شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م

(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة والعدالة والمصالحة)
[7-15]
هاشم عوض عبدالمجيد
hashimkhairy@gmail.com
(7) مسئولية حزب الأمة عن وقوع انقلاب نوفمبر 1958:
جميع الروايات التي أشارت لانعقاد اجتماع لمجلس إدارة حزب الأمة برئاسة السيد الصديق المهدي وتمت فيه مناقشة توصية من السيد عبدالله خليل بتسليم السلطة للجيش، والتي ذكرت أن 13 عضواً رفضوا هذه التوصية ووافق عليها 2 من الأعضاء لم تذكر تاريخ انعقاد هذا الاجتماع. في توثيقه الكتابي وكذلك في توثيقه مع قناة الجزيرة لم يذكر السيد الصادق المهدي تاريخ انعقاد الاجتماع، وكذلك لم تفعل السيدة رباح الصادق ولا الدكتور منصور خالد، علماً بأن هذين الأخيرين خاضا في الموضوع بتفاصيل لم يذكرها السيد الصادق المهدي في المظان التي أشرنا لها آنفاً.
يُفهم من سياق الأحداث – وفق غالب المرويات والمصادر المشار إليها – أن هذا الاجتماع انعقد في أو بعد 15/11/1958، وبالتأكيد قبل يوم 17/11/1958م موعد قيام الانقلاب! إن تحديد موعد انعقاد هذا الاجتماع مهم إذ قرنته معظم هذه الروايات بالتاريخ الذي يُقال ان السيد عبدالله خليل استلم فيه رسالة السفير يوسف التني. كما تتعاظم أهميته إذا قارنّا ذلك مع المصادر التي تقول أن السيد الصديق المهدي كان حينها مسافراً وبعث برسالة من جنيف يوم 5/11/1958م إلى والده السيد عبدالرحمن المهدي طالباً منه دعم التوجه لقيام “حكومة قومية بنسبة نواب كل حزب في البرلمان”. إن النظر في هذه التواريخ مع الروايات المختلفة التي تقول بانعقاد هذا الاجتماع بالإضافة لما سنورده تالياً من تفكيك لهذه الروايات تقود إلى نتيجة بسيطة وهي أنه لم ينعقد أبداً !
إحدى هذي الروايات تمضي للقول أن مجلس إدارة حزب الامة – وهو أعلى جهاز قيادي في الحزب حينذاك – أجتمع لمناقشة توصية تقضي بتسليم السلطة للجيش تقدم بها سكرتيره العام حيث ( عرض السيد عبدالله خليل على أجهزة الحزب القيادية اقتراح تسليم السلطة لقيادة القوات المسلحة لتنقذ البلاد مما هي فيه من قلاقل وتسعى لوضع الدستور الدائم [وأن] مجلس إدارة الحزب مكون من الرئيس السيد الصديق المهدي ، والسكرتير العام السيد عبدالله خليل، إضافة للسادة: إبراهيم أحمد، عبدالرحمن علي طه، عبدالكريم محمد، عبدالله الفاضل المهدي، محمد الخليفة شريف، محمد علي شوقي، عبدالرحمن عبدون، يعقوب عثمان بابكر، ميرغني عثمان صالح، بدوي محمد علي، محمد حاج الأمين، وعلي بدري. رفض هذا المقترح بالأغلبية الساحقة حيث لم يقبله إضافة للسيد خليل سوى عضو واحد آخر. أي رفضه 13 من أصل 15 عضواً من أعضاء مجلس الإدارة) . الرواية سالفة الذكر تعوزها الدقة وهي مرتبكة، رغم أن السيدة رباح الصادق وهي تسوق هذه الرواية سعت لتفصيلها وتوكيدها بإيراد اسماء من قالت أنهم أعضاء مجلس إدارة الحزب في ذلك الحين وفق ما ورد آنفاً. لقد أظهرت السيدة رباح الصادق أرتباك هذه الرواية بنفسها عندما عادت في ذات الكتاب لتقول أن السيد أمين التوم ساتي (..قد كان وزير دولة بحكومة السيد عبدالله خليل، كما كان عضواً بمجلس إدارة حزب الامة الذي رفض فكرة تسليم السلطة للجيش.) ، وسبق لها أن كتبت مقالاً في العام 2011م تقول فيه أيضاً أن السيد أمين التوم (كان مساعداً للسيد عبدالله خليل كسكرتير لحزب الأمة، وعضواً بمجلس إدارة حزب الأمة) في ذات الوقت اغفلت السيدة رباح الصادق ذكر السيد أمين التوم فيمن عدّدت من أعضاء مجلس الإدارة في روايتها الأولى التي حدّدت فيها أعضاء مجلس الإدارة الخمسة عشر. الأكثر إرباكاً في رواية السيدة رباح الصادق أنها وهي تجزم بأن عدد أعضاء مجلس الإدارة 15 عضواً ذكرتهم بالاسم، أنها لم تورد اسم العضو الآخر الذي صوّت لصالح التوصية بالانقلاب ولم تَعُده ضمن أعضاء مجلس الإدارة ! وإذا صحت روايتها بشأن انعقاد ذلك الاجتماع – ووفق ما أوردت من أسماء في سياقات مختلفة- فإن أعضاء المجلس يكونوا بذلك 17 عضواً وليس 15 عضواً إذا أضفنا لهم كل من السيد أمين التوم والسيد زيادة أرباب.
يزيد الإرباك حول صحة عدد أعضاء مجلس إدارة حزب الأمة ما ذكره الدكتور منصور خالد الذي أورد قائمة أخرى من 15 شخصاً – بوصفهم أعضاء مجلس الإدارة – فيهم من ذكرته السيدة رباح الصادق وفيهم آخرين؛ حيث وردت في قائمة الدكتور منصور خالد أسماء كل من: (الصديق المهدي، عبدالله خليل، عبدالرحمن علي طه، علي بدري، أمين التوم، عبدالكريم محمد، محمد حاج الأمين، أحمد الصاوي فضل الله، النفرواي عثمان رحمة، إبراهيم أحمد، محمد عبدالرحمن نقدالله، عبدالرحمن عبدون، محمد علي شوقي، محمد صالح الشنقيطي، محمد أحمد محجوب) . هنالك شك في صحة القائمة التي أوردها منصور خالد، ذلك أن السيد محمد صالح الشنقيطي الذي ورد اسمه ضمنها لم يكن بأي حال عضواً مسجلاً في حزب الأمة ناهيك أن يكون عضواً في مجلس إدارته، فقد كان الرجل حينها رئيساً لمجلس النواب 1958م بوصفه عضواً مستقلاً، ولكن يعرف عنه أنه كان صديقاً للسيد عبدالرحمن المهدي. كذلك لم يرد في المصادر أن السيد محمد أحمد المحجوب – الذي ورد اسمه في قائمة د. منصور خالد – كان حينها عضواً في مجلس إدارة حزب الامة، بيد أن هنالك مصادر تؤكد أن السيد محمد عبدالرحمن نقدالله – الوارد اسمه في قائمة منصور خالد – وهو الشقيق الأكبر للسيد عبدالله نقدالله كان عضواً في مجلس إدارة حزب الأمة حينها . أما السيد الصادق المهدي فقد ذكر لاحقاً بأن السيد عبدالله نقدالله كان أيضاً عضواً في مجلس إدارة الحزب حينها بينما لم يرد اسمه في قائمة السيدة رباح أو الدكتور منصور خالد. أمام هذه الروايات المختلفة يصبح العدد بالتأكيد أكثر من خمسة عشر وربما يتجاوز العشرين!
اختلال الروايات بشأن عدد وأسماء أعضاء مجلس إدارة حزب الأمة حينها يُضْعف الرواية القائلة بانعقاد ذلك الاجتماع ومسألة التصويت على التوصية، علماً بأن هنالك مصادر أخرى تشير إلى أن أعضاء مجلس إدارة الحزب – وفق دستوره حينها – يبلغ عددهم (25) عضواً بمن فيهم رئيس الحزب الذي يرأس اجتماعات كافة اجهزته بما فيها مجلس الإدارة.
على النقيض مما ذهبت إليه الروايات السابقة، فإنها لعدم دقتها تنفي فرضية علم مجلس إدارة حزب الأمة ومناقشته لهذا الأمر بصورة رسمية وبالتالي تنفي عن حزب الأمة (كمؤسسة) أي دور في انقلاب 17 نوفمبر 1958م وتجعل المسئولية محصورة في بعض الاشخاص.
لقد أنكرت قيادات بارزة في الحزب حينها – وتحديداً من أوردت المصادر الرواية السالفة على لسانهم – فيما نشر عنهم لاحقاً بصورة موثقة أي معرفة مسبقة لهم بترتيبات الانقلاب ، ومنهم مساعد السكرتير العام حينها السيد عبدالله عبدالرحمن نقدالله الذي قال أمام لجنة التحقيق القضائية […لا أعرف كيف تم الانقلاب، ولم يكن لي به علم قبل حدوثه، ولا أعرف دوافعه، ولا أعرف لعبدالله خليل صلة به..] ، وقد أكد ذلك مقرر مجلس إدارة الحزب السيد أمين التوم ساتي في مذكراته المنشورة ؛ في قوله: (…عبدالله خليل لم يُطلعْ حزبه على تصميمه على تسليم السلطة للجيش بعد أن ووجه بمشاكل لم يتمكن من التغلب عليها، ولو أنه فعل ذلك لأمكن الوصول إلى حلول تجنب البلاد سطوة الحكم العسكري ووأد الحرية والديمقراطية..) . بل إن السيد محمد أحمد محجوب يذهب في القول أكثر من ذلك ليؤكد أن حزب الأمة ليلة 17 نوفمبر 1958م توصل لاتفاق مع الحزب الاتحادي بموجبه يتولى السيد إسماعيل الأزهري رئاسة البرلمان ويتولى السيد عبدالله خليل رئاسة الوزارة ، الأمر الذي ينفي علم هؤلاء القيادات في حزب الأمة بترتيبات الانقلاب، بل إنهم وفق دلائل كثيرة ذكرها وفصلها السيد عبدالله نقدالله أمام لجنة التحقيق وأورد ما يعضدها السيد محمد أحمد محجوب في مذكراته وهو يشير إلى أنهم كانوا جدْ مهمومين بتشكيل حكومية ائتلافية جديدة مع حزب الأزهري لتفادي أي تعقيدات ساعة انعقاد جلسة البرلمان صباح يوم 17 نوفمبر 1958 . فإذا افترضنا جدلاً أن قادة الحزب هؤلاء كانوا يموهون في أحاديثهم وكتبهم المحتوية سيرهم الذاتية وذكرياتهم، وكذلك أقوال بعضهم أمام لجنة التحقيق القضائية، ويتفادون الإقرار بمعرفتهم المسبقة بالانقلاب ومشاركتهم في ترتيباته، فهل يُعقل أن يكونوا قد دونوا محضراً لاجتماع يناقش هذه المسألة ويوثقون فيه نتيجة تصويتهم؟ أو على الأقل يفشون سر اجتماع على هذه الشاكلة حضروه وأقروا فيه ما أقروا؟
كما ذكرنا آنفاً في سبيل التوثيق، وفي المقابلة الشخصية التي اجراها الباحث مع السيد الصادق المهدي في تاريخ لاحق لكل كتاباته وأحاديثه الموثقة ذات الصلة، ولاحقة كذلك لكتابات رباح الصادق وسابقة لما أورده منصور خالد في مذكراته، وفي اجابته عن هذه الواقعة أكد السيد الصادق المهدي في هذه المقابلة أنه لم يطلع على محضر لهذا الاجتماع، ولا يمكنه تأكيد حدوثه من عدمه، وأن روايته لهذه الواقعة مستندة على ما تناهى إلى سمعه من بعض قيادات حزب الأمة التي عاصرت هذا الحدث. وأضاف بأنه حينها لم يكن يتولى أي منصبٍ في حزب الأمة، بل لم يكن عضواً فيه!.

عن هاشم عوض عبدالمجيد

هاشم عوض عبدالمجيد

شاهد أيضاً

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (12)

شهادات وزوايا نظر ومقاربة جديدة لملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1958م (12)(زيارة للتاريخ من أجل الحقيقة …