باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 1 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد عرض كل المقالات

شيراز وسنار: جغرافيا الروح بين عبد الوهاب البياتي ومحمد عبد الحي

اخر تحديث: 1 أكتوبر, 2026 10:19 مساءً
شارك

شيراز وسنار: جغرافيا الروح بين عبد الوهاب البياتي ومحمد عبد الحي
من قمر المنفى إلى فضة أحلام النهر
د عبد الرحيم عبد الحليم محمد
الولايات المتحدة-كاليفونيا
abdelrmohd@hotmail.com
شيراز وسنار: جغرافيا الروح بين عبد الوهاب البياتي ومحمد عبد الحي
من قمر المنفى إلى فضة أحلام النهر
د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد
الولايات المتحدة – كاليفورنيا
ثمة شعراء يكتبون المكان، وثمة شعراء يجعلون المكان يكتبهم. وحين أدخل «قمر شيراز» لعبد الوهاب البياتي، ثم أخرج منه لأدخل «العودة إلى سنار» لمحمد عبد الحي، ينتابني إحساس بأنني لم أغادر مدينة إلى مدينة، وإنما انتقلت بين حالتين من حالات الروح: روح تذهب بعيدًا بحثًا عن وطن، وروح تعود من بعيد بحثًا عن نفسها.
شيراز عند البياتي ليست مدينة إيرانية وحسب، مثلما أن سنار عند عبد الحي ليست مدينة سودانية وحسب. لقد خرج المكانان من أطلس الجغرافيا ودخلا أطلسًا آخر: أطلس الجرح والذاكرة والعشق والمنفى والعودة والموت والولادة.
ولعل المدخل الأعمق إلى هاتين التجربتين هو الذاكرة. فكلا الشاعرين يستيقظ في ذاكرته، ولكن لكل منهما باب مختلف إلى ذلك الاستيقاظ.
البياتي يستيقظ في ذاكرته عبر الحب، ومحمد عبد الحي يستيقظ في ذاكرته عبر التاريخ.
عند البياتي توقظ المرأة ما نام في الروح؛ فتأتي شيراز والقمر والنهر والمنفى من وراء وجه الحبيبة، كأن الحب يستدعي الأمكنة التي خبأتها الذاكرة. أما عند عبد الحي، فإن الذي يوقظ الذاكرة هو التاريخ نفسه: سنار، والأجداد، والنهر، والمداح، والطبال، والنخلة والأبنوس.
هناك ذاكرة تبدأ من القلب وتتسع حتى تبلغ الوطن، وهنا ذاكرة تبدأ من الوطن والتاريخ لتعود إلى أعماق الذات.
ومن هنا ربما كان اختلاف الطريقين هو نفسه سر التقائهما.
ولكن لا ينبغي أن نستعجل المقارنة.
فلنبق قليلًا في شيراز.
في شيراز… حين تسكن المرأة مدينة ويسكن المنفى امرأة
يدخل البياتي عالم شيراز من أكثر الأبواب هشاشة وأشدها قوة: القلب المجروح:
«تجرح قلبي، تسقي من دمه شعري».
ليس الجرح هنا خبرًا عن ألم عاطفي عابر. ثمة عملية تحول كاملة تجري في هذه الصورة الصغيرة: القلب يُجرح، والجرح ينزف، والدم يتحول إلى ماء، والماء يسقي الشعر.
أي أن القصيدة نفسها نبتة خرجت من الجرح.
لكن المرأة التي تجرح القلب لا تبقى امرأة محدودة الملامح. إنها تتسع في المخيلة حتى تتداخل فيها نساء العالم والمكان والمدينة والقمر والنهر. يحمل عالمها قمرًا شيرازيًا، وتصبح العينان نهرًا، وتغرق المدن في الماء، ويدخل العاشق النهر سابحًا ضد التيار.
وهنا يقول البياتي:
«أكتب تاريخ الأنهار».
والعبارة أكبر من النهر. فالعاشق لا يكتب تاريخ الماء، بل تاريخ نفسه وهي تعبره؛ تاريخ المدن التي مرت، والنساء اللواتي تحولن إلى مدن، والمنافي التي حملها معه، والأوطان التي لم يعد يعرف أين تبدأ وأين تنتهي.
وهنا نفهم أن الحب عند البياتي ليس موضوعًا للذاكرة فحسب، بل قوة توقظها. المرأة لا تعيد إليه نفسها وحدها؛ تعيد إليه الأمكنة والغياب والمنفى وما تراكم في داخله من حياة سابقة.
ثم تتصاعد الصورة حتى يقول:
«بدمي يغتسل العشاق».
ويصبح الدم، مرة أخرى، شيئًا آخر غير الدم. بدأ ماءً يسقي الشعر، ثم صار ماءً يغتسل به العشاق. كأن جسد الشاعر نفسه يدخل في دورة كونية للعشق: جرح، فدم، فماء، فقصيدة، فعشاق.
ثم يصل البياتي إلى واحدة من أكثر عباراته قدرة على اختزال تجربة المنفي:
«آخر منفى وطن».
يا للمفارقة.
كيف يصبح المنفى وطنًا؟
لأن المنفي حين تطول رحلته قد لا يعود يبحث عن الوطن الذي خرج منه وحده، وإنما عن موضع تستطيع روحه أن تتوقف فيه. عندئذ يمكن للمرأة أن تصبح مدينة، وللمدينة أن تصبح امرأة، وللحب أن يصبح إقامة مؤقتة في العالم.
ولهذا تتداخل في «قمر شيراز» صور الجسد والطبيعة: النهر والقمر والورد والتوت والدم. وفي لحظة من لحظات الإشراق يخاطب المرأة بما يجعل عينيها ويديها جزءًا من رحلة كاملة:
«قنديلا ذهب عيناك
ويداك شراعان».
العينان ضوء، واليدان شراعان.
وما بين الضوء والشراع يولد السفر.
وليس الورد في هذا العالم زينة غزلية. التوت الأحمر والورد الجبلي الأبيض يدخلان في تركيب عالم تتجاور فيه الحياة والموت، كما تتجاور فيه النار والماء. ولذلك تظهر النار مرارًا: لهبًا واحتراقًا وعسلًا ناريًا؛ لكنها، مثل الجرح، لا تؤدي وظيفة واحدة. إنها تؤلم وتطهر وتحول.
وحين نصل إلى آخر الطريق لا نجد العاشق جالسًا في بيت آمن؛ نجده عند «ينابيع النور»:
«وجدوني عند ينابيع النور قتيلاً».
ثم تأتي الصورة التي لا تكاد تغادر الذاكرة:
«وجناحي مغروس في النور».
قتيل، نعم، لكنه ذو جناح.
وميت، نعم، لكنه عند ينابيع النور.
كأن البياتي يرفض، حتى في الموت، أن يمنحنا خاتمة مستقرة. فالجسد انتهى، لكن الجناح بقي؛ والدم تحول إلى شعر؛ والمنفى حاول أن يصبح وطنًا؛ والمرأة تحولت إلى مدينة؛ والمدينة إلى حلم.
إنه استيقاظ الحب في الذاكرة.
وهذه هي شيراز التي سنحملها معنا ونحن نعبر إلى سنار.
وفي سنار… حين يستيقظ التاريخ
إذا كان البياتي يصل إلى شيراز من جهة المنفى والحب، فإن محمد عبد الحي يصل إلى سنار من جهة العودة والتاريخ.
وهذا الاختلاف ليس تفصيلًا صغيرًا، بل مفتاح التجربتين.
البياتي ذاهب.
وعبد الحي عائد.
وحين يقترب عبد الحي من سنار لا يقول لنا ببساطة: وصلت. فالعودة الجغرافية أسهل كثيرًا من العودة الوجودية. يستطيع المسافر أن يصل إلى المدينة، ولكن هل يستطيع أن يصل إلى ذاته؟
ولهذا يأتي النداء:
«الليلة يستقبلني أهلي».
لكن من هؤلاء الأهل؟
هنا تبدأ واحدة من أغنى لوحات الشعر السوداني الحديث. الذين يستقبلون العائد ليسوا أفراد أسرته الواقعية وحدهم؛ إنهم الأحياء والموتى، الأطفال والأجداد، المغنون والطبالون، الإنسان والأرض، العربي والأفريقي، الماضي الذي مات والماضي الذي يرفض أن يموت.
تخرج أرواح الأجداد من:
«فضة أحلام النهر»
ثم تتقمص أجساد الأطفال.
يا لها من حركة زمنية مذهلة: الجد الميت يدخل جسد الطفل الحي.
الماضي يستيقظ في الحاضر.
إنه لا يعود بوصفه أثرًا محفوظًا في متحف، وإنما يعود جسدًا جديدًا.
ولا تصمت الأرواح؛ إنها:
«تنفخ في رئة المداح»
ثم تنتقل الحركة إلى ذراع الطبال.
إنها ذاكرة تُسمع وتُغنّى وتُضرب على الطبل. الهوية هنا ليست فكرة نظرية يشرحها الباحث، وإنما صوت وإيقاع ونَفَس وجسد.
ثم يستقبل الأهل عائدهم بهدايا غريبة ومهيبة: مسبحة من أسنان الموتى، وإبريقًا جمجمة، ومصلاة من جلد الجاموس.
في مشهد واحد يضع عبد الحي المقدس إلى جوار البدائي، والمسبحة إلى جوار الجمجمة، والصلاة إلى جوار جلد الحيوان. ليس لكي يلغي أحد العالمين الآخر، بل لكي يسأل:
من أي هذه العناصر صُنع هذا السوداني العائد؟
ثم تأتي الصورة التي صارت من مفاتيح قراءة القصيدة:
«رمزًا يلمع بين النخلة والأبنوس».
النخلة والأبنوس ليسا شجرتين فحسب. إنهما طرفا جغرافيا وثقافة وذاكرة؛ ومن المسافة بينهما يريد عبد الحي أن يستخرج معنى للذات السودانية.
ولهذا لا يقول إن الرمز يسكن النخلة وحدها، ولا الأبنوس وحده.
إنه بينهما.
وهذه الـ«بين» ربما كانت أهم كلمة غير مكتوبة في مشروع العودة كله: بين الغابة والصحراء، بين الوجه والقناع، بين العربي والأفريقي، بين المسبحة وجلد الجاموس، بين الماضي والحاضر، بين الموت والولادة.
ثم تحدث الولادة الكبرى: ولادة اللغة.
فاللغة:
«تطلع مثل الرمح»
من:
«جسد الأرض»
وتعبر:
«سماء الجرح».
هنا تصبح الأرض جسدًا كما أصبحت المرأة عند البياتي مكانًا.
لكن عبد الحي يذهب أبعد في بناء مشهده السناري. فالمدينة لا تستقبل العائد بالصمت، وإنما بالحركة والطقس: خيل في دائرة النار، وأجراس وديباج، وامرأة تفتح باب النهر، ومن عتمات الجبل والأحراج يُستدعى «حراس اللغة ـ المملكة الزرقاء».
إننا لم نعد أمام سنار المدينة.
نحن أمام مسرح للذاكرة السودانية.
وفي قلب المسرح يقف العائد يسأل:
من أنا؟
ثم يقدم عبد الحي إحدى أكثر صوره جرأة حين يجعل:
«الغابة والصحراء
امرأة عارية تنام»
على سرير البرق، في انتظار ثورها الإلهي.
هنا لا يجمع الشاعر المكونين في معادلة مدرسية: عربي + أفريقي = سوداني. إنه يحولهما إلى أسطورة ولادة؛ إلى جسدين وقوتين ورغبتين تتداخلان لكي ينشأ منهما وجود جديد. ثم يتحد «الوجه والقناع» في شكل واحد على الحدود بين النور والظلمة والصحو والمنام.
سنار، إذن، ليست جوابًا جاهزًا عن الهوية.
إنها المعمل الذي تستيقظ فيه الذاكرة لكي تعيد صناعة الهوية.
قمر شيراز وفضة أحلام النهر
والآن فقط يمكن أن نضع المرآتين متقابلتين.
عند البياتي امرأة تحمل قمرًا شيرازيًا.
وعند عبد الحي أجداد يخرجون من «فضة أحلام النهر».
هناك قمر، وهنا فضة.
هناك ضوء علوي يرافق العاشق في منفاه، وهنا ضوء مائي يخرج منه تاريخ الجماعة.
ونهر البياتي غير نهر عبد الحي، على الرغم من أن كليهما يتجاوز الماء.
في شيراز يتصل النهر بعيني المرأة وبالعشق والمدن والغرق والسباحة ضد التيار، حتى يستطيع البياتي أن يقول إنه يكتب «تاريخ الأنهار».
أما في سنار فالنهر رحم للذاكرة؛ تخرج منه أرواح الأجداد، وتفتح المرأة بابه، وتتشكل حوله المملكة واللغة والطفولة.
نهر البياتي يحمل العاشق إلى المرأة.
ونهر عبد الحي يحمل الأجداد إلى العائد.
الأول نهر رغبة.
والثاني نهر ذاكرة.
لكن كليهما يعبر بالشاعر من وجود إلى وجود.
والأجمل أن المرأة نفسها تتحرك في اتجاهين متعاكسين.
عند البياتي المرأة تصبح جغرافيا: عيناها نهر، وتحمل القمر، وتحتوي المدن، ثم تكاد تصبح شيراز نفسها، حتى يستطيع المنفي أن يرى فيها احتمال الوطن.
أما عند عبد الحي فإن الجغرافيا تصبح امرأة:
«وكانت الغابة والصحراء
امرأة عارية تنام».
إنها حركة معكوسة على نحو يكاد يكون هندسيًا:
البياتي: المرأة ← المكان.
عبد الحي: المكان ← المرأة.
وفي المنتصف يقف الجسد بوصفه اللغة التي تستطيع الجغرافيا أن تتكلم بها.
ثم الجرح.
البياتي:
«تجرح قلبي، تسقي من دمه شعري».
وعبد الحي يجعل اللغة تعبر:
«سماء الجرح».
جرح البياتي يبدأ فرديًا، من قلب العاشق، ثم يتسع حتى يدخل الشعر والعشاق والمنفى.
وجرح عبد الحي يبدأ من سؤال الذات، لكنه يتسع إلى الأرض والتاريخ والجماعة.
هناك دم يسقي الشعر.
وهنا أرض تلد اللغة.
النار والجناح… وسعدي وحافظ بين المدينتين
ثم تأتي النار.
في «قمر شيراز» تتعدد صور اللهب والاحتراق والعسل الناري، وكأن الحب لا يعرف طريقًا إلى المعرفة لا يمر بالنار. لكن النار لا تكون النهاية، لأننا نصل في آخر المشهد إلى جناح مغروس في النور.
وعند محمد عبد الحي نجد تلك العبارة المدهشة في «في الحلم رأيت سعدي وحافظ»:
«النار وطن العشاق».
وهنا يحدث شيء يستحق الوقوف عنده طويلًا.
عبد الحي الذي عاد إلى سنار يحلم بـسعدي وحافظ.
أي أنه حين يريد أن يكتب عن العشق والنار والحديقة والكشف، يجد شاعري شيراز واقفين في حلمه.
ومن هنا يصبح حضور شيراز عند عبد الحي حقيقة شعرية، لا حيلة اخترعها الناقد لكي يقارن بين شاعرين.
البياتي ذهب إلى شيراز.
وعبد الحي رأى شاعري شيراز في الحلم.
لكن كليهما وجد هناك النار والورد والعشق والتحول.
وحتى الجناح يعود عند عبد الحي، حين نسمع:
«حفيف الريش حين يضرب الجناح»
عابرًا سماوات الغياب.
الجناح عند البياتي مغروس في النور، والجناح عند عبد الحي يعبر الغياب.
وكأن كليهما يريد أن يتجاوز الجغرافيا نفسها.
فالنهر عبور أفقي في الأرض.
والجناح عبور رأسي في السماء.
وبين الاثنين يتحرك الإنسان باحثًا عن مكان أوسع من جسده.
ولا أرى في ذلك دليلًا كافيًا للقول إن أحد الشاعرين أخذ عن الآخر؛ فمثل هذا الحكم يحتاج إلى بينة تاريخية ونصية أقوى. لكنني أرى قرابة في طريقة تحويل الأشياء: النار لا تبقى نارًا، والجرح لا يبقى جرحًا، والنهر لا يبقى ماءً، والجناح لا يبقى جناحًا.
كل شيء يريد أن يصير شيئًا آخر.
حين يستيقظ المنفي والعائد
وهنا أصل إلى ما أراه أعمق فارق وأعمق لقاء بين البياتي ومحمد عبد الحي.
البياتي يذهب.
وعبد الحي يعود.
لكن كليهما يستيقظ.
البياتي يحمل جرح المنفي ويبحث في شيراز عن مكان يستطيع أن يمنحه ما سلبه المنفى، حتى يصل إلى المفارقة:
«آخر منفى وطن».
أما عبد الحي فيقف على أبواب سنار عائدًا، لكن العودة لا تعفيه من السؤال. إنه لا يريد عنوان البيت؛ يريد أن يعرف من هو صاحب البيت.
ولهذا كان لا بد أن يستقبله الأجداد.
ولا بد أن يتكلم المداح.
ولا بد أن يضرب الطبال.
ولا بد أن تلمع النخلة إلى جوار الأبنوس.
ولا بد أن تخرج اللغة من جسد الأرض.
فالوطن عند عبد الحي لا يُستعاد بمجرد الوصول إليه؛ يجب أن يُعاد تكوينه داخل الذات.
ومن هنا تبدو شيراز وسنار متعاكستين:
شيراز أفق يتجه إليه المنفي.
وسنار أصل يعود إليه الغريب.
لكن المفارقة الكبرى أن كليهما، في النهاية، لا يجد المكان كاملًا.
البياتي يصل إلى شيراز، ولا تنتهي الغربة.
وعبد الحي يعود إلى سنار، ولا ينتهي سؤال الهوية.
لأن المدينة التي يبحث عنها الشاعر لا يمكن أن تكون حجارة وشوارع وحدها.
إنها صورة لاكتمال مستحيل.
ولهذا يكتب البياتي من جرحه، ويستدعي عبد الحي أجداده من النهر.
هذا يبحث عن الوطن في المرأة.
وذاك يبحث عن ذاته في الوطن.
هذا يجعل دمه ماءً للعشاق.
وذاك يجعل النهر ذاكرة للأجداد.
هذا ينتهي عند ينابيع النور وجناحه مغروس فيها.
وذاك يقف بين النخلة والأبنوس، وبين الوجه والقناع، وبين الغابة والصحراء، باحثًا عن لغة تستطيع أن تقول هذا الخليط كله دون أن تمزقه.
الذاكرة ليست وراءنا فقط
ولعلنا الآن نستطيع أن نرى الرحلتين من زاوية أخرى.
لم يكن البياتي وعبد الحي يعبران جغرافيتين فحسب؛ كان كل منهما يعبر ذاكرته.
البياتي يستيقظ في ذاكرته عبر الحب. امرأة تجرح القلب، فيسيل منه الشعر، ثم تتسع صورتها حتى يدخل فيها النهر والقمر وشيراز والمنفى والوطن. إن ذاكرته تبدأ من نبضة فردية حميمة، لكنها لا تظل فردية؛ فالحبيبة تفتح أبواب المدن، والمنفى يدخل في العشق، والعشق نفسه يصبح بحثًا عن مكان تستطيع الروح أن تقيم فيه.
أما محمد عبد الحي فيستيقظ في ذاكرته عبر التاريخ. لا توقظه امرأة واحدة، بل توقظه سنار بكل ما تراكم فيها وحولها من أسلاف ورموز وأصوات وطبول وأنهار. يستيقظ فيه الميت والحي، العربي والأفريقي، النخلة والأبنوس، الغابة والصحراء. إن ذاكرته ليست استرجاعًا للماضي، بل محاولة لأن يعرف، من خلال ذلك الماضي، من يكون الآن.
البياتي توقظه الحبيبة فيتذكر الوطن.
وعبد الحي يوقظه الوطن فيتذكر ذاته.
ومن هنا تكتسب المقابلة معناها الأعمق: هذا يبحث عن الوطن في المرأة، وذاك يبحث عن ذاته في الوطن. أحدهما يدخل التاريخ من باب الحب، والآخر يدخل الذات من باب التاريخ.
وهنا أفهم لماذا التقى الشاعران عند سعدي وحافظ، ولماذا اجتمع في عالميهما الورد والنار والنهر والجناح والجرح والنور.
لم يكونا يبحثان عن مدينتين.
كانا يبحثان عن صيغة للوجود.
ولذلك، حين أضع «قمر شيراز» إلى جوار «العودة إلى سنار»، لا أرى شيراز في إيران وسنار في السودان فقط.
أرى منفيًا وعائدًا يمشيان من جهتين متقابلتين حتى يلتقيا عند النقطة نفسها.
البياتي يسأل:
أين يصبح المنفى وطنًا؟
وعبد الحي يسأل:
كيف يصبح الوطن ذاتًا؟
ولكن كليهما، حين يستيقظ، يكتشف أن الذاكرة ليست وراءه فقط.
إنها أمامه أيضًا.
فالذاكرة هنا ليست مستودعًا لما مضى، وإنما قوة تعيد تشكيل ما هو آتٍ: الحب يعيد عند البياتي بناء الوطن في المخيلة، والتاريخ يعيد عند عبد الحي بناء الذات في الحاضر.
ومن هنا يطلع قمر شيراز.
ومن هناك تبرق فضة أحلام النهر.
وبين القمر والفضة، بين الحب والتاريخ، بين المنفي والعائد، بين جرح القلب وجرح الأرض، تمتد تلك البلاد التي لا تظهر على أية خريطة:
جغرافيا الروح.

abdelrmohd@hotmail.com

Author

د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
قصة معلم مخضرم تنقل ما بين تعليم نوعي واخر هلام (15) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي
منبر الرأي
من ست الشاي إلي الأمم المتحدة: رحلة البحث عن الرئاسة
منبر الرأي
كلمات سودانية معجمية مهجورة في لغة الكتابة (١٢)
بيانات
بيان من قلم السُّودان PEN Sudan بمناسبة اعتماده عضوًا في القلم الدَّولي PEN International
منبر الرأي
الخصومة في مهدية السودان، وصيّة أبي سليم الأخيرة

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

واحسرتاه: تتواصل شطحات وزارة الاستثمار .. بقلم: صلاح الباشا .. الخرطوم

صلاح الباشا
منبر الرأي

انشقاق السافنا.. العود فيه شق

اسماعيل عبدالله
منبر الرأي

صراع المصالح وتقاطع الأضداد فى ليبيا .. بقلم: ناجى احمد الصديق الهادى المحامى/ السودان

طارق الجزولي
منبر الرأي

الحزب الجمهوري الاشتراكي ورجال الإدارة الأهلية: بُعد البون بين الأمس (بدري) واليوم (حميدتي) .. بقلم: أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss