صلاح شعيب
ما يزال الرأي العام السوداني يواصل إدانته الشديدة للجريمة النكراء التي ارتكبها الجيش المصري بحق الأراضي والسيادة السودانية. ولأول مرة منذ سقوط نظام الحركة الإسلامية، يتوحد قطاع واسع من السودانيين على التعبير عن غضبهم المكبوت تجاه هذه الانتهاكات، في مشهد يعكس عمق الإحساس بالإهانة الوطنية، والتفريط في كرامة الدولة.
وعلى الرغم من هذا الغضب الشعبي المتصاعد، تبدو حكومة بورتسودان – بشقيها العسكري والمدني – غارقة في سبات عميق، وكأنها خارج دائرة الحدث. فبدلاً من اتخاذ موقف واضح يليق بحجم الجريمة، يستهتر الفريق عبد الفتاح البرهان بالأمر، ويسعى إلى إلهاء الشعب بمبادرات شكلية تمثلت في تصويره وهو يلعب الورق مع جنوده. إنه ديكور سياسي أراد به شغل الناس وصرف أنظارهم عن الحقيقة، لكنه ارتدّ عليه كاشفاً هشاشة موقفه، وعجزه عن مواجهة الواقع.
ومع أولوية الاهتمام بالشأن السوداني في هذا الظرف، فإن رئيس الوزراء بدا مشغولاً بسلامة البابا أكثر من اهتمامه بسلامة الجرحى الذين سقطوا في العملية الغادرة. وأما وزير الإعلام فقد اختفى تماماً عن المشهد، دون أن يقدم للرأي العام أي كلمة تطمئن أو توضح، مكتفياً بقرار رئيسه الشكلي القاضي بتمييع الموضوع عبر لجنة صورية لا قيمة لها.
ويزداد الأمر غرابة حين يتضح أن مسؤولين أمريكيين قد تدخلوا، ومرّروا معلومات استخبارية دقيقة إلى صحيفة «نيويورك تايمز» تؤكد وقوع الهجوم على الأراضي السودانية. ومع ذلك، تجاهلت حكومة بورتسودان الأمر برمّته، وكأن السيادة الوطنية لا تعنيها، وكأن دماء السودانيين لا تستحق حتى بياناً رسمياً.
إن ما نشرته الصحيفة نقلاً عن مصادرها الحكومية يُعدّ أبلغ دليل على الجرم المصري، وكان من المفترض أن يدفع البرهان إلى إدانة الفعل صراحة. غير أن تجاهل بورتسودان لما ورد في التقرير يعمّق الشكوك حول احتمال وجود تنسيق أو علم مسبق لدى البرهان بما أقدمت عليه القاهرة.
وعلى الصعيد الآخر، حاولت بعض الكتابات والأصوات الداعمة لبورتسودان الخروج عن إجماع الغضب السوداني العارم، والدفاع عن “حق مصر في حماية أمنها، وأراضيها”، متجاهلة الأدلة الدامغة التي قدمتها صور الأقمار الصناعية، والتي أكدت وقوع الهجوم داخل الأراضي السودانية، على بُعد أربعين كيلومتراً جنوب الحدود السودانية-المصرية.
إن البرهان مطالب اليوم قبل الغد بمواجهة غضب الرأي العام بخطاب صريح يدين فيه الحادثة، حتى يُبعد عن نفسه شبهة المعرفة المسبقة بها. فالزمن لا يسعفه في مواصلة التجاهل، كما أن التظارف بالتواضع لا يحمل مشاكله الضخام. فكلما طال صمت الجيش، وتهرب مسؤولي حكومة بورتسودان من تناول اهتمامات الرأي العام، ازدادت الشكوك حول الدور المحتمل الذي قد يكون البرهان قد لعبه في إزهاق أرواح المعدّنين الأبرياء.
هذا الواقع الذي يعيشه السودان اليوم، في مقابل عجز حكومة بورتسودان، يكشف أخطاءً كارثية ارتكبتها قيادة الجيش. فالحرب التي خاضتها هذه القيادة بعون متطرفين من بقايا الحركة الإسلامية، لم تكن مجرد خيار عسكري، بل عاملاً حاسماً في دفع البلاد إلى هذا الهوان والتفكك. لقد فتحت تلك الحرب أبواب الانهيار أمام مؤسسات الدولة، وحوّلت معاناة المواطنين داخل البلاد وخارجها إلى واقع لا يُطاق.
ما لم تعد العقول إلى رشدها، ويتوقف نزيف الدم بين الفرقاء، فإن هذه الأوضاع المأساوية مرشحة للاستمرار، بل للتصاعد نحو انهيار تام لأجهزة الدولة. السودان اليوم يقف على حافة خطر وجودي، ولا ينقذه سوى إيقاف الحرب، ووضع مصلحة الوطن فوق كل الحسابات الضيقة، وتحقيق سلام يعيد للسيادة والكرامة معناهما الحقيقي.
