عبدالغني بريش فيوف
في أدبيات التغيير السياسي وعلم الاجتماع الثوري، تبرز واحدة من أخطر المغالطات التي وقعت فيها الشعوب، وتورطت فيها القوى الدولية على حد سواء، ألا وهي اختزال النظام السياسي في شخص الحاكم.
لقد سيطرت هذه النظرة السطحية على عقول الكثيرين، فظنوا أن التخلص من الديكتاتور، هو بمثابة رصاصة سحرية ستفتح أبواب الديمقراطية والرخاء، وتطوي صفحة الاستبداد إلى الأبد، لكن التاريخ الحديث، المعمد بالدم والدموع، يقدم لنا دروسا قاسية ومؤلمة تثبت بلا أدنى شك أن قطع رؤوس الأنظمة الديكتاتورية دون تفكيك وتغيير بنيتها التحتية العميقة، هو عبث سياسي لا طائل منه.
إن الاستبداد ليس مجرد شخص يجلس على كرسي العرش، بل هو شبكة معقدة من المصالح، والمؤسسات الأمنية، والتحالفات القبلية أو الطائفية، والمافيات الاقتصادية،آوعندما يُقطع رأس النظام وتبقى هذه الشبكة سليمة، فإننا لا نشهد ولادة فجر جديد، بل نشهد إما إعادة إنتاج للديكتاتورية بوجه جديد أكثر دموية، أو انزلاقا مروعا نحو الفوضى واللادولة.
إن إسقاط الطاغية لا يعني بالضرورة إسقاط الطغيان، فالطاغية فرد يزول، أما الطغيان فمؤسسة ونهج خفي يتمدد في شرايين الدولة، مستعداً لإنتاج طاغية جديد أو إغراق البلاد في الفوضى متى ما استشعر الخطر.
لماذا يفشل الاكتفاء بقطع الرأس؟
لفهم هذه الإشكالية بعمق، يجب أن ندرك كيف تُبنى الأنظمة الشمولية في الأساس، فالديكتاتور لا يحكم وحده ولا يعتمد على كاريزمته فقط، بل يعتمد على ما يُعرف بالدولة العميقة، وهذه الدولة تتكون من قيادات عسكرية وأمنية، منتفعين اقتصاديين، شبكات إعلامية مأجورة، ورجال دين مسيسين يوفرون الغطاء الشرعي، وهذه البنية الصلبة لا تدين بالولاء للوطن ككيان جامع، بل للمنظومة التي تضمن بقاء امتيازاتها ونفوذها ومكاسبها.
عندما يُزاح الديكتاتور أو يُقتل، تجد هذه البنية المؤسسية نفسها أمام خيارين استراتيجيين لا ثالث لهما:
1/ التكيف وإعادة التموضع: حيث تتخلى ببراغماتية عن الديكتاتور القديم وتتصدر مشهد التغيير لترثه وتحافظ على مكاسبها، وغالباً ما تنجح في سرقة الثورات.
2/ القتال الميت (خيار شمشون): إذا شعرت بأن التغيير سيمس مصالحها، فإنها تحرق المراكب، مما يؤدي إلى تمزيق الدولة وإدخالها في حروب أهلية طاحنة.
في كلتا الحالتين، يكون التغيير المنشود والتحول الديمقراطي قد أُجهض تماماً، لأن الجسد المريض والموبوء بالفساد والقمع بقي على حاله، ولم يُزل منه سوى الرأس.
شواهد حية من مقبرة التجارب الفاشلة!
لتأكيد هذه الأطروحة اللاذعة، لا نحتاج للغوص في التاريخ البعيد، فخريطتنا العربية والإقليمية تمتلئ بالنماذج الصارخة التي تدفعنا للتأمل ودق نواقيس الخطر:
العراق: صدام حسين واستبدال الطغيان بالفوضى المؤسسية!
في عام 2003، تم قطع رأس النظام العراقي بإسقاط صدام حسين، واعتقد الكثيرون وروجت الآلة الإعلامية الغربية لذلك، أن العراق سيتحول فوراً إلى واحة ديمقراطية ومركز إشعاع تنويري، لكن ما حدث هو تدمير هيكل الدولة الخاطئ واستبداله بهيكل أسوأ، تمثل في المحاصصة الطائفية.
لم يتم تغيير البنية الشمولية بثقافة ديمقراطية حقيقية، بل تم تفكيك الجيش والمؤسسات بطريقة انتقامية أوجدت فراغا أمنيا هائلا ومزقت النسيج المجتمعي، والنتيجة كانت ابتلاع العراق في دوامة من العنف المذهبي، وتحول الميليشيات إلى دولة داخل الدولة.
زال صدام، لكن بنية العنف، والإقصاء، والفساد المؤسسي تجذرت بشكل أعمق وأكثر تعقيداً حتى اليوم.
ليبيا: معمر القذافي وثقب اللادولة الأسود!
حكم معمر القذافي ليبيا لأكثر من أربعة عقود، لم يبنِ خلالها مؤسسات دولة حقيقية، بل اختزل الدولة في خيمته وشخصه ولجانه الثورية، وعندما تم القضاء عليه بطريقة دموية في 2011، لم تسقط حكومة، بل سقطت فكرة الدولة ذاتها.
الرأس قُطع، لكن البنية القبلية، وغياب المؤسسات المدنية، وانتشار السلاح العشوائي، وتغول الميليشيات بقيت دون أي معالجة أو احتواء، والنتيجة هي ليبيا الممزقة اليوم بين حكومتين وجيوش متعددة وتدخلات خارجية سافرة، حيث أصبح الاستقرار حلماً بعيد المنال، لأن التغيير اقتصر على إزاحة الرأس دون بناء جسد وطني جديد.
اليمن: علي عبدالله صالح والرقص على رؤوس الثعابين!
في اليمن، أُجبر علي عبدالله صالح على التنحي عبر تسوية سياسية (المبادرة الخليجية)، وسُمح له فيها بالبقاء في البلاد مع حصانة كاملة وثروة طائلة.
لقد قُطع الرأس رسمياً عن جسد السلطة، لكن شبكته العسكرية، والقبلية، والمالية وهي البنية الحقيقية للنظامن بقيت سليمة تماما وتمارس نفوذها الخفي، واستخدم صالح هذه البنية للانتقام من خصومه والتحالف التكتيكي مع ميليشيا الحوثي، مما أدخل اليمن في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
غياب صالح لاحقاً بمقتله على يد حلفائه الحوثيين لم ينهِ الأزمة، لأن البنية الزبائنية والميليشياوية ابتلعت ما تبقى من هياكل ومؤسسات الدولة.
السودان: عمر البشير ولعبة اللجنة الأمنية!
تُعد الحالة السودانية المثال الأحدث والأكثر وضوحا ومباشرة على خطورة إبقاء بنية النظام، حيث ثار الشعب السوداني بشجاعة نادرة، وتم عزل عمر البشير، ولكن من عزلوه فعليا، هم جنرالاته (اللجنة الأمنية العليا للنظام)، تم قطع رأس النظام استجابة لضغط الشارع، وبقيت المؤسسة العسكرية والأمنية وقوات الدعم السريع التي صنعها البشير نفسه لحمايته، تسيطر على مقاليد الأمور والثروات، ولأن البنية لم تُمس، ولأن الاقتصاد الموازي الذي يسيطر عليه العسكر لم يُفكك، انتهى المطاف بالسودان اليوم إلى حرب طاحنة وعدمية بين أجنحة النظام القديم ذاته (الجيش والدعم السريع)، يدفع ثمنها الشعب السوداني من دمائه وتهجيره ومقدراته.
الحالة الإيرانية: قطع رأس آية الله خامنئي كنموذج استشرافي!
اليوم، تتجه أنظار المحللين والقوى الدولية نحو النظام في طهران، ويعتقد البعض أن غياب أو قطع رأس المرشد الأعلى علي خامنئي، يعني تلقائياً انهيار نظام ولاية الفقيه، وهذا هو الوهم السياسي بعينه الذي أثبتت التجارب السابقة زيفه.
النظام الإيراني اليوم لم يعد مجرد شخص المرشد، إنه هيكل مؤسسي أخطبوطي شديد التعقيد والتجذر، ويتكون هذا الهيكل من ركائز صلبة:
الحرس الثوري الإيراني: مؤسسة عسكرية وعقائدية واقتصادية تسيطر على مفاصل الأمن بالكامل، ولديها جيوش موازية وأذرع في المنطقة.
الإمبراطورية الاقتصادية: الحرس الثوري والمؤسسات الدينية (البنياد) تسيطر على نسبة هائلة من الاقتصاد الإيراني، من قطاعات النفط والتصنيع إلى الاتصالات والمصارف.
الباسيج: شبكة شبه عسكرية متغلغلة في الأحياء والجامعات ومقار العمل لقمع أي حراك من الداخل بفعالية وقسوة.
الشبكة الأيديولوجية الحوزوية: التي تضفي شرعية دينية مقدسة على القمع السياسي والإقصاء.
إذاً قُطع رأس خامنئي اليوم، دون المساس الجذري بالحرس الثوري وبنية المصالح الاقتصادية والعقائدية المرتبطة به، فإن هذه المؤسسات ستسارع لترتيب أوراقها، إما بتعيين رأس جديد واجهة لها، أو بالانتقال إلى دكتاتورية عسكرية صريحة تحت غطاء ديني شكلي، ولن يتحقق الاستقرار الداخلي في إيران أو الاستقرار الإقليمي، ولن ينال الشعب الإيراني حريته، إلا بتفكيك بنية ولاية الفقيه تفكيكا كاملا، وليس مجرد انتظار زوال رأس الهرم.
ثنائية الوهم والحقيقة: قطع الرأس مقابل التفكيك الهيكلي!
عند مقارنة النتائج المترتبة على كلا النهجين (الاكتفاء بإزالة الحاكم مقابل التغيير الشامل)، تتضح لنا الصورة الجلية للفارق بين الوهم السياسي والعمل الثوري الحقيقي:
من حيث النتائج المباشرة: الاكتفاء بقطع رأس النظام يُخلف فراغا أمنيا وسياسيا، تتصارع فيه أجنحة النظام القديم لوراثة السلطة، بينما التغيير الهيكلي يفرض فترة انتقالية مؤسسية تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة.
من حيث مصير الدولة العميقة: في حالة قطع الرأس فقط، تتغول الدولة العميقة وتعيد إنتاج نفسها وربما تشعل حربا أهلية لحماية مصالحها، أما التغيير الجذري، فيعمل على تفكيكها تدريجيا وإخضاعها لسلطة القانون الرادع.
من حيث الاقتصاد والثروات: إبقاء البنية يعني استمرار النهب المنظم للثروات من قبل أمراء الحرب وبقايا النظام، بينما تفكيك البنية يضمن استعادة مقدرات الدولة وتوجيهها لصالح التنمية المستدامة.
من حيث الاستقرار المستقبلي: الاستقرار يكون معدوما في الحالة الأولى لأنها تؤسس لدورة جديدة من العنف والاستبداد والمظالم، بينما يؤسس التفكيك الهيكلي لدولة ديمقراطية مستقرة تقوم على المؤسسات وتداول السلطة.
ملامح التغيير الحقيقي: كيف نغير البنية؟
إن الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية أو حتى إلى الاستقرار المؤسسي لا يحدث بمجرد سقوط طاغية، بل يتطلب هندسة سياسية واجتماعية واعية وحازمة، ترتكز على الخطوات التالية:
1/ تفكيك وإعادة هيكلة الأجهزة القمعية: لا يمكن لدولة جديدة أن تُبنى بأدوات الدولة القمعية القديمة، يجب إعادة صياغة العقيدة الأمنية لتصبح مبنية على حماية المواطن وحقوقه والدستور، وليس حماية النظام أو الحاكم.
2/ تفعيل العدالة الانتقالية والمحاسبة: ترك أقطاب النظام القديم دون محاسبة بحجة التسامح المطلق، يعني منحهم فرصة ذهبية لتمويل الثورات المضادة والتخريب، إذ ان المحاسبة الناجزة والعادلة تضمن تفكيك شبكاتهم ومنع إفلاتهم من العقاب.
3/ تجفيف منابع الاقتصاد الموازي: الأنظمة الشمولية تبني اقتصادات موازية وخفية، استعادة هذه الأموال والأصول لصالح الخزينة العامة يمثل ضربة قاصمة لبنية النظام تمنعه من إعادة تمويل آلة القمع والفساد.
4/ صياغة عقد اجتماعي جديد: الأنظمة الديكتاتورية تعيش وتقتات على تقسيم المجتمع وزرع الفتن، تغيير البنية يتطلب دستوراً يرسخ المواطنة المتساوية ويقضي على أشكال الاستقطاب والتمييز.
إن التجارب المريرة التي خاضتها شعوبنا يجب أن تكون بمثابة مصل مناعة ضد الأوهام السياسية والانتصارات المنقوصة.
لقد تعلمنا بالدم والخراب والتهجير أن الطغاة، ليسوا أفراداً معلقين في الفراغ، بل هم قمة جبل الجليد لمنظومات فاسدة ومجرمة تضرب بجذورها عميقاً في مؤسسات الدول واقتصاداتها.
إن الفرح بسقوط طاغية، أو اغتيال مرشد، أو هروب دكتاتور، هو فرح إنساني مشروع تتوق له الشعوب المقهورة، لكنه يجب ألا يُعمي بصيرتنا السياسية.
التحدي الحقيقي والأخطر لا يكمن في اللحظة التي يسقط فيها الديكتاتور، بل يبدأ في صبيحة اليوم التالي، حيث تنطلق المعركة الأكبر والأكثر تعقيداً لتفكيك حقول الألغام المؤسسية التي زرعها النظام القديم في جسد الدولة.
باختصار شديد، إن المعركة ضد الاستبداد، هي معركة استراتيجية لإستئصال سرطان خبيث بكامل خلاياه المتشعبة، وليس مجرد قطف ثمرة فاسدة من شجرة مريضة، فإذا لم يُقتلع الجذر، فإن الشجرة الملعونة ستنبت من جديد لتطرح ثماراً أكثر مرارة، وستظل دورة الفشل السياسي والتمزق تطحن دولنا دون رحمة.
لا استقرار حقيقي دون تفكيك البنية، ولا كرامة ولا حرية دون بناء مؤسسات وطنية جديدة من رحم الوعي والإرادة الصلبة.
bresh2@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم