بقلم الريح علي الريح
يفترض، نظرياً على الأقل، أن تقف الغالبية العظمى من القوى المدنية السودانية موقفاً واضحاً ضد الحرب الدائر رحاها الان وضد عدوان طرفي الحرب على الاعيان المدنية وعلى المواطنين العزل والنساء خاصة وضد تجنيد الاطفال وتدمير مستقبلهم. لكن الواقع أكثر تعقيداً وأقل انسجاماً. إذ نرى جيوباً وتيارات لم تعارض الحرب بل وقفت ووقعت مع احد الاطراف واخرى تقاتل وتدافع عن طرف اخر، بل ترفع صوتها بالتبرير لهم أو حتى التأييد لهجماتهم على المدنيين.
الحقيقة، هذه القوى السياسية التي اصبحت عونا لطرفي الحرب بدل السعي والضغط لايقافها وكان المطلوب منهم موقف معنوي وأخلاقي ووطني، ونحن مدركين أن كل القوى السياسية لديها مشاكلها التنظيمية والفكرية والسياسية والاقتصادية من دون أن نضيف إليها أعباء جديدة مما جعلها في احد الصفوف فهم مجبورين وليس مختارين لخياراتهم ومافي داعي نضغط عليهم ونطلب منهم مستحيلا.
ووقوف هذه الفئات مع طرفي الحرب في استهدافهم المدنيين ليس استثناء، بل هو امتداد لنمط تبريري متكرر. حيث ظل السودان منذ الاستقلال، يعيش دورات من الانهيار والدمار تحت تأثير مشروع إلاستعمار الجديد وأدواته، وعلى رأسها «الحركة الاسلامية بقيادة حسن الترابي»، ومع ذلك ظلّت قطاعات وطنية لا ترى السودان بلداً وشعباً، بل مجرد معسكر للقوى الغربية، وتمنح هذا الواقع غطاء بحجة «اننا ضمن المجتمع الدولي». وما يحدث في السودان اليوم يعيد إنتاج المشهد ذاته منذ الاستقلال واستهداف الغرب للسودان لانه من اوائل الدول التي نالت استقلالها بفضل تضحيات الشعب السوداني منذ كرري وحتى رفع العلم. ولكن ظل البعض يبرر التدخلات الخارجية بمختلف الحجج.
وليس ذلك جديداً على الذاكرة السودانية. وفي الراهن القريب قد بُرر تدخلات جنوب السودان وتشاد واثيوبيا في الشان السوداني عقب ثورة 2019 بخطابات مشابهة، تُعيد تعريف التدخلات الخارجية باعتبارها «توازنا دولياً» بين المحاور العالمية! هذه الأطروحات لا تموت بل تتناسل عبر أجيال. والعلة في البنية الثقافية والفكرية التي تُعيد تفسير الوقائع وفق قوالب جاهزة ونظريات من الغرب عن التوسع والحماية والحضارة وغيرها من مسوغات التدخلات الخارجية وبالتالي ياتي بيع الاوطان وتاتي تصفية الثورة من حيث يعلمون ولايعلمون .
هذا التبسيط قد يبدو مريحاً للبعض بحيث يختزل تعقيد ما يحدث في سرديات ونظريات سهلة: «مشروع الشرق الاوسط الكبير والحرب على الارهاب والهبوط الناعم» أو «الفوضى الخلاقة واسلحة الدمار الشامل». إنما الفارق يكمن بين من يجلس في المقاعد مشجعاً احد الاطراف وبين من يقول اوقفوا الحرب والدمار على قول الشاعر (قادرين نسويها اسمنت او جالوص يا شايل السكين من يدك ارميها).
المجرم والضحية في الحالة السودانية واضحين للعيان ولكل العالم المتابع الحدث.
في مكان وزمن الحروب والخضوب والأزمات الكبرى ليس الصراع عسكرياً ودبلوماسيا واقتصاديا فحسب، بل له جبهات موازية فكرية وثقافية واخلاقية. وكل تيار يعيد قراءة الحرب وفق ثقافته المسبقة وتصوراته الهشة والصلبة، التي شُحنت طويلاً بخطابات وتصورات تشجيعية او تكاسلية. ومع مرور الوقت تصبح هذه القوالب عبئاً ثقيلا يعيق الفهم والتكيّف يجعل صاحبه عبئا على نفسه وعلى كل العالم.
المواطن السوداني غير الشغوف بالشان العام لا يشعر بخطر ادعاءات المساندين للحرب من الطرفين بصورة مباشرة، ولا يعتبرونهم قضية واجب النقاش فيها. لان تفكيرهم مشغول بهم البلاد الذي يتقسم شرقا وغربا إلى نيالا وبورتسودان، ويختزله في برهان وحميدتي. قد لا يكون ذلك بالضرورة تعبيراً يرغب في إيذاء هولاء المواطنون البسطاء، ضحايا الثلاثون عاما من الديكتاتورية، التي ساد فيها حكم الفرد والمليشيات وتناسلت الحركات المسلحة وساد الارهاب الفكري والسياسي وروح العداء للجميع.
فقط من يتابع الشان العام يشعر بخطر الانجرار وراء الغرب ومشروعه المجحف تجاه بلادنا، والشبكات الوكيلة له التي ما فتئت تعيق مسار الديمقراطية والتنمية في السودان مما يجعل امننا مهددا على الدوام. وهي ليست نظرية احتمالات بل لها تاريخ طويل من الاعمال الاجرامية منذ الستينات والسبعينات والثمانينات فيما لا علاقة له بمصالح بلادنا. البقية لا يشعرون بهذا التهديد ولا يهمهم هذا التهديد، وكثير منهم ينكر حقيقة وجوده في ظل تبسيطهم للعالم من حولهم مع وضد هلال ومريخ امة واتحادي ختمي وانصاري. وهذا لا ينفي بأي شكل كان عدالة القضية الوطنية واستحقاقاتها ومظلومية أهلها.
الإشكالية الأخلاقية نفسها رأيناها ابان الثورة على النظام البائد التي قال عنها احدهم انها بوخة مرقة، حيث وقفت قوى منهم إلى جانب اللجنة الامنية للنظام السابق واجتمعت معه بالسر والعلن لاجهاض الثورة؛ لأن موقف الثورة ضد طموحاتهم في وراثة نظام البشير.
أكثر من مليون شهيد ماتوا ظلماً على أيدي رجال البشير ولم يحرك عقل وتفكير هؤلاء تسليم البشير ومعاونيه للمحكمة الجنائية الدولية عندما تسيدوا المشهد.
وعندما تغير المشهد لصالحهم وتبين أن النظام الجديد ملك مستباح لهم لم يحاولوا تغيير البلاد الى طريق امال الثوار او لمصلحة البلاد وانما مضوا في طريق التمكين كما النظام البائد، وخطابهم كان متسامحا لحد بعيد مع الذين سفكوا دماء الثوار اكثر مما يتوقع الفلول انفسهم. لم يترجموا شعارات الثورة الى افعال وانما فعلوا ما يمليه عليهم الغرب مما ادى لتضعضع الثور والانقضاض عليهم في رمشة عين ولم يجدوا وجيعا يبكي عليهم او صاحب مرؤة يهب لنجدتهم.
لسخرية القدر وللمفارقة، فإن هذا الارتباك في المواقف لا يقتصر على حزب محدد او شلة سياسية معينة، وانما الاغلبية من القوى المدنية كانت تزور الخليج ومباني السفارة الامريكية والبريطانية واعوانها. ليس لأن «الاغلبية» من السودانيين لا تعلم ما يقومون به وانما لانهم لايعترفون بوجود جماهير من اساسه فهم اعوان للغرب نعم ولكن لم يقرؤوا او يسمعوا عن علم نفس الجماهير وهو منتوج غربي ايضا، بل حاولوا أن يجعلوا من الشعب السوداني، أسير سرديات صاغتها وسائل الإعلام والثقافة الغربية وكانوا فيها مثل الارغوزات يرددون.
لدهور وعقود السودان ضحية مستهدفة من الغرب و«الشعب السوداني» في حركة مقاومة دائمة منذ السدود ومقاومة التهجير ورفض المعونة الامريكية ومحاولات بيع مشروع الجزيرة والقائمة تطول ولا تقصر.
أربكتهم فترة بداية اشتعال الثورة السودانية وجعلتهم ينادون بمنازلة البشير في انتخابات 2020 ولكن الشعب السوداني كان رايه خلاف ذلك وكشفت الايام ما فعلوه من بيع وشرأ وتعهدات وسط الثورة بصورة واسعة.
بيننا وبينهم مواجهة ليست خلافاً بيننا على حدث في اللحظة، كلا ولا بل أكبر من ذلك، نعاني من أزمة ثقة اخلاقية وفكرية واسعة ربما لا أحد يرغب في مواجهتها الان بحكم الحرب ولكن لابد من مواجهتها الان وليس الغد.
مرسل من هاتف Samsung Galaxy الذكي.
elryahali@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم