بئر الغنم :
أثناء تصفحي لأخبار متصلة بقضايا الهجرة غير القانونية عبر الصحراء الكبرى تكرر امامي اسم بئر الغنم في ليبيا في ثنايا تقارير صحفية اذيعت في العامين الاخيرين ازاحت الستار عن وقوع انتهاكات تعرض لها مهاجرون من شتى البلدان محتجزون في سجن البلدة المذكورة بعد القاء القبض عليهم أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا بطرق غير شرعبة. استوقفني ذلك الاسم الدال على مكان بعيد وغامض.
أكاد أجزم أنه لولا موضوع الهجرة غير الشرعية التي جعلت من لببيا مساراً مفضَّلاً تسلكه جموع المهاجرين في لهثها المحموم للوصول إلى الضفة الاخرى من البحر المتوسط، وخصوصاً بعد انتشار الفوضى والانفلات الأمني الذي حدث في اعقاب سقوط نظام القذافي ومن ثم دخول القطر في دوامة من العنف وتنازع المليشيات المسلحة فيما بينها لاحكام السيطرة على شعب أنهكته دكتاتورية الكتاب الخضر المتطاولة وهلوسات جنون العظمة الذي تمكن من “الأخ القائد الملهَم”، أحسب انه لولا موضوع الهجرة غير القانونية الى اوروبا لما كان لوسائل الإعلام أن تعير بئر الغنم اهتماماً يذكر وتسلط الضوء عليها وتُعِدُّ عنها التقارير، فالبلدة صغيرة مغمورة في شمال شرقي ليبيا. تفصلها تسعون كيلومتراً عن العاصمة طرابلس وهي تقع على الطريق من جبل نفوسة (الجبل الغربي) الى طرابلس.
بحثت عن بئر الغنم في المتاح على الانترنت فلم أجد في المنشور عنها ما يروي الغليل. شذرات متفرقة هنا وهناك هي كل ما جمعته عنها ويمكن تلخيصه في أن بئر الغنم لعبت في الماضي دوراً كمركز للحركة السنوسية وحركة المقاومة ضد المستعمر الايطالي، وأن مجموع سكانها قليل جداً، وانهم على غرار سكان قرى الجزيرة في السودان، تلك المطلّة على الطريق البري الواصل بين الخرطوم وبورتسودان والذين صار من عاداتهم الرمضانية أنهم يعترضون قبيل موعد الإفطار كل مركبة تمر بديارهم في رمضان ويجبرونها على التوقف والنزول ومشاركتهم تناول طعام الافطار ثم يدعونها تكمل سيرها بعد ذلك، كل هذا لنيل رضى الرحمن والحصول على الثواب، على غرار أهل الجزيرة هؤلاء الذين يكرمون عابر السبيل ينشد أهل بئر الغنم الثواب في تقديم العون لكل مسافر وإغاثة كل ملهوف تقطَّعت به السبل اثناء عبوره لبئر الغنم وهو يسلك طريق نفوسة طرابلس الموصوف بالقاتل لكثرة الحوادث المميتة فيه، وأنها كانت مسرحاً للعديد من المعارك أثناء الحرب التي اندلعت بين القوى المؤيدة لنظام القذافي وتلك المناوئة له، وأن القوى الاخيرة هي التي كانت لها الغلبة في آخر المطاف ودانت لها البلدة في السابع من أغسطس 2011 وذلك قبل أسابيع من سقوط طرابلس في يد الثوار المسلحين.
سلسلة الاحداث تلك هي التي دفعت ببئر الغنم للخروج من الظل إلى بؤرة الضوء فجعل اسمها يتكرر حتى تذكرت أين ومتى سمعت به لأول مرة.
العودة إلى العش :
للشاعر أسامة الخواض أحمد يعود الفضل في تعريفي ببئر الغنم، تلك البلدة النائية المنزوية في أقاصي الغرب الليبي، أما ملابسات تلك المعرفة فهي محزنة كما سيرد لاحقاً.
في مطلع عام 1993 عُدتُ إلى صوفبا عابراً في ذهابي وإيابي القاهرة والاسكندرية بعد عطلة قضيتها بين أهلي المهاجرين فى ليبيا لأُفاجأ مصدوماً بأن مدينة الطلاب في صوفيا حيث كنت أسكن قد أقفرت من الطلاب السودانيين بعد أن كانت تضجَّ بأعدادهم الكبيرة. كان السودانيون قبل سفري إلى ليبيا بتتشرون ذرافات ووحداناً في كل أرجاء مدينة الطلاب الواسعة. تجدهم جلوساً في مظلات المقاهي على الطريق، وتراهم يستمتعون بالهواء الطلق على أرائك خشبية تحت ظلال أشجار التفاح والكومثرى البرية المثمرة بجوار صنابير المياه في حديقة كارل ماركس امام معهد الاقتصاد، وحين تهبط من البص رقم 280 بالقرب من البناية رقم 23 فلن تخطيء عينك وجود جماعاتهم المنتشرة على النجيل المخضر الذي يغطي الساحة الممتدة من صالة خريستو بوتيف للألعاب الرياضة حتى السيوبر ماركت الكبير. واذا عَنَّ لك عبور السياج الحديدي المطوِّق لعدد من مساكن الطلبة بملحقاتها من مقاهٍ وصالة سينما فلابدَّ أنك ملاقً نفراً من السودانيين يذرعون المماشي المبلَّطة وهم يتجادلون في أمور السياسة تتوزعهم ولاء ات فمنهم الشيوعي ونصيره الديمقراطي، ومنهم الاسلامي، ومنهم المستقل، وقد ترى جماعة منهم يروحون عن أنفسهم في الأصائل بلعبة البينغ بونغ. فإذا قادتك قدماك إلى الساحة المشمسة المترامية أمام البنايات حيث يتفرق في تلك الأنحاء عدد من الشجيرات. ربما تلمح اسامة الخواض هناك وقد اجتمع من حوله على أرائك خشبية بابكر عشري وعوض الصنديد ومالك صلاح مالك وياك دينق وكاتب هذه السطور. كان الخواض معتدل المزاج منتشياً بربيع صوفيا الفاتن الإزهار يتلو علينا قصته المعنونة: وللكومثرى وظيفة أخرى وهي التي احتفى بها أصدقاؤه واعتنوا بها وهدهدوها وهي تغمغم وتناقلوها على الأكف الحانية ودللوها كما تُدلل الطفلة الوليدة
ذلك أنها رأت النور لأول مرة في مدينة الطلاب في صوفيا. فإذا رأيتَ ذلك كله وتخطيتَ السياج الحديدي عند محطة البصات ومشيت مسافة متجاوزاً ساحة خضراء تقودك إلى بانيجارنيتسا وهي تعني محل متخصص في صنع وبيع البانيتسا وهي الشطائر المحشوة بالجبن والتي تمثل المكون الأساسي في وجبة الافطار المفضلة لعامة البلغار والأجانب. فاذا تقدمتَ من تلك البانيجارنيتسا وجدت نفسك قبالة ستودينسكي ستول، أي قبالة مطعم الطلاب الكائن في تلك المنطقة التي ينتشر فيها عدد كبير من مساكن الطلاب. توجد في مدينة الطلاب ثلاثة فروع من هذا النوع من المطاعم التي تقدم للطلاب وجبات بأسعار زهيدة مدعومة. ثم فجاة اختفى السودانيين بكثرتهم الملفتة للأنظار، بين ليلة وضحاها غاب أثر القوم كأنهم تبخَّروا في الهواء تحت بصر جبل فيتوشا المشرف من العلياء على صوفيا.
استقبلني في مدخل البناية رقم سبعة عند وصولي من المطار عوض الصنديد ودفع الله من الطلاب، ومن غير الطلاب ممن جاءت بهم إلى بلغاريا دروب الهجرة إلى أوربا الغربية أيمن والكِشِّيف وياسر أبو الليل والنور.
كنت سعيداً بعودتي الى صوفيا كطائر يعود إلى عشه.
وبعد أن أخذت قسطاً من الراحة زفوني كالعريس إلى زفدينيا تقوم عند آخر محط للترام رقم أربعة حيث طعمنا وشربنا وسهرنا وانا اروي لهم عجائب سفرتي بالباخرة الليبية من الأسكندرية إلى طرابلس. سألتهم عما جرى للطلاب السودانيين، فقالوا أقامت حكومة الإنقاذ العديد من الجامعات ثم دعت الطلاب الدارسين بالخارج إلى العودة للوطن واكمال الدراسة فيها. وتيسيراً للعودة أرسلت الحكومة طائرتين إلى مطار صوفيا عادتا إلى الخرطوم محملتين بالركاب. ولم يتخلف عن ركب العودة سوى قلة معدودة. فأدركت أني مقبل على حياة جديدة لن التقي فيها بالسودانيين الذين انكمش وجودهم وتضاءل عددهم وتفرّقوا في أحياء صوفيا إلاَّ لماماً، حياة ستكرهني فيها ظروف العيش إلى العمل في سوق إلينسي كبائع في الدكاكين، ثم كحمَّال مع مجموعة من أصحابي السودانيين. ينادينا المستوردون وكبار التجار إلى شاحانتهم المحمَّلة بالبضائع المستوردة من جنوب شرق آسيا لنفرغها في مستودعات ضخمة ونؤجر على ذلك أجراً مجزياً يكفينا مشقة العمل أسبوعاً بأكمله كنت أقضيه في الدرس والتحصيل حتى تمكنت من إتمام دراستي الجامعية.
سألت عوض التجاني(الصنديد) بعد أن انفض سامر الجمع وأنا في طريقي إلى مسكني في البناية رقم ثمانية الواقعة في مدخل مدينة الطلاب عما جرى لأسامة الخواض، فأجابني: بعد سفرك إلى ليبيا بفترة قرَّر أسامة الخواض الخروج من بلغاريا وسافر إلى القاهرة حيث يقيم عدد من أصدقائه هناك. ودعناه نحن الموجودون. ثم انقطعت أخباره من بعد ذلك. وكما ترى أصبحنا قلة مستضعَفة. كلهم سافروا، عاد منهم إلى السودان من عاد، وهاجر إلى غرب أوروبا أو بلد آخر من هاجر، والبلد نفسها تبدلت. لم تعد بلغاريا البلد الذي تعرفه. أصبحت حياتنا فيها على كفِّ عفريت. نمشي بحذر ونطوف في مركز المدينة متجنبين كثير من الأماكن الخطرة خشية أن نصادف في طريقنا بلطجية من ذوي الرؤوس الحليقة وهم نازيون جدد.
مالينوفا دولينا :
.بعد ذاك الحديث مع عوض الصنديد مضت الأيام وتبدلت الأحوال فرحلتُ من مدينة الطلاب إلى منطقة تدعى مالينوفا دولينا تقع في سفح فيتوشا، وكنت في تلك الأثناء اكسب قوتي في سوق الينسي منقطعاً في تلك البرية التي تغصُّ بالناس صيفاً، ويهجرها السواد الأعظم من السكان في الشتاء هرباً من قسوة البرد وهبوب العواصف الثلجية، أقمت في تلك الدار وحدي في معظم الأوقات، وتعلمتُ فيها كيف أقاوم الموت في شهور الشتاء، وكيف أشق البرية المظلمة الفاصلة بين الحيِّ الذي أقطن فيه وآخر صوفيا بلامصباح مثبتاً عيني على المصابيح الشاحبة التي تضيء في البيوت القائمة في أول الحي، وكذلك تعلمت، فيماتعلمت، سلق الفواكه والخضروات وتخزينها استعداداً لفصل الشتاء الطويل. اعتدتُ على المكان النائي بل وصار لي فيه معارف من الجيران من رعاة الماعز راسخين من قبلي في المكان. ألفوا وجودي بينهم وأمِنوا لي بعد فترة من الشك والاختبار كاول أسود يقيم بينهم لايدرون عنه أي شيء. صاروا بحيونني بقولهم: إذدرافي، كومشيا، والتي تعني مرحباً، أيها الجار، أثناء مرورهم بقطعان الماعز تصدر الأجراس الصغيرة المتدلية من أعناقها رنيناً لطيفاً مؤنِساً، وتوثقت العلائق فصرت زبوناً عند امراة عجوز لاتسكن بعيداً عني، اشترى منها عندما اعود من العمل في أول المساء لبن الماعز الذي يذكرني بقريتي وجدتي في البطانة.
آخر الطلاب السودانيين:
بعد انقطاع عن السودانين زرت الصديق عبد الرحمن خلدون في مسكنه في آخر مدينة الطلاب والذي تزاوجت فيه الكتب المدرسية وأسطوانات الموسيقى. كان بمعيته من آخر الطلاب السودانين في تلك الحقبة كمال مكاوي والصادق يستمعون إلى لَكِي ديوب. كانت موسيقى الريقي تنساب وتغمر المكان الهاديء وكان عبد الرحمن خلدون يصغي بانتباه، يصغي ثم يحلم، ثم يفيق من الحلم ليحلم من جديد. لاحقاً أثناء الجلسة أراني عبد الرحمن خلدون آخر صور أُلُتقِطًَتْ لأسامة الخواض قبيل سفره إلى القاهرة. كان يبدو فيها حزيناً ليس لأنه راحل فحسب، بل لأن آخر ماسيذكره عن صوفيا، تلك المدينة التي شغف بها وكتب عنها قصيدته (واقف وحيد في مسرح الليل والجليد، عابر محطات الجمر، ماسك مساخر الغربة في إيدي، محلق في الفراغ، شايلاني شتلات الأسى المزروعة لي حد البصر)، المدينة التي نافح عنها بقوة في وجه ترهات كارهيها وجاحدي فضلها والجاهلين بكنوز الثقافة فيها سواء من أبناء جلدته أو من غيرهم من الأجانب، المدينة التي شقَّ دروبها وخبر أسرارها وامضى في عطلات الصيف الساعات الطوال في حدائقها العامة التي تستعر فيها حمى التنافس بين الفطاحلة من لاعبي الشطرنج، المدينة التي سهر في مطاعمها الشعبية ذات الديكور الرائع، المدينة التي عشق مكتباتها واختلف إلى مسارحها ودور الأوبرا والسينما فيها، وتخرَّج فى جامعتها، هو لقاءٌ جمعه وجهاً لوجه بعصبة أشقياء من ذوي الرؤوس الحليقة مدججين بالكراهية لكل ما هو أجنبي. كان خارج سربه في تلك الساعة غافلاً عما يحاك له فتجمهروا وتشجعوا واستقصدوه وتحرَّشوا به في سنتر صوفيا.
في تلك الجلسة في مسكن عبد الرحمن خلدون او ربما في مكان آخر أغلب الظن أنه سوق إلينسي سألني كمال مكاوي : هل من جديد عن أسامة الخواض. فقلت بلى. جاءني منه خطاب تأخر في الطريق. أخبرني فيه أنه الآن في ليبيا. يعمل مدرساً في بلدة صغيرة تدعى بئر الغنم. ثم شكى لي في الرسالة عن صعوبة الحياة ورتابتها هناك حيث لا يسرِّي عنه شيء سوى وجود مكتبة لا بأس بها في المدرسة التي يعمل فيها، تضم بعض الكتب القيمة مثل الخوف من الحرية لايريك فروم.
عثمان محمد صالح
تلبرخ، هولندا
22.02.2026
osmanmsalih@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم