صفوتنا ضيف ثقيل على الواقع

عبد الله علي إبراهيم

الدكتور صلاح فرج الله فيه شيء لله وللبلاغة. والشيئان ربما كانا أصلهما واحد: إن من البيان لسحرا. سمعته في ندوة منذ أيام عَدَّد فيها جيران السودان التسعة. وقال: “ياللنعمة!”. ولو كان أحد غيره من البرجوازيين الصغار لقال: “جنس مشاكل. حتى في الجوار السودان مبتلي”. وقرأت لصلاح منذ أيام في حوار له بإحدى الصحف قوله: “والسودانيون ضيوف ثقلاء على الواقع”. وطربت شريطة أن يستبدل “السودانيون” ب “صفوة الرأي في المدينة”. فهذه الصفوة متورطة في الواقع حبيسة حدوده ولو بشر بينهم مبشر بتغيير قالوا: “دا بلد كده وبس. ما بتغير ياخي”. ونال المبشر منهم الأذي والتخرص عن حقيقة نواياه من دعوته للتغيير.

البلاغة من نعم الله على عباده. وقد حرم منها صفوة الرأي عندنا. فهي تشوشر إذا سمعت مجازاً. فالمجاز (من تشبيه واستعارة) صنو الخيال. فبالمجاز تتفتح كوى للمستقبل غير مطروقة. ففي المجاز تأتي بعلاقة بين أمرين غير واضحة للوهلة الأولى. فقد وجدت الرباطابي الفصيح يشبه الذي يأكل من فحل بصل بذاك الذي يتحدث في ميكرفون. من أين جاء بهذا التخليط البديع؟ ولذا سموه سحاراً لأنه يتنزل للعالم بجديد لم يطرأ على بال بشر قبله. وهذه العلائق المستجدة بين الأشياء (مثل التي يخترعها السحار) هي التي وصفها التجاني يوسف بشير ب”فتح الكون بالقصيد”.

ومن علل سياستنا الفاضحة خلو صفوتنا من الخيال. والسياسة بلا خيال تجعل منك ضيفاً تقيلاً على الواقع في قول صلاح فرج الله. فصفوتنا رهنت مشروعها بالماضي فكل ما ترغب فيه قد حدث وانتهى. فغاية الإسلاميين ان يعيدوا إنتاج العصر الذهبي للإسلام. وغاية الحداثويين أن يعيدوا فينا سيرة الغرب حذوك النعل بالنعل. وهذا هو الأصل في قول صلاح فرج المعدل بأن صفوتنا الحاكمة والمعارضة ضيوف ثقلاء على الواقع الذي لا فكاك منه بنظر أو خيال جريء في المستقبل.

وسمعت الصفوة كثيراً تقول لي كيف تبلغ العامة وأنت مستغرق في مجازاتك الجانحة. فالشعب (أي العامة) في شغل عن المجاز البليغ بالنصب للقمة العيش. والصفوة غافلة أن المجاز في العامة فاش وهم يطربون له طرباً شديداً. سمعت هذه النادرة منذ أسابيع عن رباطابية بليغة. قيل إنها تنازعت مع أحد الشايقية موضعاً في قطر كريمة. وكان هذا نزاعاً مستمراً على أيام السفر بالقاطرات في “الزمن الجميل”. فالشايقية يركبون القاطرة في كريمة فيحتلون كل موضع فيها ولا يتركون فجة للرباطاب الذين سيأتون لها من محطة أبو حمد إلى الباقير. وغالباً ما انتهت هذه النزاعات إلى تراض وقسمة كنب وأنس. وبعد النزاع والصلح سأل الرجل الشايقي المتمترس الرباطابية إن كانت تعرف شايقياً باسمه ببلدتهم. فقالت:

والله طيب وكريم وقدامي لكين ما جربناه في القطر.
وقرأت منذ أيام خبراً عن سيدنا عمر رضي الله عنه تطابق مع بلاغة الرباطابية. قيل إنه زكى أحدهم لسيدنا عمر أن يستخدم رجلاً ما. قال سيدنا عمر: ” أتعرفه؟” قال: “نعم.” قال: “لعلك رأيته يصلي في المسجد؟” قال: “نعم.” قال سيدنا عمر:” أتعاملت معه بالدرهم والدينار؟” قال: “لا.” قال سيدنا عمر: “فإنك لا تعرفه”. اي أنك لم تجربه في القطر. وأزيدكم. قال السودانيون: “العاوز تعرف عيبو اهبش جيبو”. وتقول لي شنو؟ والناس ناس معايش ساكت! وما ليها في المجاز. يا أولاد الأيه!

ibrahima@missouri.edu

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

اعتزلت المدرسة ثقافة المحيط فساءت سبيلاً

عبد الله علي إبراهيمibrahima@missouri.edu تصدر عن قريب من دار المصورات الطبعة الثانية من “كتابي الثقافة …