تمهيد
بلادي يا سنا الفجر …… وينبوع الشذى العطر
وملهمتي أغاريدي ……………. وآيات من الشعر
سلام أنت ألحاني وحلمي في الهوى العذري
رعتني أرضها طفلا…… فكيف أسومها غدري
وأصبو لذاتها عمري …… وحق لخيرها شكري
سلام أنت ألحاني وحلمي في الهوى العذري
وعند الروضة الغنا …….… أفياء من الشعر
وكم أطيارها غنت …..… تسابيحا مع الفجر
سلام أنت ألحاني وحلمي في الهوى العذري
ولي في أرضها ذخر …..… فعز الذخر عن تبر
وأجدادي بها قبروا …… وقد جاؤوا على قدر
سلام أنت ألحاني وحلمي في الهوى العذري
نظام النميري والسودان الجديد
منذ أيامه الأولى، بعد استيلائه على السلطة، سعى سعياً حثيثاً لكي يأتي لنا بسودان جديد من بناة أفكاره، سودان لا علاقة له بالموجود اطلاقاً. فشعار “الجديد” يعني أو هو عبارة عن قطيعة نهائية مع ما سبقه من قديم، وكأنما يقول، صاحب هذا المشروع، التاريخ يبدأ من هنا، من لحظة ميلاد عهدي الجديد، ويشرع من فوره في الغاء كل ما جاء قبله.
ولذلك عمل النميري على تغيير اسم الدولة من جمهورية السودان الي جمهورية السودان الديمقراطية، ورهبةً من رمز الحرية والعزة والكرامة، وخجلاً من أن يراه مرفرفاً عالياً في سماء السودان في كل صباح، أبت نفسه الا أن يستعيض عنه بخرقة بالية مهترئة، ترمز للتبعية وللخنوع وللدكتاتورية.
ولم يكتفي بذلك ولكنه حول شعار السودان الي “صقر الجديان”، ولا أحد يدري ماذا يعني لنا هذا الصقر، وما علاقته بهذا البلد، فهل هي عملية تشويه لصورة ما كان كائن وإلغاءه في سبيل بطولات زائفة حمقاء، واضافةً لما أسلفنا، قام بإدخال السلم التعليمي الجديد، هكذا بضربة لازب، وواسفاي!
وكان السودان قبل ظهور هذا النظام جزء من دول عدم الانحياز، وكان يعتز بأنه يمتلك قراره وتوجهه واستقلاله، ويعتزل المحاور فلا يميل للشروق فلا تغرب عنده شمس، ولا ينحاز للغروب فلا ينعم بشروق شمسه. فماذا حدث مع صبيحة انقلاب مايو، مالت البلاد شرقاً ولم تترك للشرق شيء من شرقه، وسريعاً مل وضاق ذرعاً بالتشريق، فحاول أن يغير ويواصل التجريب، ولا عزاء لمصلحة بلاد ولا لمصلحة عباد، فقصد الغرب وصار هواه غربياً، وهكذا أصبح تابعاً لإمبريالية الغرب.
وكعادته في حبه للتذبذب من اجل الحفاظ على كرسيه، فقد جاءنا شيوعياً أحمرا، ولكنه انقلب في سنواته الأخيرة اماماً للمؤمنين، وحامي حمى الدين، وألف في ذلك ما ألف من القراطيس المقرطسة، من نهج إسلامي كيف، الي نهج إسلامي لماذا؟ ونحن نسأل لماذا كل هذا؟ ولمصلحة من؟ وماذا كانت نتائج هذا “السودان الجديد” الذي طبقه النميري؟
الجبهة الإسلامية وسودانها الجديد
وكما هو معلوم وكما هو معروف بأن الإسلاميين لا يؤمنون بالوطن، ولكنهم امميين إسلاميين، ووطنهم هو تنظيمهم الإسلامي العالمي، ولذلك لا يقروا ولا يعترفوا بوجود تاريخ للجميع أو للأخرين، فلا ماضي الا ماضيهم، ولا حاضر الا حاضرهم، ولا مستقبل الا لهم فقط. وهم مقتنعون، قناعة جاهليةً، بأن اسلامهم هو الدين ولا دين غيره، ومن لم يرفع معهم هذه الراية فهو زنديق بلا شك، وهو كافر بلا ريب، وهو لا يستحق أن يعيش ولا أن يحيا.
وأول ما فعلوه في السودان بعد انقلابهم المشئوم هو أسلمت الحياة السودانية، فالهواء، الذي كان يستنشقه السودانيون، كان كافراً، ولا يؤمن بأن الله واحد أحد، فعملوا على اسلمته، وألبسوه قيمة بجعله سلعة نادره، وطالت أياديهم المتأسلمة التعليم فأدخلوه غرفة انعاشهم وهو حي فيه شيء من نبض، فخرج ميتاً في صورة حي، وجاءونا بسلمهم التعليمي الإسلامي الذي وضع الطفل مع المراهق مع من شب عن الطوق في حوش مدرسي واحد، وبقية القصة أظنها بطرفكم.
وحتى الأسماء لم تسلم من عبثهم فأسلموها كلها، وكأننا نعيش في القرن الهجري الأول. وعادوا بالسودان الي العصور الوسطي التي كان يعيشها الغرب. وغيروا التقويم فأسرعوا بنا ساعة تقدماً من أجل التقدم، فما تقدمنا، ولكننا تأخرنا سنيناً وسنيناً، وتقهقرنا دهوراً ودهوراً، فأصبحنا لا ندري هل نحن في ماضي أم في حاضر؟ وأين هي “نحن”؟، وأين ذهب سوداننا القديم ووجداننا القديم، وقطعوا من القديم ثلث أحشاءه وصرنا ناقصين، ونكبر “الله أكبر”، وحاربنا كل العالم الكافر، وتوعدنا أمريكا “أمريكا دنا عذابها” وحذرناها، وهددنا روسيا الملحدة، وسار إليهم رسولنا يحمل الرسالة وفيها.. اسلمي تسلمي، وزوجناك مواردنا كلها.
ورفعنا أو رفعوا شعاراً جميلاً صافياً كالحليب، ولكنه خاوياً لا معني له ولا فيه نفخة روح. وكان الشعار “نأكل مما نزرع.. ونلبس مما نصنع”، واستبشر الجميع خيراً، فمعنا الله ومعنا رسول الله، ولكننا جُعنا أو جوعونا زهداً، وتعرينا، فتعريّنا سترة لنا، لأننا لا نرى أمامنا ونحن على بطوننا نربط أحزمتنا، وتُهنا وأصبحنا نهيم على وجوهنا في المدن الغريبة غرباء، لا عابر سبيل ولا ابن سبيل، تصيبنا نظرات أهل المدن بالاحتقار، وأشرنا إليهم بأنه “سودان إسلامي جديد”.
واستمرت حكاية سودانهم الجديد، وما زالت حلقات مسلسلهم المكسيكي تُعرض على شاشة سودانهم المشوهة، حيث لا ابعاد ماضية له. فمن اين جاء هؤلاء؟ أو كما قال. فسودانهم الجديد لا يخرج الا من العدم، ولكن، عدمهم لا وجود له، لأنه لم يُؤذن له “بكن”، ولن يُؤذن له، لأنه كائن اسطوري لا أصل له، والله أعلم.
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم