مجرد فساد عارض، بل كان وصفًا دقيقًا لمنظومة حكمٍ موازٍ شيّدها التنظيم الإسلاموي داخل الجيش السوداني منذ انقلاب يونيو 1989 وحتى اليوم. هذا المقال محاولة لتشريح هذه المنظومة استنادًا إلى تلك الشهادة النادرة وتحليلها من منظور مالي ومؤسسي متخصص.
حين استولى التنظيم على السلطة في يونيو 1989، لم يكن الانقلاب العسكري سوى الواجهة المرئية لمشروع أعمق بكثير. فقد سبق ذلك بناء شبكة اقتصادية صامتة من المصارف والشركات والتجمعات التجارية، نمت في أحضان الحركة الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي، مستفيدةً من فتح الرئيس نميري المجال أمام المصرفية الإسلامية، ومن التحويلات المالية لجاليات الخليج. وحين جاء الانقلاب، كان التنظيم يمتلك رصيدًا ماليًا وبشريًا ومؤسسيًا مكّنه من الانتقال الفوري من المعارضة إلى الهيمنة الشاملة. الخطوة الأولى كانت تطهير المؤسسة العسكرية من عناصر الاحترافية والولاء الوطني وإعادة بنائها على أساس الولاء التنظيمي. وكشف العميد فضل الله أن هذا لم يكن عشوائيًا، بل كانت هناك مكاتب منظّمة داخل الجامعات السودانية معنية بانتقاء الطلاب الخريجين الموجَّهين للالتحاق بأجهزة الدفاع والأمن والشرطة والخارجية. يقول بوضوح تام إنه كان في مكتب موجود في الجامعة يختار من يمشي للخارجية ومن يمشي للدفاع ومن يمشي للأمن ومن يمشي للشرطة. وأضاف أن الدفعات العشر الأولى من 1989 حتى 1999 كانت بأكملها من الكوادر الإسلامية، وهؤلاء هم اليوم قادة الفرق والمحركون الرئيسيون في الحرب الجارية.
من أكثر ما كشفه العميد فضل الله إثارةً للدهشة وصفُه لظاهرة لم تُعرف من قبل للرأي العام، وهي ظاهرة ما يُسمّون بـ”السواقين”. هؤلاء هم المدنيون الإسلاميون الذين كانوا يمسكون بزمام الإدارة الحقيقية للمؤسسة العسكرية ويُصدرون الأوامر لكبار الضباط دون أن يكون لهم أي صفة عسكرية رسمية. وكان من أبرز هؤلاء أحمد الشايقي وعبد الرحيم الأمير وعوض الجاز، وهم شخصيات مدنية تنظيمية كانت تتردد على اجتماعات قيادة الجيش وتُصدر التوجيهات المالية والإدارية. ويؤكد العميد أن أي ضابط يتجرأ على رفض أوامر هؤلاء المدنيين التنظيميين سيجد نفسه في الشارع. وهذا يعني عمليًا أن القوات المسلحة السودانية لم تكن تُقاد من قِبَل قادتها العسكريين، بل كانت تُقاد من داخل غرف مغلقة يجلس فيها مدنيون تنظيميون يُصدرون أوامرهم باسم الحركة الإسلامية.
يكشف العميد فضل الله عن حجم مذهل للإمبراطورية الاقتصادية التي بناها التنظيم داخل المؤسسة العسكرية. فالصندوق القومي للخدمات الطبية وحده يمتلك أكثر من 12 شركة، والصندوق القومي للتأمينات الاجتماعية يضم 36 شركة، وهيئة التصنيع الحربي تشمل نحو 84 شركة، فضلًا عن شركات مستقلة كشركة شيكان للتأمين وبنك أمدرمان الوطني وشركة الاتجاهات المتعددة وشركة الخرطوم للاتجار والملاحة وشركة زادنا وشركة كوش للطيران وغيرها، ويُقدّر العميد إجمالي هذه الشركات بما يزيد على 160 شركة. والأكثر صدمةً من حجم هذه الإمبراطورية هو النظام القانوني الاستثنائي الذي تعمل في ظله، إذ كانت هذه الشركات كلها معفاة من الجمارك والضرائب بصورة كاملة، وكان مكتب تخليص جمركي في بورسودان يُسجّل كل الجمارك والضرائب المستحقة على بضائعها لا كديون على الشركات بل كمديونيات على وزارة المالية، وفي نهاية السنة المالية كانت هذه المديونيات تُسقَط دفعةً واحدة فتتحول الخسارة إلى عبء على الميزانية العامة للدولة. يعني ذلك أن الشركات العسكرية كانت تنهب الخزينة العامة مرتين، مرة حين تستورد بضائعها معفاةً من الجمارك، ومرة حين تُحمِّل الدولة الجمارك غير المسددة ديونًا في ميزانيتها. ولا تخضع هذه الشركات لقانون المراجعة العام، ولا تُراجَع حساباتها من قِبَل أي جهة رقابية مستقلة، ويُعيَّن مجالس إدارتها عبر توجيهات تنظيمية تصدر باسم وزير الدفاع والمعيار الوحيد للتعيين هو الولاء للتنظيم لا الكفاءة المهنية. وقد استحوذت هذه المنظومة على ما يقارب 80% من الموارد العامة للدولة السودانية، وهو الرقم الذي أشار إليه رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك خلال الفترة الانتقالية.
لا تبقى شهادة العميد فضل الله في مستوى التوصيف العام، بل تنزل إلى تفاصيل دقيقة في حالات بعينها تكشف آليات النهب بصورة جلية. فشركة شيكان للتأمين وإعادة التأمين هي أكبر شركات التأمين في السودان وتحتكر عمليًا كل أنواع التأمين من تأمين السفن والطائرات والأسلحة إلى التأمين الزراعي والطبي، ورئيس مجلس إدارتها دائمًا ما يكون المدير العام للشؤون المالية في الجيش، غير أن الطاقم الإداري كله يأتي من التنظيم الإسلامي ويتقاضى رواتبه خارج نظام المرتبات الرسمي عبر عقود خاصة بلغت مخصصات الفرد منهم في بعض الفترات سبعة ملايين جنيه شهريًا غير المخصصات الأخرى من تأمين طبي في أرقى المستشفيات وتذاكر سفر لكامل أسرته خارج السودان. وحين أجرى العميد فضل الله مراجعة لحسابات شيكان عام 2018 اكتشف أن الشركة لم تُسدّد للجيش مستحقاته من أقساط التأمين الطبي للأفراد طوال الفترة من 2013 إلى 2019، وأن الرصيد المتراكم بلغ 13 تريليون جنيه وهو مبلغ خرافي يعادل مليارات الدولارات. رفع العميد تقريره للقيادة فكان الرد أن أُمر بإلغاء التقرير وحفظه، وعلم لاحقًا أن المبالغ صارت تُدفع مباشرةً لوزارة الدفاع أي لبرهان وكبار القادة لا للجنود الذين يُقتطع منهم هذا التأمين أصلًا، وحين واجه العميد القيادة بذلك لم يصدر أي رد حتى اليوم.
وشركة كوش للطيران هي نفسها شركة عزة للطيران التي كانت مرتبطة بأسامة بن لادن فلما فُرضت عليها عقوبات دولية أُعيدت تسميتها كوش لتواصل عملها، وهي تتبع القوات الجوية وتمتلك أسطولًا تجاريًا غير أن هذا الأسطول التجاري كان واجهة فحسب إذ كانت تنقل عبره الذخائر والأسلحة لمناطق النزاع في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق تحت غطاء شحنات تجارية. وحين راجع العميد حسابات كوش اكتشف أن لها مكتبًا في دبي بالمنطقة الحرة مُسجَّلًا باسم شخص واحد فرد لا باسم شركة رسمية، وأن هذا المكتب كان يُدار من قِبَل ضابط تنظيمي تابع للتصنيع الحربي ويُستخدم للتحايل على الحظر الدولي في شراء قطع الغيار للطائرات. وحين توجّه العميد في مهمة مراجعة ثانية عام 2018 وكان قد وصل إلى معلومات بالغة الخطورة وصله في اليوم الثاني أمر من رئيس الأركان بإيقاف المراجعة فورًا بحجة أنها خارج نطاق اختصاصه.
أما بنك أمدرمان الوطني فقد قام على أنقاض المؤسسة الاقتصادية وشركة كردفان مستوليًا على أصولهما عام 1993/1994 بأبخس الأثمان وهي أصول تُمثّل ثروات الشعب السوداني المتراكمة، وكان البنك يمنح مرابحات وقروضًا لكوادر التنظيم دون ضمانات حقيقية أو التزام بالسداد، حتى بدأ ينهار من عام 2009 تحت وطأة الديون المتعثرة غير المحصّلة، وكان بنك السودان على علم تام بهذا الانهيار لكنه ظل صامتًا، وفي 2014 كان البنك خاسرًا خسارةً كاملة فبدأت أصوله عالية المخاطرة تُباع لتسديد الميزانية، في مشهد يكشف كيف يمكن لمصرف أن يُستخدم ذراعًا للنهب المنظّم ثم يُترك ينهار على حساب المودعين والاقتصاد الوطني.
من أشد ما كشفه العميد فضل الله خطورةً تأكيدُه القاطع أن هيئة التصنيع الحربي ليست مؤسسةً عسكرية بالمعنى المتعارف عليه، بل هي مؤسسة إسلامية بالكامل لا علاقة لها بالجيش إلا في المظهر. وهذا يعني أن أكبر منظومة صناعية وأمنية في البلاد التي تضم عشرات الشركات من مصانع الذخائر والسيارات والأدوية إلى الزراعة واللحوم والتعدين هي في جوهرها ملك للحركة الإسلامية تعمل في مكتسي الزي العسكري. ولهذه الهيئة مكاتب خارجية في دول عدة في دبي وتركيا وماليزيا وروسيا والصين وقطر وكلها مُسجَّلة بأسماء شركات أو أشخاص لا صلة ظاهرة لهم بالجيش، وهو ما يُشكّل شبكة مالية خارجية موازية تعمل بعيدًا عن أي رقابة مصرفية أو قانونية.
ويكشف العميد عن منظومة تهريب ذهب ممنهجة تقودها المؤسسة العسكرية ذاتها، إذ إن شركة زادنا أكبر شركات القوات المسلحة تعمل في التعدين وتمتلك حصصًا في منجم أرباب وغيره، وشركة كوش والقاعدة الجوية داخل مطار الخرطوم كانتا تُشكّلان بوابة التهريب الرئيسية إذ تعمل القاعدة الجوية داخل المطار خارج نطاق السلطات الجمركية وغير خاضعة لأي تفتيش، مما يجعلها ممرًا آمنًا لخروج الذهب من البلاد. ويُؤكد العميد ما يقوله تجار الذهب أنفسهم من أن أكبر مهرب للذهب في السودان هو الجيش عبر هذه القاعدة.
ويكشف العميد عن وظيفة لم تكن معروفة للرأي العام للهيئة الخيرية للقوات المسلحة، فهذه الهيئة لم تُنشأ لرعاية الجنود كما يوحي اسمها، بل لاستقطابهم وتجنيدهم في صفوف الحركة الإسلامية، وتعمل إلى جانبها منظمتا إيثار والشهيد المعنيتان بالضباط تحديدًا، وتمولها الحركة الإسلامية من خارج الجيش عبر منظمات وهبات، وتُقدّم الهيئة للجنود بعض المزايا في المناسبات كي تُميّزهم عن زملائهم غير المنتمين ثم تعمل على استدراجهم للانتماء للتنظيم.
وفي مفارقة مؤلمة يوثّقها العميد فضل الله، فإن الجندي السوداني العادي هو الضحية الأولى لهذه المنظومة التي تعمل باسمه. فرغم أن هذه الشركات تمتلك مليارات الدولارات وتسيطر على 80% من الموارد العامة، فإن الجندي يعيش في بؤس شديد ومرتبه لا يُغطّي تكاليف أسرته الأساسية وأبناؤه لا يحظون بتعليم لائق ولا يتلقى رعاية صحية حقيقية رغم وجود صناديق التأمين الطبي التي تُقتطع من راتبه لصالح شيكان ثم لا تعود إليه. الثروات كلها كانت تتجمع في قمة الهرم عند الضباط الكبار المرتبطين بالتنظيم الذين أصبحوا من أثرى أثرياء السودان بينما الجنود الذين يحمون ثرواتهم يعيشون على هامش الكفاف.
حين اندلعت ثورة ديسمبر 2019 ظنّ كثيرون أن المنظومة قد انهارت، لكن ما يُفهم من شهادة العميد فضل الله أن ما جرى لم يكن سوى إعادة تموضع. فالشبكة الاقتصادية لم تُمَس ولم تُصادَر أي شركة ولم يُفتح أي ملف مالي حقيقي. وكان رئيس الوزراء الدكتور حمدوك قد تحدث عن ضرورة إصلاح هذا الوضع لكن الشركات ظلت تعمل كما كانت. بل إن التصنيع الحربي كان قد عرض التبرع بملياريْ دولار لدعم الحكومة المدنية الانتقالية، وهو ما يعني أن بإمكانه أن يتبرع بمثل هذا المبلغ من شركة واحدة بدأت برأس مال مليون دولار قبل ثلاثين عامًا، وهو إدراكٌ صريح لحجم الثروة المتراكمة في أحشاء هذه المنظومة. وانتهى الأمر بانقلاب أكتوبر 2021 الذي أعاد العسكر للسلطة المباشرة، وهو الانقلاب الذي مهّد لحرب أبريل 2023 التي أعادت التنظيم إلى مقاعد القيادة الفعلية تحت غطاء مقاومة التمرد.
حين سُئل العميد فضل الله إن كان يمكن إصلاح الجيش مع بقاء الإسلاميين فيه، كان جوابه حاسمًا لا مجال للتأويل فيه: يجب أن يكون في جيش وطني جديد بالكامل بعقيدة قتالية جديدة وولاء للوطن والدستور واختيار يقوم على التنوع والكفاءة لا على الانتماء التنظيمي. وهو رأي يبنيه على تجربة ست وعشرين سنة من الداخل لا على موقف سياسي مُسبَق.
ومن منظور مهني مالي ومصرفي مطوّل، يمكن القول إن استرداد الدولة السودانية يستلزم أربعة محاور متكاملة لا يُجزئ بينها: أولها تفكيك الشبكة الاقتصادية العسكرية بإخضاع جميع شركات القوات المسلحة والتصنيع الحربي والصناديق التابعة لها لرقابة مالية مستقلة وشفافة ومراجعة جميع عقودها وأصولها خلال العقود الثلاثة الماضية. وثانيها إصلاح القطاع المصرفي باسترداد استقلالية البنك المركزي ومراجعة هياكل ملكية المصارف ذات الصلة التنظيمية وملاحقة الأموال المُحوَّلة خارج البلاد. وثالثها ملاحقة قانونية جادة لملفات الفساد الكبرى عبر آلية قضائية مستقلة ومحايدة تشمل المكاتب الخارجية للتصنيع الحربي وحسابات الشركات في دبي وتركيا وماليزيا وروسيا. ورابعها إعادة بناء المؤسسة العسكرية من الصفر على أسس الولاء للوطن والدستور بعيدًا عن معايير الانتماء التنظيمي التي حكمت التجنيد والترقية على مدى ثلاثة عقود.
الاسترداد لا يتم بالشعارات ولا بتغيير الوجوه ولا بانتخابات تُجرى فوق بنية اقتصادية فاسدة لم تُمَس. إنه مشروع إعادة بناء شامل يبدأ بتعرية هذه الشبكة وتفكيك آلياتها المالية والمؤسسية. ما بُني على الاختطاف لا يُصلح بالترقيع، ولا تُستردّ الدولة المختطفة إلا باسترداد اقتصادها أيضًا جنبًا إلى جنب مع استرداد مؤسساتها وقرارها وسيادتها. فالمعركة لم تعد سياسية فحسب، بل هي معركة استعادة دولة تُدار فعليًا بواسطة شبكة تنظيمية متغلغلة في مفاصل المال والقوة، ولن يكتمل الاسترداد إلا بتفكيك البنية الاقتصادية التي تحمي الاستبداد وتموّل إعادة إنتاجه.
** هذا المقال مستند إلى شهادة العميد الدكتور محمد عوض فضل الله في بودكاست السودان 360، ومدعومٌ بتحليل مهني مستقل ينبع من تجربة مطوّلة في القطاع المصرفي والمالي. وهو يُمثّل مساهمة في النقاش العام حول مستقبل الدولة السودانية وسُبُل استعادتها من قبضة المنظومة التي اختطفتها.
*** عمر سيد احمد
O.sidahmed09@gmail.com
خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل
o.sidahmed09@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم