صرخة سيادية- بين توحش الخطاب المليشياوي وانهيار المؤسسات

زهير عثمان
في لحظة مفصلية يقف فيها السودان على حافة انهيار سياسي وأمني عميق، يتصاعد خطاب منظري المليشيات الأيديولوجية بصورة غير مسبوقة، خطاب يتجاوز حدود الاختلاف السياسي ليصل إلى مستوى الابتزاز العلني للمؤسسات العسكرية والتشكيك
في شرعية الدولة نفسها
هذا الخطاب، الذي يربط مصير السودان بمحاور إقليمية وصراعات خارجية، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رأي سياسي، بل يمثل محاولة خطيرة لجر البلاد إلى دائرة صراع بالوكالة في وقت لم يتعاف فيه السودان بعد من الحرب التي اندلعت عام 2023
أزمة القيادة حين يصبح الصمت سياسة
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم من يمنح هذا الخطاب المتطرف القدرة على التمدد؟
الإجابة المؤلمة تكمن في حالة الترهل القيادي والعجز المؤسسي التي تعاني منها الدولة , حقيقة فالصمت الرسمي أمام خطاب التحريض وتحدي المؤسسات لا يمكن تفسيره فقط باعتباره ضعفاً سياسياً، بل يعكس أزمة قيادة حقيقية تسمح للفوضى بالتحول إلى واقع دائم
الأخطر من ذلك أن استمرار حالة السيولة الأمنية وتعدد مراكز السلاح قد أصبح بالنسبة لبعض الأطراف ضمانة سياسية لتجنب أي مسار جاد للمحاسبة عن الانتهاكات التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الحرب
من التحريض السياسي إلى المسؤولية القانونية
من منظور قانوني وحقوقي، فإن الخطاب الذي يحرض على تقويض المؤسسات أو استهدافها لا يمكن اعتباره مجرد جدل إعلامي. فالقانون الدولي الإنساني يضع التحريض على العنف المنظم ضمن الأفعال التي قد ترتبط بجرائم الحرب، خصوصاً عندما يكون
موجهاً ضد مؤسسات الدولة أو المدنيين
كما أن الفشل في مواجهة هذا الخطاب أو الحد من تأثيره يطرح تساؤلات جدية حول مسؤولية القيادات السياسية والتنفيذية التي يفترض بها حماية النظام العام وسيادة القانون
حكومة بلا أدوات
في المقابل، تبدو الحكومة المدنية التي يفترض أن تقود مرحلة استعادة الدولة عاجزة عن فرض حضورها أو تقديم رؤية واضحة للخروج من الأزمة، الأمر الذي جعلها تبدو في نظر كثيرين أقرب إلى كيان رمزي بلا أدوات حقيقية للتأثير
هذا الفراغ السياسي يفتح المجال أمام خطاب المليشيات ليملأ المشهد، ويمنح القوى المسلحة غير النظامية قدرة أكبر على التأثير في مسار القرار الوطني
خيار الدولة أو الفوضى
السودان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي , إما استعادة مفهوم الدولة التي تحتكر السلاح وتفرض سيادة القانون، أو الاستمرار في دوامة الفوضى التي قد تقود البلاد إلى انهيار مؤسساتي كامل
إن ترك الساحة لخطاب التحريض وتصفية الحسابات السياسية تحت مظلة السلاح لن ينتج سوى المزيد من الدمار
وفي النهاية، فإن التاريخ لن يحاكم فقط من أشعلوا الحرائق، بل أيضاً من وقفوا صامتين وهم يشاهدون الدولة وهي تتآكل.

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

السودان.. وطن الطبيعية الاستثنائية وصناعة الحياة في زمن الانكسار

زهير عثمان في بلدٍ تتقن فيه الأزمات مواعيدها بدقة تفوق التزام المواطن بأبسط حقوقه، يتحول …