في خِضمّ عالمٍ يركض لاهثًا، حيث يغدو التوتر لغةً سائدة، وتتطاير فيه الكلمات كشظايا؛ يصبح ضبط النفس مهارة نادرة لا يتقنها إلا الأقوياء حقًا، ويغدو التعاطف فعلًا بطوليًا يشيّد جسورًا في صحراء العداوة. إن القوة ليست دائمًا في القبضة المشدودة، بل غالبًا ما تسكن في الهدوء العميق الذي يمتصّ العنف ليحوّله إلى سلام.
هذا هو جوهر ما يُطلق عليه علماء النفس “الذكاء العاطفي”، وهذه الفلسفة لا تجد لها تجسيدًا أعمق مما حدث في حكاية قديمة أوردها دانييل جولمان، بطلها عجوز ياباني ورجلٌ هائج. لم تكن الحادثة مجرد مواجهة، بل كانت درسًا عمليًا في “الأيكيدو العاطفي”: فنّ تحويل طاقة الخصم إلى طاقة سلام.
في ليلة من ليالي طوكيو، حيث كانت أضواء النيون تلمع كأنها تلهث من الإرهاق، انزلق قطار المدينة حاملًا وجوهًا متعبة وهدوءًا هشًّا. تمزّق هذا السكون فجأة بصوت رجلٍ سكران ضخمِ الجثة، كان يتأرجح كغصنٍ مضروبٍ بعاصفة الغضب؛ يصرخ، يهدّد، ويدفع بيديه بعنف من كانوا بجواره. كان أحمرَ الوجه من أثر السكر، وعيناه مثل جمرتين تقدحان الشراسة على الركّاب الذين انكمشوا خوفًا.
في تلك اللحظة، تحرّكت في جسد الشاهد (تيري دوبسون) سنواتُ تدريب الأيكيدو الجسدي؛ شدّ قبضته مستعدًا لاستخدام القوة لإيقاف العنف.
لكن قبل أن يفعل، شقّ الهواء صوتٌ عجوزٍ هادئ، ضعيفٌ لكنه يحمل دفءَ المودّة، كخرير ماءٍ ينساب بين صخور الغضب: “يا هذا… تعال. تعال واجلس بجانبي.”
كان الرجل العجوز ضئيل الحجم، لكن وجهه يبتسم بطمأنينة غير مألوفة. حدق في وجه الرجل السكران كمن يخاطب صديقًا قديمًا، وقال بنبرة تُشبه رائحة الشاي الدافئ:
“هل أنتَ سكران؟ هل كنت تشرب الساكي؟ يبدو لي أنه من النوع الجيد… أليس كذلك يا صديقي؟”
كانت هذه الكلمات كحجر صغير يسقط في بحيرة هائجة، فبدأت أمواجها تهدأ ببطء. توقّف السكران، تلعثم لسانه وارتبكت عيناه. ثم، على غير المتوقع، جلس بجانب العجوز، كأنه يبحث عن أرض صلبة يقف عليها بعد أن أضناه الهيجان.
اقترب منه العجوز أكثر، وابتسم بحزنٍ رقيق وهو يقول:
“أنا كذلك أحب شرب الساكي. كنّا—زوجتي وأنا—نتناوله في أمسياتنا في فناء بيتنا الصغير، بجوار شجرة البونساي التي كانت ترعاها بحنانٍ كأنها طفل صغير.”
صمت العجوز قليلًا، ثم تغيّرت نبرة صوته قائلًا:
“لكن زوجتي رحلت منذ زمن بعيد… ومنذ ذلك الحين لم يَعُد طعم الساكي كما كان
اهتزّ وجه السكران. انكسرت حدّة عينيه، وارتجفت شفتاه، ثم همس كمن ينتزع من صدره حجرًا يسحقه:
“زوجتي أيضًا… ماتت.”
كان صوته يخرج مرتجفًا، كأن كل كلمة تُسحَب من أعماق جرحٍ لم يُتح له أن يندمل. ثم قال وهو يكاد يتهشم من الداخل:
“لا أدري ما الذي دهاني… حياتي انقلبت رأسًا على عقب. لم أعد كما كنت. صرت أسرف في الشرب، وأشتم الناس، وأفتعل المشاجرات… صرت كمن يقاتل الفراغ الذي ملأ روحي بعد موتها.”
وتحوّل ذلك الصوت الذي كان قبل دقائق يمزّق سكون القطار إلى أنينٍ خافت، ثم إلى بكاءٍ ينهار من بين ضلوعه دون مقاومة؛ بكاءٍ ينساب كأنه ماءٌ ظلّ محتجزًا خلف سدٍّ طويلًا ثم انهار دفعة واحدة. ذلك الغضب الذي كان يشتعل في عينيه لم يكن سوى قشرة خشنة تُخفي تحتها ألمًا أعمى أثقل قلبه، ووحشةً تسحق روحه مع كل صباح جديد.
وانكمش الرجل—الذي بدا قبل لحظات وحشًا منفلتًا—كطفلٍ ضائع. أسند رأسه على كتف العجوز. لم يقل العجوز شيئًا، ولم يحرّك سوى يده، فوضعها عليه يربّت برفقٍ يشبه وعدًا بالصبر، ولمسةً تُعيد للروح اتزانها المفقود.
لم يلمس العجوز الرجل ليُصارعه، ولم يعظه ليُخجله، ولم يذكّره بخوف الركّاب منه. لقد اكتفى بفتح نافذة للبوح، فدخل منها الرجل إلى نفسه.
هذا الموقف العظيم—بحسب دانييل جولمان—هو تجسيد لجوهر الذكاء العاطفي: القدرة على إدراك وفهم مشاعرنا ومشاعر الآخرين، واستثمار هذه المعرفة في إدارة علاقاتنا. فقد استخدم العجوز ما يشبه “الجودو العاطفي”: فنّ امتصاص طاقة الغضب وتحويرها إلى طاقة تعاطف ووعي. لقد أدرك أن الغضب ليس سوى “غطاء سميك لألم مكبوت”.
يقول جولمان: “في الأيكيدو لا تهاجم خصمك أبدًا، بل تستخدم طاقته لتعيد التوازن.” وهذا ما فعله العجوز تمامًا؛ لم يردّ الغضب بالغضب، بل بالفهم واللطف. لقد أدرك أن وراء كل غضب وعدوان ألمًا دفينًا؛ وأن ذلك الرجل الهائج لم يكن يحتاج إلى قتال، بل إلى حضنٍ يعيد إليه صفاء روحه.
هكذا تحوّل الصراع من مواجهة بين خصمين إلى لقاء بين إنسانين ويمثل سلوك العجوز الأركانَ الأربعة الأساسية للذكاء العاطفي:
- الوعي بالذات: حافظ على هدوئه المطلق ولم يُستفزّ من العنف.
- التحكم بالانفعال: استخدم صوته الهادئ كأداة تهدئة لتحويل الطاقة السلبية.
- التعاطف: أدرك أن الغضب قشرة تخفي فقدانًا أو جرحًا داخليًا.
- المهارة الاجتماعية: بنى جسرًا إنسانيًا عبر حديث ودّي بسيط، فأسقط حواجز العدوان.
إن القوة الحقيقية، كما يعلّمنا هذا العجوز، ليست في السيطرة على الآخرين، بل في السيطرة على الذات: “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.” وليست في إخماد العنف بالقوة، بل بتحويله إلى مصالحة وسلام داخلي.
إن الذكاء العاطفي ليس رفاهية نفسية، بل هو ضرورة أخلاقية وحضارية في هذا الزمن الذي تتسارع فيه ردود الفعل والانفعالات. لقد علّمنا العجوز الياباني درسًا خالدًا: الكلمة الطيبة ليست ضعفًا، بل هي فنّ من فنون القوة الهادئة التي تعيد التوازن. فخلف ذلك الغضب المدوّي كان ينتظر قلبٌ يحتاج أن يبكي ألمه بصدق.
الذكاء العاطفي هو الأيكيدو الروحي للحياة اليومية: أن تمتص الغضب، لا لتكبته، بل لتحوّله بلطفٍ إلى سلام داخلي
وفي النهاية، ترك الراوي على مقاعد القطار رجلين غريبين جمعتهما كلمة طيبة، فصنعت بينهما لحظة وئام لم يصدر عن قوة عضلية، بل عن قوة أعمق: قوة القلب الذي يتقن فنّ الحب الإنساني.
الهوامش والتعريفات:
- الأيكيدو (Aikido) : فنٌّ قتالي ياباني يُعرف بـ »قوة التناغم« لا يقوم على ضرب الخصم ولا سحقه، بل على احتواء اندفاعه وتطويع قوته نفسها لإعادة التوازن. يبدو المقاتل فيه أشبه بمنارة هادئة في وجه العاصفة؛ ينحني ليمرّ الغضب من حوله ثم يوجّهه بلطف إلى حيث لا يؤذي أحدًا. وفي سياق القصة، يغدو الأيكيدو مجازًا لفنّ امتصاص العنف وتحويل الشرارة المتوهجة في القلب إلى ضوءٍ يهدّئ ولا يحرق.
- الجودو (Judo) : فن ياباني آخر يعني »الطريق اللّين« ، يقوم على مبدأ عميق: أن القوة الحقيقية ليست في البطش، بل في الحكمة التي تجعل أقلّ حركة قادرة على تحقيق أكبر أثر. يميل الجودو إلى البساطة والاقتصاد في الجهد؛ حركة واحدة مدروسة قد تعادل عشر ضربات. ورغم أنه يختلف عن الأيكيدو في تقنياته، إلا أنه يلتقي معه في فلسفة الانسياب والمرونة؛ في الإيمان بأن لينًا صادقًا قد يغلب صلابةً عمياء، وأن التوازن ليس مجرد مهارة جسدية، بل رؤية للحياة.
- الساكي (Sake) : مشروبٌ ياباني تقليدي يُصنع من الأرز المخمّر، لكنه في الوجدان الياباني أكثر من مجرد شراب. إنه جزء من طقسٍ اجتماعي دافئ، يُقدَّم في لحظات المصالحة كما يُقدَّم في الاحتفال؛ كأنه دعوة إلى خفض التوتر وفتح نافذة حقيقية للبوح. وفي كثير من السياقات، يحضر الساكي كرمز للدفء الإنساني حين يلتقي التعب بالراحة، أو حين يحتاج القلب إلى ما يهدّئ خشونته.
- البونساي (Bonsai) : فنّ ياباني دقيق لزراعة الأشجار الصغيرة في أوعية، وتشكيلها لتستعيد هيئة شجرة كاملة في صورة مصغّرة، كأنها كونٌ كامل اختُصر في كفّ اليد. لا يُعد البونساي مجرّد نبات للزينة، بل درسًا في الصبر والرعاية، وفي الإصغاء البطيء لنمو الحياة. تُجسّد هذه الشجرة الهادئة فلسفة الجمال الذي يتكوّن من التفاصيل، والانسجام الذي يولد حين نُهذّب الفوضى بالعناية والحب.
- تيري دوبسون (Terry Dobson) : هو راوي القصة الأصلي. كان خبيرًا أمريكيًا في فن الأيكيدو ودرس في اليابان. كتب القصة ونشرها كدرس عملي في فلسفة الأيكيدو للحياة اليومية • دانييل جولمان (Daniel Goleman): عالم نفس وصحفي علمي أمريكي، اشتهر عالميًا بكتابه “الذكاء العاطفي” (Emotional Intelligence). استشهد جولمان بقصة الأيكيدو والعجوز الياباني في كتابه كأبرز مثال على كيفية تطبيق مبادئ الذكاء العاطفي في إدارة الصراع.
صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة
salahabusarah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم