في أجواء استثنائية حملت عبق الماضي وألق الحاضر، شهد النادي الاجتماعي السوداني في أبوظبي يوم 23 اغسطس 2025 ليلة لا تُنسى من ليالي الطرب السوداني الأصيل، كان بطلها الفنان الكبير سيف الجامعة، أحد أعمدة الغناء السوداني المعاصر وصوت الحنين الذي يسافر بالوجدان إلى ضفاف الوطن البعيد.
منذ اللحظة الأولى التي اعتلى فيها سيف الجامعة خشبة المسرح، بدأت القاعة كأنها قطعة من السودان انتُزعت من قلب الخرطوم وزُرعت في أبوظبي. الجمهور الذي اكتظت به القاعة جاء محمَّلًا بالشوق والحنين، يبحث عن فسحة وجدانية تُعيد إليه عبق التراب السوداني ورائحة النيل وأصوات الأحياء القديمة.
أطلق الفنان الكبير العنان لصوته الدافئ، فكان كمن يزيح غبار السنين عن ذاكرة مكتظة بالذكريات. وعندما صدح بأغنية “عازة في هواك”، لم يكن يغني فقط، بل كان يفتح نافذة على تاريخ شعب بأكمله، يستحضر رمزية الوطن وصموده في وجه المحن. كان الحضور يتمايلون على أنغامها، تتقاطع الدموع مع الابتسامات، في مشهد عاطفي قلَّما يتكرر.
وتجلت عظمة الصوت وقوة الأداء حين قدّم أغنية “قول النصيحة”، تلك التي تحمل في كلماتها حكمة شعب وتجربة جيل. ومع كل نغمة من أوتار العود، كان الجمهور يردد معه وكأنه في جلسة سمر على ضفاف النيل، لا في قلب أبوظبي.
ما جعل هذه الليلة أكثر عمقًا ليس فقط جمال الغناء، بل السياق الذي جاءت فيه. السودان، الذي يرزح اليوم تحت وطأة الحرب والمعاناة، كان حاضرًا في كل لحن، في كل كلمة، وفي كل دمعة سكبتها عيون المغتربين. بدا الحفل وكأنه مساحة مقاومة ناعمة، تُواجه القسوة بالغناء، وتكسر قيد الغربة بالذاكرة الجماعية.
لقد أعاد سيف الجامعة بصوته الدافئ للجمهور السوداني في المهجر شيئًا من الأمل، وأكد أن الفن ليس مجرد ترفٍ أو تسلية، بل هو وسيلة للحفاظ على الهوية وبناء الجسور بين الماضي والحاضر، بين الوطن وأبنائه في الشتات.
ما ميّز الليلة أيضًا هو حضور مختلف الأجيال: الكبار الذين وجدوا في أغنيات سيف الجامعة استرجاعًا لشبابهم، والشباب الذين استمعوا بانبهار إلى تراث موسيقي غني شكّل هوية بلادهم. وبين الأجيال، نشأ حوار صامت عنوانه أن الأغنية السودانية ما زالت قادرة على أن توحّد القلوب وتُذيب المسافات.
يُجمع النقاد والجمهور على أن سيف الجامعة ليس مجرد فنان، بل هو مدرسة قائمة بذاتها. استطاع أن يمزج بين الأصالة والتجديد، محافظًا على الروح السودانية العميقة في أغنياته، ومقدمًا نموذجًا للفنان الذي يحمل وطنه في صوته وأحلام شعبه في كلماته.
انتهى الحفل، لكن صداه ظل يتردد طويلًا في نفوس الحاضرين. لم يكن مجرد أمسية غنائية، بل كان لقاءً مع الذات السودانية، مع الوطن البعيد الحاضر دومًا في القلب. خرج الجميع من القاعة وكأنهم عاشوا لحظات عابرة من العودة إلى الخرطوم، محمّلين بمزيد من الحنين ومزيد من الأمل في غدٍ يشرق على وطن ينفض عنه غبار الحرب.
لقد أثبتت ليلة سيف الجامعة في النادي الاجتماعي السوداني بأبوظبي أن الفن الأصيل باقٍ، وأن السودان – رغم الجراح – سيظل بلد الغناء والوجدان، بلد “عازة في هواك”، وبلد النغم الذي لا يموت.
د. سامر عوض حسين
samir.alawad@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم