شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م [15-15]

(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)
[15-15]
هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com

شهادة السيد الصادق المهدي حول انقلاب نوفمبر 1958م
(الجزء السادس )
• لقد كتبت في جوانب كثيرة، ولكنك مقل فيما يتعلق بالتاريخ التنظيمي لحزب الأمة، خصوصاً وأنت تعلم أهمية الأحزاب بوصفها دعائم الديمقراطية وبنيتها التحتية، وأن نقدها وتطويرها وتصويبها من ناحية بُنى سوف يدعم فكرة الديمقراطية نفسها في البلد.
 شوف، المشكلة الحقيقية هي أن الحركة السياسية السودانية قامت حول الحركة استقلالية بدعم من كيان الأنصار، والحركة الاتحادية بدعم من كيان الختمية، وتحول هذا الموضوع إلى مجموعة من الخريجين والمثقفين مع قيادة طائفية….
• طائفية بالمعني الحرفي للكلمة أم طائفية مخففة بين قوسين؟
 …لأ ، بين قوسين، أعتقد يصح القول أنهم كانوا مدعومين بأصحاب الولاء الديني وزعماء العشائر. هذه هي التحالفات التي قامت في السودان. هذه التحالفات في رأيي حدث لها اهتزاز كبير جداً الآن. هنالك قوى جديدة من المهمشين الذين رفعوا مطالب في الأول ثم رفعوا السلاح، هنالك موضوع الزحف الشبابي والزحف النسائي والزحف الجهوي، هذه العناصر فيها عوامل تتطلب مراجعة فكرة الديمقراطية نفسها. بدلاً من الوقوف عند حد الديمقراطية السياسية لابد أن تكون هنالك ديمقراطية واقتصادية وثقافية، لابد من التوفيق بين المركزية والجهوية .
أنا في رأيي آن الأوان، خصوصاً بعد أن أدت النظم الديكتاتورية في السودان لتخريب متعمد في الجسم السياسي، خصوصاً في العهد الحالي [يقصد عهد الإنقاذ الذي كان قائماً حينها]. أصبحت هنالك ضرورة لهندسة حزبية جديدة، هذا ما دفعني للمناداة بالتأسيس الرابع لحزب الأمة القومي وكتابة مذكرة حوله، وسوف أقوم بالدعوة لورشة لتناقش أفكار التأسيس الرابع تتبنى أفكار هذه المذكرة أو تعدلها، وبناءً عليها نعمل المؤتمر العام الثامن. هنالك تحدي كبير بشأن قيام المؤتمر العام الثامن لأنه سيكلف تكاليف كبيرة، تحديات مالية، لكن قدرنا تذليلها ، سوف نقيم المؤتمر الثامن ولكن قبل قيامه لا بد من قيام الورشة. أنا بصدد تشكيل اللجنة العليا للمؤتمر الثامن، واللجنة العليا هي التي ستقيم الورشة وتحدد موعد قيام المؤتمر، أنا قلت أنه لازم يقوم في شهرٍ ما لا يتجاوز منتصف العام 2018 القادم.
• أنا شاكر لك هذا الزمن الذي منحتني له، وأتمنى أن تتاح لنا سوانح أخرى لجلسات توثيق في جوانب تاريخية أخرى….
 ….[مقاطعاً] لأ، العفو يا حبيب ، أنا في رأيي إن ما تقوم به مجهود طيب جداً، إذا بالإضافة لوظائفك المهنية تفكر في هذه الجوانب ، لأن كثير من الناس ينسوا مسئوليتهم الفكرية…………..
• ما دفعني لهذه لدراسة هو اطلاعي على محضر التحقيق القضائي الرسمي الذي أجري مع المعنيين بإنقلاب 17 نوفمبر، ولفتني أن الأقوال كانت كأنما هي منسقة ومرتبة ولم يكن تحقيقاً عميقاً…..ثم ثار لدي سؤال حول عدم محاسبة المسئولين عن الانقلاب. والعهد الذي قطعتموه لهم أنتم في الجبهة الوطنية. لكن دعني أسألك مرة أخيرة عن الـتأسيس الرابع، هذا المصطلح أوجد ربكة، لأن الحزب سبق تأسيسه……
 التأسيس الرابع فكرته أن التأسيس الأول كان في 1945م، والتأسيس الثاني كان بعد 1965 ثم التأسيس الثالث كان بعد الانتفاضة في 1985، والآن جاء أوان التأسيس الرابع. صحيح أن الحزب حالياً غير محلول ولكن استجدت عوامل تتطلب هذا التأسيس……
• ألا تعتقد أنك تصادر المستقبل برسمك لملامح التأسيس الرابع وتقوم بوضع أسسه وعناصره؟
 كيف أصادره، أنا استشرف المستقبل ولا أصادره، أنا أرغب في وضع التأسيس الرابع لاستيعاب المستجدات الحالية. الآخرين يرغبون في مواتنا، نحن سوف نضع التأسيس الرابع الآن، والاجيال القادمة تأتي لتضع التأسيس الخامس. النظم الدستورية لا تأتي ready made [معدة سلفاً]، إذا نظرت في تاريخ بريطانيا تجد التطور السياسي تم على مراحل. تاريخ الخلافة الإسلامية؛ عهد الرسول يختلف عمن تلاه، وهكذا….، وهكذا.
المتغيرات في العوامل الفكرية والسياسية تتطلب نظم سياسية تتماشي مع المستجدات. يمكنني القول أن حزب الأمة بإمكانه مواصلة عمله بنفس القواعد، ولكنني أستشرف المستقبل ولا أصادره. وأقول؛ الأحزاب السياسية كلها سوف تعاني،ـ مثلاً الحركة الإسلامية الإخوانية هذي في رأيي أنها دمرت نفسها بالانقلاب وبالتجربة.
• ألا ترى أنك تُملي على الآخرين مستقبل الحزب في وضعك لتفاصيل هذا التأسيس الرابع؟
 من يرى ذلك فهو ظالم.
• الناس لا ينكرون دورك ومساهمتك، وأنك فاعل رئيس، المشكلة أنه لن يستطيع أحد مجاراتك ومقارعتك الحجة بالحجة.
 أنا لا يوجد نديد لي الآن في الحركة السياسية السودانية، هل معنى ذلك أن أتوقف عن العمل السياسي؟
• لا يعني ذلك أن تتوقف عن العمل السياسي، ولكن ماهي المعادلة التي تجعل الآخرين في حزب الأمة يقدموا رؤاهم للتأسيس الرابع؟
 بدعوتهم، سوف ندعوهم بحرية، لن نصادر فكرهم ورأيهم ، الآن أنا أناقش الجبهة الثورية وكل هذه القوى الجديدة [ كان هذا الحديث في العام 2017] أنا أحاورهم لاستيعاب تطلعاتهم، حتى لا يكون التأسيس الرابع منافٍ لهذه التطلعات. بالعكس، أنا حالياً أنظر لما بعد الإخوانية، وما بعد الشيوعية، وما بعد البعثية ، وما بعد الليبرالية. أنا أنظر لما بعد كل ذلك. أنا لا اعتقد أن هذه الرؤى عبثية، أنا أعتقد أن كلها لديها عطاء، وبها ما هو جيد وما هو غير ذلك، لذلك فإن صياغتي الحالية للأفكار تقوم علي هذه “الما بعدية”، أن نستفيد من تجارب الماضي كلها لاستشراف المستقبل.
• هذا يقودنا إلى جانب آخر، أنا كنت مهتم في هذا الحوار بالشق الحزبي التنظيمي، ربما نخصص جلسة مستقلة تتعلق بالجانب الفكري الأيديولوجي ومسألة تطورك الفكري…..
 ببساطة شديدة، أنا أقول أن رسالتي الآن تتعلق بأن الإسلام مرّ بمراحل؛ الإسلام محمولنا العقدي والثقافي الذي لا يمكن إسقاطه، لكنني اعمل على أن يكون الإسلام تيار صحوي في حركة التطور الإنساني.
• هذا هو السيد الصادق المهدي في 2017م ولكن السيد الصادق المهدي حينما شارك في صياغة دستور 1965 للحزب كتب أن حزب الأمة حزب إسلامي.
 [مقاطعا] …أنا أتحدث عن الحال لماذا تعود بي للوراء…دعنا نتكلم عن الراهن…
• …أنا اتتبع تطورك السياسي و….
 …[مقاطعاً].. نعم ستجد ذلك و….
• لماذا أقول ذلك، لأنك في فترة دعمت الاشتراكية وفي فترة دعمت الحزب الواحد…… أنا أطرح مصطلحات ..ولكن أرغب أن اسمع منك….
 …[مقاطعاً] نعم دعمت الاشتراكية، ستجد ذلك في تطوري السياسي، وما زلت، لكني لم أدعم الحزب الواحد، الحزب الواحد جريمة كبيرة….
• أنا طرحت هذه المصطلحات لأسمع منك….
 أنا دعمت الحزب الغالب لأن البلد تحتاج لتنمية. الحزب الغالب بمعني أن يلم الناس [أن يجمع أكبر طيف]، تحدثنا في ذلك مع القذافي وغيره، قلنا لهم لا تقولوا لا للأحزاب، التنمية محتاجة للحرية لكن الناس بحرية يجب ان يتفقوا على ميثاق يجمعهم.
• هل هذا هو سبب دخولك للاتحاد الاشتراكي مع نميري، مفهوم الحزب الغالب؟
 نعم، الفكرة كانت تطوير الاتحاد الاشتراكي.
• أمين التوم انتقدك في كتاباته هذا الموقف، في ذلك…
 ..[مقاطعاً]…أنا كان رأيي تحويل هذه التجربة [الإتحاد الاشتراكي] إلى تجربة جديدة.
• إيمانك بالاشتراكية سابق لذلك، لقد قمت بتأميم المشاريع الزراعية الصغيرة في النيل الأبيض، وهناك من يرى أن ذلك التصرف كان خطأ ودمر تلك المشاريع.
 نعم ، أنا افتكر الاشتراكية فكرة سليمة جداً، فكرة تأميم تلك المشاريع كانت صحيحة ولكن طبقت خطأ، بعد تغيير الحكومة حينها نفذوها ناس الهندي بطريقة خطأ بطريقة بيروقراطية [يقصد الشريف حسين الهندي] أنا كنت أرغب في تحويلها إلى جمعيات تعاونية.
• من سياساتك في وزارتك الأولى والتي وجدت تقدير في تلك الفترة أنك أقررت المساواة بين المرأة العاملة والرجل في الأجر، وسبقت في ذلك الداعمين الآن للنوع.
 نعم
• أعتقد أننا محتاجين لجلسة أخرى نناقش فيها تطورك الفكري، لأن هنالك سؤال كبير عن علاقتك بالإخوان المسلمين.
 هنالك كتاب منشور عن الوفاق والفراق بين الامة والإخوان.
• لا أقصد علاقة حزب الأمة بحركة الاخوان المسلمين من الناحية السياسية، أنا أتحدث عن علاقتك الشخصية بفكر الإخوان المسلمين.
 أنا أعتقد أن الحركة الإخوانية عندها أخطاء منذ تأسيسها، منذ حسن البنا، لذلك اتفقنا معهم على أن نُنشئ جماعة الفكر والثقافة الإسلامية لمناقشة هذه القضايا، ولكنهم غدروا بهذه الفكرة حينما مضوا في تأييد قوانين سبتمبر وقيامهم بانقلاب يونيو 1989.
• هل ترى أنهم الأقرب لك شخصياً كأفراد أم من ناحية فكرية، أعنى الإخوان المسلمين.
 كنت أتمنى أن يقبلوا فكرة أن الإسلام لا يتم تطبيقه من الكتب وإنما بالاجتهاد، وبالتوفيق بين الواجب والواقع. للأسف لم يحدث ذلك، هم لديهم منظومة معينة تربطهم بالاستيلاء على السلطة بصرف النظر عما تفعله هذه السلطة.
• هل كان حسن الترابي يعتقد أنك أقرب للعلمانية من الدينية؟
 أنا لا أرغب في الخوض فيما يتعلق بحسن الترابي.
• نحن نتحدث عنه -رحمه الله – كمفكر واسم.
 ..[مقاطعاً] لا، أنا افتكر ان الترابي كان يشعر باهتزاز شديد تجاه موقفي، لذلك كان هو يسعى لأن يلطخ موقفي. مرة يقول أنا ماركسي، مرة يقول أنا علماني. أنا في رأيي أنه وآخرين كانوا يرون أن القوى الدينية الأخرى في السودان قد انتهت، وأنه لا يجب إحياؤها، وأنهم ورَثَتها، لذلك كانوا غاضبين مني لسببين، أولاً: لأنني أبطلت هذه الاطروحة وجعلتهم هم Irrelevant لذلك لم يكن هنالك داعٍ لما فعلوا. [ يقصد في السياق أنهم فشلوا في تجاوز القوى الدينية التقليدية في السودان]. النقطة الثانية؛ أنهم غاضبون لكونهم لم يستطيعوا زحزحتنا ديمقراطياً، اجتهدوا في ضرب قواعدنا خصوصاً في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وغيرها من المواقع. المهم في رأيي أن أفكارهم كانت نتيجتها خيبة أمل لهم وبالتالي أصبحت أحكامهم تجاهنا غير موضوعية.
• في نقاش لي مع الترابي ذكر أنه يتعقد أن فكرة الدولة المدنية – حسب توصيفك – فكرة علمانية، ليس لها علاقة بالدين.
 ماهي الدولة المدنية، الدولة المدنية تعني أن يكون للناس في الدولة حقوقاً متساوية بغض النظر عن اختلافهم، صحيفة المدينة أقرت دولة مدنية.
• اليوم 23 ديسمبر ، ربنا يهبك الصحوة والعافية وطول العمر، سوف تَحتفِل بعد أيام بذكرى ميلادك..
 ..[ مقاطعاً] أنا لا احتفل، الناس يحتفون بي…
• ..نعم نحتفي بك ويحتفي بك الشعب السوداني. أنا قصدت التوثيق لتاريخ هذه المقابلة أن اليوم 23 ديسمبر 2017م الساعة الواحدة بتوقيت الخرطوم، هل لديك كلمة أي إضافة أو تلخيص لما ناقشناه ؟
 أنا ارحب بهذا التوثيق، أنا اقترحت وما زلت أكرر أننا في حاجة لقيام مفوضية تقوم بعمل تحري – مثل ما تقوم به الآن – تحري استقصائي وفكري لكل ما حدث في السودان منذ العام 1956م وحتى يومنا هذا.
• هذا هو منطلقي، لقد شاركت في أعمال هيئة الحقيقة والمصالحة في المغرب، وهي كانت تقوم على مقاربات عديدة ثقافية وسياسية ومجتمعية وحقوقية وقانونية، من ضمنها السياق الثقافي القائم على التاريخ، الذي يقوم على تتبع التاريخ في مراحل معينة وتحديد المسئوليات وجبر الضرر ورد الاعتبار على أساس ألا يكون هنالك رؤية أحادية للتاريخ.
 نعم، هذا هو حديثي، أنا أطالب أن نعمل كجزء من عملية الوفاق الوطني، كجزء من عملية العبور، أن نعمل مفوضية للحقيقة والمصالحة، تتناول هذا الموضوع من سنة 1956، تتناول الانقلابات التي حدثت في السودان وأسبابها والمسئولية عنها، النجاحات والاخفاقات، كل شيء، أنا أرغب في عمل ذلك لأنني أرى أنه إذا حدث وفاق وطني حقيقي سيكون جزء من هذا الوفاق تكوين هذه المفوضية.
• سوف نسعى كباحثين ومهتمين أن نلقي الضوء على الاحداث التاريخية الهامة التي بها التباسات ونوضحها من وجهة نظرنا، قد نُخطئ وقد نُصِيب….
 الفكرة كلها أن ننتقل من الذاتية في كتابة التاريخ إلى الموضوعية، هذا جزء من مسئوليتنا تجاه الأجيال القادمة حتى لا يكونوا مُضلَلَين، لذلك واصلوا في جهدكم هذا.
• الباحث: أنا أشكرك ، لقد طلبت ساعتين وقد استوفيتهم بالكامل إلا سبعة دقائق سأتركهم لتوديعك.

(انتهى)
أمدرمان/الملازمين في 23/12/2017 الساعة الواحدة والنصف ظهراً

عن هاشم عوض عبدالمجيد

هاشم عوض عبدالمجيد

شاهد أيضاً

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م [11-15]

(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)[11-15]هاشم عوض عبدالمجيدhashimkhairy@gmail.comشهادة السيد الصادق المهدي حول انقلاب نوفمبر …