سيـوْفٌ في القَصـرِ الرّئاسـي .. بقلم: جَمَال مُحمّد إبراهـيْم

أقرب إلى القلب :
Jamalim1@hotmail.com
(.. ولما دخل محمد نوباوي المدينة قصد بكل مقاتلته سراي غردون وكانوا زهاء مائة ألف مقاتل فأطل غردون من النافذة ونظر اليهم ثم قال لحراسه لا تبدوا معارضة لأي أحد يريد الوصول إليّ وإياكم أن تبدوا أقل دفاع ثم تقلد كسوة التشريفة الصغرى التي هي ملابسه اليومية على الدوام وتقلد سيفه ولبس طربوشاً وضع عليه رداءا حريرياً (كوفية) وربطه بعقالٍ كزيّ الاعراب فدخل عليه محمد نوباوي وجماعة من مقاتلته فوجدوه جالساً على كرسيّه ممسكاً بيده منديلاً أبيض فابتدره أحد الدراويش وقال: أين أموالك يا غردون يا كافر، فتبسّم وقال له أين (محمد أحمد)، يقصد المهدي فابتدره الرجل بطعنة في صدره خرّ منها صريعاً على الأرض يتخبّط في دمه. .)
مقتطف من كتاب إبراهيم فوزي باشا: “السودان بين يدي غردون وكتشنر”، 1911م، ص 402
(1 )
تلك المقدمة هي قصة اقتحام أنصار الإمام محمد أحمد المهدي لسراي الحاكم العام في الخرطوم ومقتل غردون طعناً بسلاح أبيض في يناير من عام 1885م. سمعتم بحادثة بوابة القصر قبل يومين. . لكأنّ لهذا القصر الرئاسي قصصاً في التاريخ لن تنتهي مع السيوفِ والأسلحة البيضاء. . !
نحنُ شعبٌ تشكّل السكين جزءاً لا يتجزأ من ثقافة مجتمعاته البدوية ، بل حتى إلى وقتٍ قريب، كانت السيوف تشكّل وجوداً مُشاهداً في الكثير من مناطق العاصمة. ليس أهلنا في الفتيحاب- ومدينة الفتيحاب هي الأصل الإثني والجغرافي لأم درمان الكبرى الحالية-  هم  وحدهم من يمتشقون هذه الأسلحة الحديدية البيضاء، بل يكاد من يتأبط مثل تلك السكين في غابر السنين، كأنهُ قد “تأبط شراً” أو انتواه ، ولكن في السنين الأخيرة، كانت تلك السكين المدسوسة في أغمادها الجلدية والمُعلقة أعلى الذراع ، شيئاً مكمّلاً لأناقة الرّجل، في بلادٍ لم تنفصل عن طبيعتها البدوية.
يرى كثيرون إلى هذه الساعة، أنّ السكين المعلقة أعلى الذراع، هي ممّا يعطي الرجولة معنىً إضافياً، تمتزج الهيبة فيه بالكبرياء والشجاعة. ولسنا وحدنا في تلك العادة ، إذ نرى أهل اليمن وأهل سلطنة عمان يشكل الخنجر جزءاً من لباسهم القومي بارزاً يتمنطقون به، ويبدو أكثر جاهزية من خناجرنا المخفية في الأذرع وتحت الجلاليب البيضاء الفضفاضة. لكن أهل عمان اعتمدوه زينة تكمل الزي القومي، لا سلاحاً يلجأون لاستعماله عند الضرورة. قد يتعجب أكثرنا إذ يرى بعض هذه العادات البدوية تراعيها مجموعات سكانية في عاصمة البلاد التي صارت مركزاً حضرياً صاعدا،  وتلاشت أو كادت  كثير من العادات البدوية في الأنحاء.
كان الذين اقتحموا سراي الحاكم العام في يناير من عام 1885م، لم يقتلوا  الجنرال “غوردون” بطلقات نارية، وكانوا يملكون تلك الأسلحة ، بل قتلوه بسلاحٍ أبيض. الرجل الذي اقتحم  بوابة القصر قبل أيام وقتل حارسين بسلاح أبيض ، أعاد صورة كادتْ أن تأفل في الأذهان، وقعت قبل نحو مائة وثلاثين عاما، لكنها بقيتْ  حاضرة في كتبِ  التاريخ. .
(2 )
لا تغادر خاطري- وأنا أم درمانيّ عتيق- ذكرياتُ طفولتنا ونحن نتابع مظاهر الأفراح والأتراح عند أهلنا في الفتيحاب وفي أنحاء حي القلعة وفي أطراف أبوعنجة وأبوكدوك وفي شمبات والحلفايا وفي القوز وتوتي والجريفات. حفلات الأعراس عند أهلنا هؤلاء تمتد لأيامٍ عديدة، وكذا أيام العزاء.  قد لا يصدق أصدقاؤنا  القادمون من الأطراف البعيدة، أننا في أم درمان  وفي سنوات الخمسينات والستينات ، رأينا أهلنا يمارسون “البطان” ونحن في قلب أم درمان، ولقد شهدتُ ذلك  بأمّ عينيّ، كما كنا نشاهد “السَيْرة”، وفيها شبانٌ راجلين وصبايا راجلات، تنطلق في الطريق الطويل من منازل أهل العريس إلى بيوت أهل عروسته، فيما العريس نفسه يمتطي جواداً عربياً مُطهّماً ، وبيده سوط عنجٍ أصيل، والزغاريد  ترافق موكبه. وذلك مشهد،  وإنْ اندثر في وقعنا الحالي، لكنه لا يغادر الذاكرة أبداً. الرجال في جلابيبهم البيضاء و”الطواقي” الحمراء على رؤوسهم، يرقصون “الصقرية” بالسيوف وبالمِدي، والصدور والظهور تعرّى للبُطان، وسط زغاريد النسوة والصبايا، والايقاعات رخيمها من “الدلوكة” ورفيعها من “الشتم”. تلك كانت أفراح الناس والرجولة والبسالة و”الفتونة” في أبرز تجلياتها. . 
ظلتْ هذه المشاهد ممّا شاع في العاصمة ، قلبها وفي أطرافها ، تمثل ركيزة ثابتة من ركائز ثقافتنا المحلية، وتقاليدنا الراسخة التي تميّز مجتمعاتنا، حتى السنوات الوسيطة من القرن العشرين. .
لذا تجدني  في “أم درمانيتي”، أقف متعجباً حين يورد السياسيون والمتعلمون تعبيرات مستحدثة تعبّر عن حنق بعضهم لاستفراد “المركز”  بخيرات البلاد دون الأطراف و”الهوامش”.  مكمن الالتباس هو إحساسي، أنّ جيلي من بعض أبناء أم درمان، نشأ في بيئة شبه بدوية، أطفالاً في خمسينات القرن الماضي، نخرج بأغنام عمتي “سعدية” إلى خلاء أم درمان الغربي في مواسم الخريف والأمطار، ثم لا تبخل علينا حين نؤوب بحليب  بهائمها .. فيما نحن محسوبون من سكان عاصمة البلاد، بل ومن قلبها المُستأثر بخيراتها ونعمائها، في زعم البعض . أين المركز وأين الهامش هنا. . ؟  
( 3)
لعلّ مشهد تلاميذ العاصمة في تلكم السنوات في جلابيبهم وعمائمهم  البيضاء ، يتماهَى كلّ التماهي مع الطبيعة شبه البدوية لمجتمعات العاصمة. كنّا نرى تلاميذ أسر حيّ “المسالمة” من أهلنا الأقباط، يشاركوننا مقاعد الدّرس وهم في تلك الجلابيب والعمائم البيضاء، ولا نكاد نتذكّر اختلافهم عنّا في العقيدة، إلا حين يسمحون لهم بمغادرة حصّة الدين الإسلامي اختيارا. كم هو مُبهرٌ تسامح تلكم الأيام ، مقارناً بما نرى من توجّس بين الإثنيات المختلفة، ومع من هم على غير ديننا، وذلك مما زاد من هواجس  التوتر الإثني ، خاصة لو جنحتْ السلطة الحاكمة لاتباع سياسات لا تعترف بالتنوع في ثقافاتنا وفي عقائدنا وفي ألسنتنا وفي عاداتنا وتقاليدنا ، وهو أكثر ما نخشاه. .
وممّا زاد من تعقيدات التنوّع، نزوحُ الآلاف من البشر بسببٍ من تصاعد النزاعات وارتفاع التوتر الإقتصادي والإجتماعي الذي نسف ركائز الاستقرار والأمن في البلاد، وفي  العاصمة بوجهٍ خاص، فتشارُكُ مجموعاتٍ سكانية مستمسكة بعاداتها وتقاليدها مواقعَ في العاصمة، أفرز واقعاً جديداً، تلامستْ فيه ثقافات متباينة، وتشاركتْ في مساحاته، مختلف الإثنيات والملل والنِّحل. لكن للإختلاف وللتنوّع تداعيات سلبية تراها العينُ المعجلة، وأخرى إيجابية ترصدها العينُ الفاحصة. إن الحكمة المجتمعية، وبعون السلطة الحاكمة الراشدة، يمكن أن تعثر على شفرة تجعل التشارك  في السكن سلاماً راسخا، والتباين في العادات بَهَاراً يزيد الألفة مذاقاً طيبا، والاختلاف في العقائد ممّا تتفتق معهُ ورود التسامح في حديقة الوطن. .
( 4) 
لعلّ “حادثة القصر” هذه تثير عزائمنا للتصدى للتصدع الذي عليه أطيافنا السكانية، فهي وإن تشاركتْ وتساكنتْ وتعايشتْ ، فقد  ضاع  في كل ذلك، خيط  يفترض أن يجمع ولا يفرّق بين عاداتنا وتقاليدنا، وفوق ذلك القيم التي  تحفظ تماسك الأسر وتحميها من غلواء ظروف المعيشة، ومعاناة  الحصول على لقمة العيش. ذلك جانب تتحمّل الأسر مسئولية فيه ، مثلما تتحمّل السلطة طرفاً مُهمّاً فيه ، بتضافر الجهود الرسمية قبل الشعبية، لتقديم الخدمات الضرورية من تعليم وصحة  ومأوى.  لو توفر العيش الكريم فإن الله يطعمهم من جوع، ولو توخّت السلطة  مسئولياتها  فإن الله يآمنهم من خوف . لقد آن الأوان لأن تختفي الأسلحة البيضاء، ليس من فوق الأذرع فحسب ، بل أيضا تلك المفروشة في الأسواق وفي الطرقات وبمختلف ألوانها. إن الفتوق اتسعتْ فاستعسر معها الرتق، وأرى الحيطة والحذر أجدر بأنْ يتبعا، وإلا استشرى فينا “الدواعش” استشراء “الإيبولا” في الغرب الأفريقي. . 
(5)
إلى ذلك فإن اتباع التعقل والحكمة يمكن أن يجنبنا  تلك الخسارة في الأرواح التي أريقت دماءها سدى. برغم عثرات الساسة والسياسة، وضيق بعضنا مِمّا عليهم  وممّا عليها،  فإنّ في صدورنا قيماً لن تتلاشى، وأخلاقا راسخة  تميّزنا عن أكثر الشعوب تقدماً، وهي رصيدنا الذي نراهن عليه. 
أنظر مليّاً إلى “حادثة القصر”، فأدرك مثلما تدركون، أن حامل السلاح الأبيض قطعاً ليس هو “محمد ود نوباوي” ، وأن ساكن القصر ليس “غوردون” . . !

نقلاً عن صحيفة  “الرأي العام” 
الخرطوم – 20 نوفمبر 2014

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً