شوقي بدري والنفس الامارة بالسوء .. بقلم: شوقي بدري

كتب احد البريطانيين,, اذا رأين رجلا اسودا معتدا بنفسه . يمشي وكانه سيخترق الارض  . فمن المؤكد انه سوداني ,, . هذا الكلام كان يعشعش في عقولنا . وكنا نحسب انفسنا ,, يادنيا مافيك احسن منا ,, . وطبعا هنالك قوة الراس السودانية. وعدم المقدرة علي سماع النصائح خاصة من غير السوداني .
اليوم رجعت من المستشفي بعد ان تعرضت لعلاج بما يسمي بالشمس الصناعية . وساواصل هذا العلاج لمدة ثلاثة اشهر . وكنت قد رفضت هذا العلاج بالرغم من انني تعبت في الانتظار . وعندما قابلت اخصائي الجلدية اعترضت علي العلاج. وقبلت علي مضض . عندما افهمني الاخصائي بأن امامي الامتثال او  توقف العلاج . وفي زول بيعرف احسن من السوداني؟
مشكلتي وكما سمعت عدة مرات من قبل عشرات السنين ، اني لا استعمل اي نوع من الدهان او الزيت بعد الحمام . ولقد قالت لي اخصائية قبل عقود ، عندما اشتكيت من ,, حكة ,, قد تصل لدرجة الازعاج في بعض الاحيان . هل تقوم بالاستحمام كل يوم . فنظرت اليها  نظرة بائع الربيت لظابط الصحة .  وقلت لها متأففا ,, طبعا  امارس الحمام كل يوم وربما مرتين . وافهمتني ان بشرة الانسان لم تصمم لتحمل الغسل كل يوم . وان الانسان يحتاج للكريمات واعطتني  ,, بستله ,, في حجم صهريج  بيت المال . لم استعملها . وردد لي نفس الكلام في كل مرة .
الاخصائي الاخير قال لي انه من الواجب ان ان استعمل الدهان والزيوت . والامر لا دخل له بالرجولة او الشجاعة . والشمس الصناعية بداية العلاج . والبستلة تتبع العلاج .
كنت احسب ان العلاج يعني جلسات طويلة. ولكن الامرعبارة عن 40 تانية . بعد لبس نظارة تشبه نظارة اللحام . ولا حظت ان اغلب المترددين مصابون بمرض الصدفية ، او بسيرياسس .ويكتسي الجسم بمناطق تشبه الصدف . ليست معدية ولكن شكلها غير لطيف .
وتذكرت حادثة لا تزال تجعلني احتقر نفس كثرا . ففي فترة في براغ كنت احسب نفسي كعادة كثير من السودانيين قديما ، اننا شئ خاص . وكنت اتردد علي فندق انترناشونال الذي كان اعلي مبني في  جمورية تشيكوسلوفاكية . وهم مبني كنسخة من مبني جامعة موسكو العريقة والمركز الثقافي في فارشافا  … بولندة . وكنت اجد نظرات ترحيب من موظفة جميلة، لا تتحدث بلهجة براغ  ومقاطعة بوهيميا . وتتحث لهجة مورافيا . ولانني كنت احضر عادة في صحبة فتيات . فقمت باعطاءها عنواني. وكانت سعيدة ومتشوقة للتعرف علي افريقي . وفي يوم صيفي اتت وهي ترتدي اجمل ثيابها وفي العينين نظرات حالمة .
واختليت بها  وعندما لا مست يدي تلك البقع الخشنة. نفرت منها . وحاولت ان تشرح لي . ولكن الافريقي المتغطرس لم يكن يريد ان يستمع اويتفهم . ولم ارحم دموعها . وتركتها في غرفة الطلبة . وبعد اكثر من  ساعة ، شاهدتها وهي خارجة  من مسكن المدينة الجامعية  الفاخر استراهوف . وكانت تبدو مختلفة عن الفتاة الطويلة ذات القامة الممشوقة . لم استطع ابدا ان اتوقف من لوم نفسي واحتقارها . وافكر في شعور المسكينة وهي تتوقع رجوعي . بالرغم من اني كنت اقول انني لم اعرف وقتها ما هي الصدفية  . لم يتوقف الالم ابدا الي الآن  , كلما افكر في تلك الفتاة المسكينة احتقر نفسي . لقد اتينا الي اوربا ونحن نحسب ان كل النساء طعام . واننا الآكلون . لعن الله الغرور والاحساس بالتميز بدون وجه حق .
في احدي المعارض العالمية تعرفت بالميجر هيو ماكينا . كان انسانا لطيفا ومثالا للجنتل مان الانجليزي . ولا ادري اي شيطان سيطر عليه لكي يجعله يسعي لصداقتي . وبعد فترة تعرض لمشكلة في حياته انتهت بطلاق . وكان يريد ان يبتعد عن لندن . واتصل بي . واتي لزيارتي . وتطور الامر و صارموظفا معي . وكان الجميع يحبونه . وخدمني لسنين . ورافقني في رحلات كثيرة . وكان رفيقا جديدا . وعندما كنا في السودان كان يفضل بيتنا في امدرمان علي الفندق في الخرطوم خاصة بعد ان سرقت نظارته  في الفندق الراقي . كان رجلا يحب التاس والالفة . ولم يكن من النوع الذي يشتكي . لانه قد عمل في سلطنة عمان لسنين  بسبب عمله في  سلاح الطيران الملكي . وعمل في ليبيا والامارات . ولم تكن عمان في نهاية الستينات وبداية السبعينات سوي صحاري وتلال . وكان بحق اضافة كبيرة للشركة . وربما بسبب خلفيته العسكرية ، فقد كان يعطيني كثيرا من الاحترام ، خاصة امام الآخرين . ولم يعجب مدير احدي شركات التامين في الدنمارك وجوده في نزاع كسبناه . وقام البريطاني مديرشركة التأمين بسؤاله بطريقة استفذاذية . اندر وتش كاباستي آر يو هير. فقال الميجر بدون تردد ,, انا مساعد للمستر بدري .
صديقي التريندادي وليام ماكينا كان يحضر الي مكتبنا في ميدان الملك وعلي رأس القنصلية البريطانية ، بطريقة راتبة . ويحيي الميجر ماكينا باسمه ورتبته . ويكون الرد ,, مرحبا بالسيد ماكينا . كان شقيقي  اسعد والسكرتيرة والمهندس النرويجي يونسون يحبون الميجر . ولم يكن يصطدم سوي بحسين خضر . وحسين كان الاقرب الي . ويؤلمني انني لم اكن انصف الميجر . وربما لان عقلي الباطن ، كان دائما مبرمجا ، ان الميجر في النهاية خواجة اوربي .
التربية السودانية القديمة كانت تجعلنا نحس بأننا شئ خاص  وكل ما هو غيرسوداني يأتي في النهاية , والخواجة كان طار السما ماهو في النهاية ، يعني شنو ما خواجة . ولاحظت انني عندما كنت التقط الصوراتجنب ان اظهر صورة زوج ابنتي السويدي  . بالرغم من ان ابنته ، وكما قلت هي الفتاة الوحيدة التي تجعلني اغالب دمعي فقط لمشاهدتها . ولو كان زوج بنتي دينكاويا او نوباويا او رباطابيا او جعليا اومن السودانيين  لكان بالنسبة لي يمثل احد  اخوتي واحبابي . وفي النهاية  هذا خيار ابنتي . التنظير سهل جدا والواقع صعب .
نحن نظلم الاوربيين . ونشتكي من ظلم بعض الاوربيين . والاستخفاف بالاوربي بالنسبة لي نابع من اننا نضع مقاييسنا السودانية لمحاكمة الاوربي . والاوربي لا يحتاج للشجاعة والكرم والتجرد والتضحية بالغالي والنفس من اجل الآخرين . فحياته لا تحتاج لمواجهة الرباطين. والجميع مرتاحون ماديا وفكريا . العلاقات مؤطرة . الكل يعرف حدوة .
القشة التي قصمت ظهر البعير ، هي انني لا حظت ان هنالك من يستخدم طابعة الوثائق بعد ساعات العمل .وكان للجميع مفاتيح لدخول المكتب . وقمت بوضع علامات علي  ظهر الاوراق . وفي الصباح الباكر اكتشفت ان الاوراق المعلمة قد اختقت .  ونفي الجميع  حضورهم في المساء. والميجر كان يسكن في الشقة المعدة للضيوف بالقرب من الميدان .واكد انه يحضر في  المساء ويستخدم الطابعة  ..نسيت كل الايام الجميلة ، ولبست قبعة المخدم المتغطرس,  وانهيت عمل الميجر .
في المساء وبينما اناجالس في المنزل مع بعض اطفالي اتاني صوت الميجر . وكان يقول لي ، انه قد مر بكثير من الظروف الصعبة . وانه لم يحدث ان سبب له اعظم الجنرالات الالم الذي سببته له . وكان يبكي في التلفون . ولم يرق له قلبي .ومن الممكن انني قد كنت اكثر صلفا . الميجر كان قد تعود علي العيش معنا وصار عضوا في مجموعتنا . ويرافقني في تجمعاتنا  . حتي مباريات كرة القدم التي نقيمها في نهاية الاسبوع .
عندما ذهبت الي لندن بصحبة  والدة ابنتي نضيفة . صرنا ضيوفا علي نادي الطيران الملكي في لندن  في بيكادلي استريت. وعند مقابله الشيخ فيصل القاسمي الوزير في حكومة ابو ظبي. دعيناه لمأدبة غداء في ذلك النادي .وعضوية الميجر اتاحت لنا تلك الفرصة .
هل كانت المرارة والتجارب المريرة التي عشتها في اوربا .والجروح التي يحملها جسمي بسبب الظلم الاوربي ، هي الخلفية لازلال رجل مثل الميجر؟ لقد اعطيت الميجر مبلغا معقولا  قبل سفره. ولكن المال ليس هو المهم كما اقول دائما . وبعداشهر قليلة حاول الميجرمراجعتي. متوقعا اني قد اغير رأيي . الا  انني قابلته ببرود . وانتهت علاقتنا . وانا الذي اتحدث عادة عن الولاء والصداقة .
الرجل الذي تكفل بالاتصال بالشركات البريطانية  فيما بعد. كان مولودا في لندن الا انه من اصل اجنبي . وكان داهية . ولقد استغلني واشتري منزلا يحلم به اغنياء البريطانيين بعد ان كان يسكن في شقة صغيرة . وابتلع كل شئ . وتحسرت علي الميجر الوفي . لقد اخطأت في حقه كثيرا  .
وانافي الثامنة عشر من عمري كنت اقف مع عثمان عبد المجيد علي طه والاخ محمد بشير هاشم من شارع الاربعين. كنا نقف امام الدكان بالقرب من الفضاء الذي صار جامع فيصل في العرضة. مر بنا اثنان من الشباب . قام احدهم بغسلنا بنظرات متحدية ، لان الصديقان  كانا يدخنان . وكان شابا قويا . ويرتدي ملابس انيقة . تبادلنا عبارات خشنة . وقام بشتمنا . فقلت له مشيرا للهوائي العالي الذي كان غرب مدارس الاحفاد ويعرف بالاسلكي . وطلبت منه ان يتبعني الي تلك المنطقة . وكان سعيدا ب,, المطالعة ,, وطيلة الطريق كان يشتمنا ويصفنا بالصعاليك واولاد امدرمان الذين ينقصهم الادب والرجولة …. الخ
الشاب كان يتوقع مصارعة وقتالا كلاسيكيا ,, اديني ملكة ,,. وكما حدث لي عندما رحلنا من شمال امدرمان الي العباسية . وواجهت فجوة ثقافية . ففي العباسية يعرف الاطفال الهوك والابر كت  وكل فنون الملاكمة . والراس هو سيد الموقف . والركل العلمي اوجع من ام دلدوم . وصال الشاب الشجاع لفترة ربع ساعة . ولم يلمسني . ووقف ليلتقط انفاسه . وسخرت منه . وكنت علي وشك ان اطلب منه الرجو الي الآخرين .
ولكن لا ادري اي شيطان تملكني . وبكل قسوة ولؤم . انهلت عليه بالضرب المبرح .  الي الآن اتذكر ذالك الوجة الرجولي الوسيم وهو يتلقي لكمات لم يعهدها . ولم يتراجع ولم ينكسر . وكان يعرف انه قد وقع في ورطة .
وكانني قد افقت من حلم غير لطيف توقفت . وجلس ذالك البطل علي الارض  . فطلبت منه الرجوع الي الآخرين . الا انه رفض. وطلب مني تركه في حاله . ورجعت انا المهزوم حقيقة . وكان ذلك عملا جبانا  ، لن انساه  . كلما اتذكروجه ذالك الشاب اتمني لو انني قابلته لاقبل قدميه لكي يغفر لي تلك الفعلة البشعة .
رفيق الشاب لم يصدق رجوعي وكان يقول للآخرين ان صديقه  ،لم يتمكن اي شاب في بلدتهم او البلاد القريبة من هزيمته . وتردد الصديق الي منزل عثمان عبد المجيد بعد ان دله صاحب الدكان الي منزلهم . وكان يريد ان يعرف ماذا حدث . لان صديقه لم يرجع الي المنزل . واظن انه لم يرد ان يظهر بتلك الكدمات . اتمني  ان الشاب ، الشيخ الآن ، يقرأ هذا الكلام . وان يغفر لي جبني . فلقد كانت تسيطر علينا رعونة الشباب .
اخذني رفيق الدرب عثمان ناصر بلال  الي الاخ توتو طيب الله ثراه والذي كان احسن من يفصل القمصان في الموردة . وكان شقيقه الباهي من احسن الترزية في السودان وكان السفير الامريكي يخيط عنده بدل السفاري . اخذني عثمان الي  ,,عبد المحمود ابو صالح ,, اكبر خياط في الموردة لعمل البناطلين . والغرض كان ادخالي في عالم المدنية . بعد ما كنت من شرامة امدرمان . واتصف بالدغمسة .  وصرت ارتدي الجزمة والشراب بعد ان كنت افضل المشي حافيا . 
واتيت الي عبد المحمود  بزبائن آخرين . لسنين كنت زبونا جيدا . وعندما كنت استعد للذهاب الي براغ ؟ كنت مطلوبا لعبد المحمود بجنيهين او اكثر قليلا . ونسيت المبلغ . وكان استخراج فيزة خروج في ايام الديكتاتورية العسكرية مشكلة حقيقية . ونسيت امر الدين . ولم ادفع المبلغ. وعرفت عن طريق الخطابات ان اخي عبد المنعم  عبد الله حسن عقباوي .قد اخذ المبلغ وسلمه لعبد المحمود . الرحمة للحيين والميتين . وهذا بعد ان لفت عبد المحمود ابو صالح نظرة الي تقصيري في الحضورلتسديد الدين .
المخجل هنا هو انني لم اذهب ابدا معتذرا عن سفري بدون تسديد الدين. والغلطة الاكبر انني لم افكر في انني قد اخطأت في عدم الاعتذار. والآن عندما افكر في الامر احس بالخجل الشديد . وعندما يتقدم العمر يحاسب الانسان نفسه .

http://www13.0zz0.com/2015/03/23/20/379190829.jpg <http://www13.0zz0.com/2015/03/23/20/379190829.jpg> 
الميجرماكينا ووالدة ابنتي في بروكسل لمقابلة شركة .
http://www13.0zz0.com/2015/03/23/20/250314942.jpg <http://www13.0zz0.com/2015/03/23/20/250314942.jpg> 
يالقرب من نادي الطيران اللكي
http://www13.0zz0.com/2015/03/23/20/978316072.jpg <http://www13.0zz0.com/2015/03/23/20/978316072.jpg> 
الميجر ماكينا وزوجة وزير الدفاع النايجيري 
http://www2.0zz0.com/2015/03/23/20/487759049.jpg <http://www2.0zz0.com/2015/03/23/20/487759049.jpg> 
الميجر ماكينا ومهندس السفن يونسون الذي تعلمت منه الكثير عن بناءالسفن  والكشف عليها. نحن علي ظهر باخرة .
http://www2.0zz0.com/2015/03/23/20/876141660.jpg <http://www2.0zz0.com/2015/03/23/20/876141660.jpg> 
shawgibadri@hotmail.com
////////////

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً