الصادق حمدين
كنا أطفالاً نركض تحت ضوء القمر، نملأ الساحات ضجيجاً وضحكاً، ونردد دون أن نفهم المعاني البعيدة المختبئة خلف الكلمات:
“شليل وين راح؟ أكلو التمساح… شليل وينو؟ أكلو الدودو…”
كانت مجرد كلمات دراجة من التراث الشعبي، نرددها بحماسة الصغار الذين لا يعرفون من الدنيا سوى اللعب. لم نكن ندرك أن تلك الكلمات البسيطة تختزن حكاية أكبر من أعمارنا، وأنها قد تصبح يوماً وصفاً دقيقاً لمصير وطن بأكمله.
اليوم، حين أنظر إلى السودان، أسمع صدى تلك الكلمات القديمة يتردد في كل مدينة مدمرة، وفي كل قرية مهجورة وفي كل بيت أصبح حطاماً سكنه الصمت، وفي وجوه الملايين الذين أنهكتهم الحرب والنزوح والجوع والخوف والمرض. صار السودان هو “شليل” الضائع، وصار السؤال نفسه يطاردنا جميعاً:
شليل وين راح؟
هل أكله التمساح؟
أم أكله الدودو؟
التمساح في مخيالنا الشعبي ليس مجرد حيوان مفترس. إنه قوة عمياء لا تعرف الرحمة. حين يطبق فكيه على فريسته لا يترك لها فرصة للنجاة. وهكذا تبدو الحرب التي مزقت السودان. حرب لا تنتصر فيها البنادق على البنادق، بل تنتصر فيها الكارثة على الجميع. لا تفرق بين منتصر ومهزوم، لأن الوطن نفسه هو الضحية. كل يوم يطول فيه أمد الاقتتال، يزداد التمساح شراهة، ويقتطع قطعة جديدة من جسد السودان.
لكن المأساة لا تقف عند حدود التمساح.
فإذا نجا “شليل” من أنياب الحرب، وجد نفسه أمام “الدودو”.
والدودو هنا ليس كائناً خرافياً، بل هو رمز للأطماع التي تستيقظ كلما ضعف الجسد. حين ينهك الوطن نفسه بنفسه، تتقدم العيون المتربصة من كل اتجاه. حدود تصبح محل نزاع، وأراض تتحول إلى مطامع، ومواطنون يجدون أنفسهم غرباء ومضيقاً عليهم في أراض كانوا يعتبرونها بالأمس أرض إخوةً وجيراناً. فالضعف لا يجلب الشفقة في عالم السياسة، بل يستدعي الطامعين.
وهكذا يجد السودان نفسه محاصراً بين مصيرين أحلاهما مرّ: تمساح الداخل الذي ينهش جسده بالحرب، ودودو الخارج الذي ينتظر لحظة الوهن لينال نصيبه من الفريسة.
والمفارقة المؤلمة أن كليهما لا يرى السودان وطناً، بل غنيمة.
التمساح لا يسأل عن الماضي.
والدودو لا يبالي بالمستقبل.
أما الوطن فينزف بينهما.
لقد علمتنا التجارب أن الأوطان لا تضيع فقط عندما يغزوها الآخرون، بل تضيع أولاً عندما يتوقف أبناؤها عن رؤية بعضهم شركاء في المصير. وما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد معركة على السلطة أو النفوذ، بل امتحان وجودي لسؤال أكبر: هل ما زال السودانيون يرون السودان بيتاً للجميع، أم تحول إلى ساحة يتنازعها المتقاتلون حتى يتركوه نهباً للمتربصين؟
إن أكثر ما يخيف ليس صوت الرصاص، بل اعتياد سماعه. وليس مشهد الخراب، بل التعايش معه وكأنه قدر محتوم. فالأمم لا تموت حين تتعرض للأزمات، وإنما تموت حين تفقد إرادة الخروج منها.
ولهذا فإن الطريق الوحيد لإنقاذ “شليل” ليس أن ينتصر طرف على طرف، ولا أن تتسع دائرة الحرب حتى ينهك الجميع، بل أن يجلس أبناء الوطن على الأرض التي كادت تضيع من تحت أقدامهم، وأن يعترفوا بأن الخراب لم يعد يهدد خصومهم فقط، بل يهدد وجود السودان نفسه.
فالتمساح لا يميز بين أبناء الفريسة.
والدودو لا يسأل عن انتماءات الضحية.
كلاهما ينتظر النهاية.
لهذا تعود الكلمات القديمة اليوم كأنها جرس إنذار لا أغنية أطفال:
“شليل وين راح؟”
والإجابة لم تعد تخص طفلاً ضائعاً في لعبة ليلية، بل وطناً كاملاً يقف على مفترق طرق.
إما أن يستعيد أبناؤه رشدهم، فينقذوه قبل فوات الأوان.
وإما أن يستمر السؤال يتردد في ذاكرة الأجيال القادمة، وهي تنظر إلى أطلال بلد كان اسمه السودان:
شليل وينو؟
أكلو التمساح… أم أكلو الدودو؟
أو كمال قال فارس الكلمة القدال بصوت اسطورة الغناء السوداني مصطفى سيد أحمد في أغنية “أنا بقول غنوات” …… شليل ما راح شليل ما فات….شليل عند المسورو حرق بقالو حصاد…..ويبقى الأمل لأن شليل هو ذلك الأمل……Sent from Outlook for iOS
